Menu

أزمة الهويّة في الكيان الصّهيوني

د. سامي الشيخ محمد

نشرت في مجلة الهدف العدد(68) (1542)

يُعاني الكيان الصّهيونيِّ من أزمة هوية لا سبيل لتجاوزها، رافقت وجوده الاحتلاليّ وتشّكله الاستيطانيِّ على أرض فلسطين المحتلة، منذ العام ثمانيةٍ وأربعين وتسعمئة وألف إلى يومنا هذا، وهي آخذةٌ بالازدياد والاتّساع يوماً إثر يوم، بسبب طبيعته العدوانيّة الاحتلاليّة لفلسطين من ناحية، وتصاعد جذوة المقاومة وحدّة الصّراع الوجوديِّ مع هذا الكيان، ورفض وجوده الاحتلاليّ من جانب المقاومة الفلسطينيّة، وقوى المقاومة المساندة للنّضال الوطنيّ المشروع لشعبنا الفلسطينيّ الباسل.

فمن حيث الأصل والمبدأ يفتقد ما يسمّى بـ( المجتمع الإسرائيليِّ)، إلى وحدة الهويّة، نظراُ لتنوّع واختلاف الهويّات القوميّة والثّقافيّة الّتي ينحدرُ منها، فتشّكل الهويّات الوطنيّة والقوميّة لأيِّ شعبٍ أو جماعةٍ بشريّة يحتاج إلى توفّر جملةٍ من العوامل والشّروط الذّاتيّة والموضوعيّة والتّاريخيّة أهمّها:

- توفر مدى زمني يتجاوز قروناً من الاستقرار التاريخي، وتشكل علاقات اجتماعيّة تاريخيّة مستقرّة بين المكوّنات المجتمعيّة المنظّمة في بقعة جغرافيّة متصلة وموحّدة، وهو ما يفتقد إليه التجمّع الاستيطاني للمستوطنين اليهود في فلسطين المحتلّة.

- وجود ثقافة مشتركة تعكس أنماط التّفكير، والقيّم الأخلاقيّة والعادات والتّقاليد الاجتماعيّة، فالثّقافة المشتركةُ رابطةٌ جوهريّة وعنصر مكوّن أساس من مكوّنات الهويّة الوطنيّة والقوميّة لأيِّ شعب من الشّعوب على وجه البسيطة، وهو ما يفتقده الكيان الصّهيوني الّذي هو تجمّع بشريّ من المستوطنين الّذين ينحدرون من هويّات ثقافيّة مختلفة.

- فقدان التّجانس الاجتماعي، والتّمييز بين المكوّنات الاجتماعيّة الصّهيونيّة، بين جماعات اليهود الغربيين من ناحية والشرّقيين من ناحيةٍ أخرى (الأشكيناز.. والسّفارديم)، إذ ينقسم اليهود المستوطنين في فلسطين إلى أربع فئات ( A-B-C-D ) الفئة (A) اليهود القادمين من أمريكا وأوروبّا الغربيّة، الفئة (B) يهود أوربّا الشّرقية [روسيا، بولندا، تشكوسلوفاكيا، المجر، وعموم جمهورّيات الاتّحاد السّوفياتي ومنظومة الدّول الاشتراكيّة، الفئة( C) اليهود العرب القادمين من البلدان العربيّة، الفئة(D) يهود الفلاشا القادمين من إثيوبيا والقارّة الإفريقيّة.

- الانتماء للهويّة الوطنيّة والقوميّة الواحدة، وهو أمرٌ غير متوفّر لدى المستوطنين اليهود في فلسطين، إذ لا يزال يحتفظ المهاجرون اليهود بجنسيّات مجتمعاتهم الأصليّة إلى جانب الجنسيّة (الإسرائيليّة)، نتيجة عدم ثقتهم بالتخلّي عن جنسيّاتِهم الأصليّة لصالح الجنسيّة (الإسرائيليّة) الطّارئة المؤقّتة بفعل الصّراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ المستمرّ منذ احتلال فلسطين إلى يومنا هذا، ناهيك عن تضاؤل ثقة المستوطنين الصّهاينة بحكوماتِهِم المتعاقبة في توفير الأمن والسّلام والاستقرار لهم، وأكبر الأدلّة والشّواهد لجوء ذوي الرّهائن في معركة طوفان الأقصى إلى وساطات دولهم الأصليّة للإفراج عنهم لدى المقاومة الفلسطينيّة في قطاع غزّة، ما يعكس عمق الهوّة وأزمة الهويّة (الإسرائيليّة) المفترضة .

