Menu

الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل التاريخ المشبوه ‘‘الانصهار مع الشر’’ !

د. محمد عياش

نشر في مجلة الهدف العدد (68) (1542)

   سؤال موجّه من / جون روح / الايرلندي الأصل ،ومساعد الرئيس الأمريكي الأسبق ليندول جونسون في الستينيات من القرن المنصرم للرئيس جونسون عام 1967 م في غلاسبور، لماذا تؤيد الولايات المتحدة الأمريكية «إسرائيل » ضد الدول العربية على الرغم من أن الدول العربية غنية بالمصادر التي تحتاجها أمريكا ؟ فأجاب جونسون : إننا نؤيد « إسرائيل » لسبب واحد فقط : " أنها تظهر بمظهر المدافع عن مصالحنا" .

لا يجوز لأحد التفكير بتقليل أهمية تواجد أكثر من سبعة ملايين يهودي، يتميزون بالنشاط والتنظيم الدقيق والانضباط، واستغلال الفهم المعلوماتي، وقيادة كبرى وكالات الإعلام، كما يركزون على المفاصل الأكثر حساسية للمجتمع الذي يعيشون فيه، ويقدمون خدماتهم كلها لمصلحة «إسرائيل» حتى لو كانت هذه الخدمات متعلقة بالأمن الأمريكي العسكري والاستراتيجي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي وحتى الأمن الروحي..

أجل أكثر من سبعة ملايين جاسوس إسرائيلي على الأرض الأمريكية ولهم الدور الفعال والمؤثر في ميادين الحياة الأمريكية، كما لا يجوز لأحد إغفال عامل الغطرسة الإسرائيلية في التعامل مع الأمريكيين، نتيجة السياسة التي تتبعها المنظمات الصهيونية و «إسرائيل» ضد الأمريكيين بدءا ًمن رئيس البيت الأبيض وانتهاء ً بأستاذ الجامعة ومرورا ً برجال الاقتصاد والصحافة والفكر والعلم وخبراء الاستراتيجية وصولا ً إلى العاملين في دور الثقافة والمعلومات والبحث..

في الحقيقة هذا التشابك أو التداخل في العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية لا يعود في كثيرٍ من عوامله إلى قوة اللوبي الصهيوني على الأرض الأمريكية، كما أنه لا يعتمد على عناصر كثيرة تعود في أساسياتها إلى قوة «إسرائيل» والقناعة الأمريكية بها أنها حامية مصالح الولايات المتحدة، أو أنها ‘‘واجهة الديمقراطية الغربية، أو أنها ’’ كنز استراتيجي ’’ لأمريكا والغرب بل يعود هذا التداخل إلى الإرادة الأمريكية أولاً، وإلى التأثير التوراتي ثانيا ً والتواجد اليهودي منذ عام 1636 م في أمريكا ثالثا ً، وتوزع الأدوار بين المنظمات الصهيونية رابعا ً، ولأن أمريكا كانت في أربعينيات هذا القرن بحاجة إلى قاعدة لها في المنطقة لتظهر بمظهر القوة العالمية التي لها دور أساسي بين قوى العالم، فكان دعمها غير المحدود لإسرائيل خامسا ً، ولأن اليهود بملايينهم شكلوا وأسسوا لما يسمى منظمة «الأيباك» ذي القوة الاقتصادية الضخمة، ومنظمة «الهيسبارا» التي تُعنى بالرأي العام الأمريكي واقتياده لما ترى «إسرائيل».

   إن هذه العلاقة الخفية أو المشبوهة كما يصفها / هنري كيسنجر / " بالمجهول الذي يحكم أمريكا " لم تعد خافية على أحد، ذلك أن العلاقة التي بدأت بسرية تامة عام 1636 م ولم تخرج إلى العلانية وعلى شاكلة اتفاقات مكتوبة إلا في عام 1956 م، عندما وقع الرئيس الأمريكي / إيزنهاور / اتفاقية مع «إسرائيل» ترتكز على بندين أساسيين أولهما، التعاون التقني والعسكري والمادي، وثانيهما التعاون في مجالات الذرة.

   كما توجد على الأرض الأمريكية دلائل تشير إلى قوة هذا اللوبي الصهيوني، فقد فرضت أسماء ومسميات على مناطق تعتبرها الصهيونية العالمية بعضا ً من حقوقها الثابتة، أو من المواقع التي تتضمنها توراتهم اليهودية، وفي حقيقة الأمر إن غالبية هذه الأسماء مسروقة من التراث العربي، ومنها أريحا في ولاية الآباما، وعدن في أريزونا، والسامرة في أياهو، والخليل في داكونا الشمالية، وبحيرة سيناء في داكونا الجنوبية، والأردن في إلينوي، وبيت لحم في بنسلفانيا، وكنعان الجديدة في كونيكتيكت، وضاحية غوشين في يومنغ، وأورشليم « القدس » تكررت أكثر من خمسة عشرة مرة في ولايات متعددة .

والمؤشر الأكثر وضوحا ً على التجاهل والاستخفاف والعلاقة الخفية هو قيام واشنطن بأعمال التغطية والتعتيم على تاريخ الإرهاب الصهيوني، حتى ولو كان ضد الأمريكيين أنفسهم !! وليس حادث السفينة الأمريكية ( ليبرتي ) بعيدا ً، ومع هذا كان التجاهل الأمريكي الرسمي له متعمدا ً، في الوقت الذي أدرك فيه المسؤولون في الحكومة الأمريكية أن الهجوم الإسرائيلي كان متعمدا ً على السفينة في البحر الأبيض المتوسط عام 1967 م وهو الحادث ذاته الذي ُقتل فيه 24 من البحارة الأمريكيين !! وتجاهلت أيضا ً متعمدة قيام «إسرائيل» بتهريب عدة مئات من الكيلوغرامات من اليورانيوم من مفاعل ناميك في ولاية بنسلفانيا الأمريكية في الستينيات من القرن الماضي !!

