دخل الجنرال اللنبي مدينة القدس محتلاً يوم 11 كانون الأول/ ديسمبر 1917، بمساعدة ملك الحجاز آنذاك الشريف حسين ، سليل الأسرة الهاشمية، وأعلن من أمام بوابة يافا: اليوم انتهت الحروب الصليبية. جاء ذلك التصريح، ليؤكد أن الحروب الصليبية على المنطقة العربية التي بدأت في العام 1096 م واستمرت قرابة مئتي سنة، لم تنتهِ مع سقوط مملكة عكا في عام 1290 م، وطرد آخر بقايا الحملات الصليبية من بلاد الشام في عام 1291م، وقيام الدولة العثمانية ، بل استمرت حتى ذلك اليوم. وكأن الجنرال اللنبي كان يقول إن الدول الأوروبية التي قادت الحروب الصليبية، ظلت تجهز نفسها وتستعد لهذه اللحظة التي تستعيد فيه بيت المقدس، وتبقى فيها إلى الأبد. لقد أصبح ذلك اليوم علامة بارزة وفارقة في تاريخ المنطقة العربية والإسلامية، وجاء تتويجاً عملياً وفعلياً لتلك التخطيطات الحثيثة السابقة والتي لم تنقطع، وكان هدفها استعادة الوجود الاستعماري في فلسطين، قلب المنطقة العربية، وتغيير شكل المنطقة وتقطيع أوصالها بحيث لا تعود إلى سابق عهدها. وظلت هذه المنطقة العربية المحيطة بالبحر المتوسط، مركز الصراع بين القوى المختلفة. وكما هو معروف، فإن هذه المنطقة توحدت في ظل دولة الخلافة الإسلامية، وامتدت أطرافها من حدود الصين إلى حدود أوروبا الغربية، وتوالت على إدارتها الدولة الأموية، والدولة العباسية، والدولة العثمانية التي استمرت من عام 1299م حتى عام 1923م. لقد شهدت هذه المنطقة، التي يطلق عليها اسم الشرق الأوسط، حروباً وغزوات خطيرة عبر التاريخ شملت الصليبيين، والمغول في العصور الوسطى. غير أن الحروب الصليبية أكملت نهجها ومسيرتها بعد سقوط القدس في عام 1917م، واستمرت إلى يومنا هذا حيث انتهت بالهيمنة الأمريكية الصهيونية. وينبغي القول إن أول تغير كبير في منطقة الشرق الأوسط حصل عندما غزا نابليون مصر واحتلها في عام 1798م، وحاول التحرك منها إلى سوريا، ولكنه أجبر على الانسحاب بتدخل من بريطانيا والعثمانيين، بعد أول تحالف عسكري رسمي بين العثمانيين ودولة غير إسلامية . استمر الوجود الفرنسي في مصر ثلاث سنين، حيث تم طردهم في عام 1882م، بواسطة الإنجليز، وليس المصريين. لقد استمر الاحتلال البريطاني لمصر نحو ثلاثة أرباع القرن، حيث تم طردهم في عام 1956م . وهكذا يتبين أن الاستعمار الأوروبي في مناطق الشرق الأوسط، بدأ منذ ما يزيد عن مئتي عام. وأمسى الاحتلال البريطاني في مصر مفتاح التغيرات الكبرى، خصوصاً بعد نهاية الحرب العالمية الأولى في عام 1918م، ونهاية الدولة العثمانية، ونشوء الدولة التركية في عام 1923م. غير أن شبح الدولة العثمانية القوية، ظل يخيف الأوروبيين، الذين ظلوا ينظرون إلى المسلمين كألد أعداء أوروبا المسيحية حتى اليوم . وقبل أن تضع الحرب العالمية الأولى أوزارها، انعقدت المؤتمرات السرية لتقسيم منطقة المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا، وفقاً لما بات يعرف باتفاقية سايكس – بيكو في عام 1916. في هذه الاتفاقية السرية، تم تقسيم المنطقة برسم خط وهمي يمتد من مدينة عكا على ساحل البحر المتوسط إلى مدينة كركوك بالقرب من الحدود الإيرانية، بحيث تحصل فرنسا على المناطق الواقعة شمال هذا الخط وتشمل سوريا ولبنان؛ بينما تحصل بريطانيا على الأراضي الواقعة جنوب هذا الخط وتشمل فلسطين، وشرق الأردن، والعراق. وكانت نتائج هذه الاتفاقية مناقضة للتعهدات التي قدمها المفوض السامي السير هنري مكماهون، الحاكم البريطاني لمصر، للشريف حسين خلال المراسلات المتبادلة بينهما (1915 - 1916) والتي تضمنت وعوداً كاذبة بالاستقلال العربي. وضمت خطط التغيير الرئيسة في تلك الفترة، إصدار وعد بلفور الشهير في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917 الذي غير وجه المنطقة برمتها، حيث أعلنت بريطانيا عن نيتها بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، بهدف حماية المصالح الاقتصادية، والتجارية والسياسية البريطانية في المنطقة، من خلال التفاهم مع الشخصيات البريطانية اليهودية الصهيونية، وتلبية طموحاتهم بإنشاء كيان استيطاني استعماري في فلسطين. وفي عام 1920 انعقد مؤتمر سان ريمو في إيطاليا لتقرير مستقبل الأراضي السابقة للإمبراطورية التركية العثمانية، وفقاً للاتفاقيات السرية السابقة. وكأن الهدف من المؤتمرات والاتفاقيات التي نشطت في تلك الفترة هو ضمان عدم وحدة تلك البلاد مرة أخرى وانبعاث قوى توحيدية وموحّدة تقف بوجه الحملات الصليبية الجديدة، كما كان يحصل في الماضي. وينبغي القول إن فكرة الحرب الصليبية ضد منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، والمنطقة