- الأمن والاستقرار، فالشّعور بالأمن والاستقرار، مكوّنان أساسان من مكوّنات الهويّة الوطنيّة والقوميّة لأي شعب من شعوب العالم وأيّ جماعة بشريّة على كوكب الأرض، فالشّعور بالأمن والاستقرار يبعثان على الطّمأنينة والتمسّك والتجذّر في المكان الّذي يعيش الإنسان فيه، وهما عنصران مفقودان لدى الفرد الصّهيونيّ، إذ يسيطر على عموم المحتلين الصّهاينة قلق المصير، وتشبّث أصحاب الأرض الحقيقيّين من الفلسطينيّين بأرضهم والقتال والتّضحية في سبيل حريّتها والذّود عنها، فتصاعد وتيرة المقاومة وحدّة الصّراع الّتي يتعرّض لها الكيان الصّهيونيّ ومستوطنوه على الأرض الفلسطينيّة، وآخرها طوفان الأقصى واتّساع ساحة المقاومة لتشمل الضفّة الغربيّة، وانخراط قوى المقاومة العربيّة والإسلاميّة في لبنان والعراق و اليمن في مواجهة الكيان الصّهيونيّ ومساندة جبهة غزّة على مدار خمسة عشر شهراً، أدّى إلى تخلّي بعض المهاجرين اليهود عن جنسيّتهم (الإسرائيليّة) والاحتفاظ بجنسيّاتِهم الأصليّة والعودة إلى بلدانهم الّتي هاجروا منها إلى فلسطين بفعل الدّعاية الصّهيونيّة الزّائفة.

إضافة إلى ما تقدّم فإنَّ الهجرة اليهوديّة العكسيّة من فلسطين إلى الخارج، والّتي ارتفعت معدّلاتها بشكلٍ غير مسبوق في تاريخ مقاومة الاحتلال الصّهيوني، بعد طوفان الأقصى إذ تجاوزت المليون مهاجر، تجسيد عمليّ لأزمة الهويّة الّتي يعاني الكيان الصّهيونيّ منها منذ نشأته في العام ثمانية وأربعين وتسعمئة وألف لغاية اليوم، بفعل انكشاف زيف مزاعمه في الحرص على حياة أسراه ومستوطنيه من خطر المقاومة الفلسطينيّة وحلفائها في المنطقة، ومزاعمه الباطلة في حق اليهود بملكيّة فلسطين والأراضي الممتدّة من الفرات إلى النّيل.

والسؤال ما السبيل لتجاوز أزمة الهوية للمستوطنين اليهود في فلسطين؟

لعل السبيل الوحيد الممكن لتجاوز أزمة الهوية لديهم، يكمن في التخلي عن الذهنية الاحتلاليّة والعيش بسلام مع أصحاب الأرض الحقيقيين، عبر إقامة سلام عادل وشامل يعيد الحقوق لأهلها والتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي ألحقها الاحتلال الصهيوني بأبناء شعبنا، ومحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة على الجرائم التي اقترفوها بحق أبناء شعبنا طيلة عقود الاحتلال، في ظل دولة فلسطينية ديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني، ونبذ الفكر الانعزالي التوراتي الذي يحول دون اندماج اليهود وتفاعلهم مع الثقافات والشعوب غير اليهودية. إذ ذاك وعبر العيش المشترك بأمن وسلام واستقرار تاريخي يمكن تجاوز أزمة الهوية لدى اليهود الراغبين في العيش بسلام، مع محيطهم العربي في فلسطين والمنطقة العربية عموماً.