إن من ينتظر " التغيير " مع الرئيس الأمريكي العائد / ترمب / عليه مراجعة التاريخ والتحليل والاستقراء الحقيقي لكل الرؤساء الأمريكيين، سيجد في النهاية أنهم لا يملكون القدرة على قيادة الولايات بحرية كاملة، ولا يستطيعون أن يفرضوا أي قرار لا تحبذه «إسرائيل» أو لايتماشى مع سياستها، وبالتالي الحديث عن السلام وراعية السلام يتوقف على «إسرائيل» بالدرجة الأولى، وقد قال مثل هذا الكلام نائب وزير الخارجية الأمريكية / جورج بول / من عام 1961 إلى عام 1966 قال مستشهدا ً بقول أحد المشاركين في المفاوضات المصرية – الإسرائيلية : " إن محاولة مساعدة إسرائيل للسير في طريق السلام هي كمن يحاول إبعاد دراجة عن طريق قطار قادم، بينما يصر الصبي الذي يركبها على تشغيل البدّال إلى الخلف – أي أن» – إسرائيل» مصرّة على محاولة إرجاع العجلة إلى الوراء، وهي لاترجع بهذه الطريقة وبذلك ستنتحر " إذا ً فالآلية السياسية التي تتحرك ضمن مسار العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية، تتبع خطا ً بيانيا ً كثير التعاريج، إلا أنها في المحصلة تصب في المجرى الذي جعلته «إسرائيل» عاما ً لخدمة مطامعها في مواصلة الغزو والتوسع والاستيطان.

والملاحظ في هذه الأيام التعنت الذي يبديه رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو, والذي يقابله في البيت الأبيض من تراخٍ وتهاون وتماهٍ مع السياسة الصهيونية في الإبادة الجماعية لقطاع غزة والنيات الخبيثة التي تنتظر الضفة الغربية، وتهويد القدس وطرد المقدسيين الأصليين من ديارهم ولو بالقوة، والتحضيرات التي تتجهز لضرب المنشآت النووية الإيرانية، وعن لهاث المتشددين، في قتل الحلم الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

إن التواجد الإسرائيلي السرطاني في قلب الوطن العربي فلسطين هو بمثابة الكنز الحقيقي للولايات المتحدة على حد تعبير الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، وهذا ما يفسر التغاضي الأمريكي عن كل الجرائم والتوسع والاستيطان، وبالتالي لايمكن فصل الأطماع الأمريكية عن أطماع الشرطي الإسرائيلي الذي يقف بأمر من السيد الكبير أمريكا، ولايمكن لأمريكا أن تقف في وجه الكيان الإرهابي مهما حدث؟!.

ذات يوم وقف وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت ماكنمارا، في العام 1979، وألقى خطاباً أمام نادي روما، قال فيه: إن الارتفاع الصاروخي والجنوني لعدد سكّان العالم يشكل أكبر عائق أمام التطور الاقتصادي والاجتماعي.. في العالم. لهذا علينا الآن وليس غداً أن نمنع وصول عدد سكّان الكون إلى عشرة مليارات نسمة". وقال: "لدينا خياران، الأول تخفيض معدل الولادات أو رفع معدل الوفيات، والطريقة هذه يمكن أن نحصل عليها بالحروب أو الأمراض". ومن أقواله الشهيرة في هذا السياق: "لتعمل جيّداً عليك الانصهار مع الشر".

مستقبل العالم يتوقف على حجم النيات الخبيثة التي تضمرها هذه العلاقة الجدلية التي لم تجد تفسيراً منطقيا من كبار المحللين والعاملين في مجال العلوم الإنسانية، لجهة الحقد على الخير الذي تطلبه بقية العالم والعيش الكريم واحترام الإنسانية ووضع القوانين والقيود لاستمرار الكوكب بأمن وسلام، وهما اللذان يمثلان الشيطان بكل تفاصيله، إذ يريدان تدمير العالم وتسييره وفق الرؤية التي تناسبهم بنسف القيم الإنسانية والتقاليد والعادات، لإقامة ما يسمى عالم القوة القاهرة فوق البلاد والعباد، أو مملكة الشيطان الذي مصدره النار، والويل والثبور لمن يرفض هذه الأسس والمرتكزات، أما عن التاريخ وكيفية انسجام الرؤى والأهداف، أعتقد أصبح قديماً وقديما ً جدا ً، حيث أن الأدوات التي نجحت في السابق لم تعد تعمل بفعالية، والظروف والمتغيرات لم تصب في مصلحتهم، لأن الأزمة تحديداً في أن القديم يحتضر، بينما الجديد لا يستطيع أن يولد بعد، وفترة الالتباس بين العتمة والنور تظهر شتى أنواع الأمراض.

«إسرائيل» تمثل الفتيل الذي يصاحب الشمع الأمريكي أي أنهم يتشابهان في البدايات والنهايات والكثير من الحكماء والفلاسفة الأمريكيين حذروا الدولة الأمريكية من الذهاب بعيداً مع هذه الدولة التي لا أمان لها ولا ذمة، والرئيس الأول جورج واشنطن 1796 قال في خطاب الوداع: أحذركم في التمادي في خدمة الدولة المفضلة. بعد أن اطلع على نوايا اليهود وأدرك ماذا يريدون من القوة الأمريكية المرتقبة .