العربية بشكل خاص، ظلت مسيطرة على الذهن الغربي منذ تلك الفترة حتى هذه الأيام. وتأكيداً لهذا المفهوم، أي استمرارية نهج الحروب الصليبية على المنطقة، وعودة حكم الممالك الصليبية للمنطقة في إطارها الغربي الجديد، وصل الجنرال الفرنسي هنري غورو، الذي كان يعتبر نفسه محارباً صليبياً، إلى دمشق بعد أن تسلم منصبه كحاكم عام لسوريا ولبنان، حصة فرنسا وفقاً لمخططات تقسيم المنطقة، في 7 آب/ أغسطس 1920، وتوجه مباشرة إلى ضريح السلطان صلاح الدين الأيوبي، وقال هناك: ها قد عدنا يا صلاح الدين. أيضاً، عقب أحداث 11/9/2001 في نيويورك، وفي غمرة الاستعداد للحرب ضد أفغانستان والعراق، قال الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، هذه الحملة الصليبية المقدسة حرب ضد الإرهاب. وفي هذه الحوادث دلالات ومغازٍ، أهمها أن الغرب قد طوى سلسلة الحملات الصليبية المحمومة، التي استمرت لعدة قرون بعد عام 1291م، وتراجعت خلال القرن السادس عشر دون أن تنجح. اليوم يستعيدون زمام المبادرة، ويسعون إلى تثبيت كيان استعماري استيطاني في فلسطين بهدف تغيير وجه المنطقة والهيمنة على مواردها، ويرعى مصالحهم. وهكذا يتضح أن بذور التحولات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط بدأت منذ تلك الحقبة، أي قبل نحو 120 سنة. حيث تم تقطيع المنطقة وتقسيمها إلى دول، بدون دراية أو معرفة تاريخها السياسي والاجتماعي. وتم إنشاء الكيان الصهيوني، بموجب وعد بلفور، على أنقاض فلسطين التاريخية، وتوسيع نطاق نفوذه السياسي في المنطقة. وساهمت تلك الدول الاستعمارية في ترتيب المنطقة المحيطة بهذا الكيان من أجل ضمان استمراريته. اليوم أشرفت الدورة التاريخية في هذه المنطقة على نهايتها. لقد تغيرت معالم المنطقة برمتها، وترافق هذا التغيير مع تغيرات عالمية في غاية الأهمية، خاصة فيما يتعلق باللاعبين الكبار. فقد تراجع دور الدول الكبرى، آنذاك، التي تقاسمت مناطق الدولة العثمانية. ونشأت دول عظمى جديدة تمثلت في الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية والصين بعد الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945). وقد ورثت الولايات المتحدة زعامة العالم الغربي، والإرث الاستعماري لبريطانيا، بعد أن أثبتت قوتها بعد الحرب العالمية الثانية من خلال امتلاكها للأسلحة النووية، واستعدادها لاستعمال تلك الأسلحة دون رادع. أيضاً أعلنت الولايات المتحدة حمايتها للكيان الصهيوني، واعتبرته حليفا إستراتيجياً في المنطقة، بينما ظلت نظرتها الاستعلائية نحو العالم العربي بأنه غير مستقر، وغير مؤهل للتطور بالرغم من امتلاكه للثروات الطائلة والموارد الطبيعية. بعد ذلك، سقط الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول التي كانت تدور في فلكه، معلناً انتهاء حقبة تاريخية امتدت أكثر من نصف قرن. لقد أدت تلك التطورات إلى نهاية الحرب الباردة بين القوى العظمى، وتغيرات في الجغرافيا السياسية، حيث نشأت دول جديدة، واختفت دول أخرى. غير أن القضية الفلسطينية لم تجد حلاً عادلاً إلى اليوم، بالرغم من كثرة القرارات الدولية التي لم تنفذ حتى الآن. لقد ظلت الولايات المتحدة راعية للكيان الصهيوني وتمنع تطبيق القرارات الدولية التي تطاله، وتضع الكيان فوق القانون. ولعل موقف الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قد لخص الموقف من القانون الدولي بشكل عام عندما رفض الالتزام بالمباحثات التي سعت إلى إلغاء الأسلحة النووية، وقال في ديسمبر/كانون الأول 2003، ساخراً: "القانون الدولي؟ من الأفضل أن أتصل بمحاميي" .
لقد ظلت الدول الغربية الكبرى المتنفذة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تعمل على تغيير خريطة المنطقة، وتدعو إلى إنشاء شرق أوسط جديد. حيث ما زالت تلك الدول غارقة في ذات الأفكار التي ترى المناطق العربية الإسلامية، عدواً كامناً ومحتملاً؛ ولذلك فهي تحتاج إلى إعادة تقسيم وتجزئة وفق أفكار ومناهج تناسب رؤيتها للعالم وللمنطقة ولشعوبها وثقافتها، وحتى لا تعود إلى سابق عهدها. وأيضاً، ينبغي أن تتخلى عن أحلامها بالماضي التليد، وراية الخلافة، وأن تنسى أبطالها الرموز مثل صلاح الدين، أو حتى جمال عبد الناصر. أما موضوع القانون الدولي، وحقوق الإنسان فهذه أمور نسبية وفقاً لما يناسب المصلحة السياسية. وهي تماماً كما وصفها الرئيس الأمريكي ساخراً. وتبقى القوانين الدولية أو شرعة حقوق الإنسان حلماً للشعوب الفقيرة والضعيفة. وأداة بأيدي القوى المتنفذة. أما شعوب المنطقة فهي تحت تلك القوانين الجائرة يخشون التمادي عليها، وكأنها مدفع مسلط على بلادهم ورقابهم.

