يحدثونك عن اليوم التالي في غزة، فقل لهم إنه كاليوم الأول مع كثير من العزة والإباء والكرامة ، ومع كثير من الفخر برجال صنعوا التاريخ وأمسكوا بناصيته ، وقالوا كلمتهم فكان لهم ما شاؤوا وما شاء الخالق ، نصرٌ لهم وهزيمةٌ للقتلة. اليوم التالي كان كاليوم الأول لغزة مع كثيرٍ من الألم والمعاناة والدمار وفقدان الأحبة، لكنه ممزوجٌ مع كثيرٍ من الفرح والابتهاج والاحتفال بما وعدت به المقاومة. اليوم التالي كان أقوى من اليوم الأول عنفواناً وحضوراً لأبطال المقاومة بزيّهم الميداني وسلاحهم الذي قهر ألوية ناحال وجفعاتي ونخبة جيش الغزاة. بَقيتْ غزة وبقيت المقاومة ورحل الكثير من القتلة والمجرمين ورحل معهم وزير الإبادة الجماعية وريث الجريمة بلينكن، وسيده الروبوت القاتل الصامت بايدن الذي حل مكانه في البيت الأسود رئيس الصفقات والاستثمارات وتاجر العقارات وكثير التصريحات الهجومية والقرارات العشوائية ؛ المطوّر العقاري الذي يريد أن يشتري غزة التي لا تُباع ولا تُشترى إلا بالدماء الزكية. هذا القادم الجديد جاء هاذياً وحالماً يريد تشريد أهلها بانتزاعهم من أرضهم وتاريخهم وذكرياتهم ،جاء طاغية استعمارية ناشراً تماثيله وحلمه المستحيل مع سيد الإجرام نتنياهو بالذكاء الاصطناعي ، ولم يدرك ما يعنيه الوطن والأرض لأهلها . كان اليوم التالي لا كما كانوا يتخيلون ويشاؤون ، كان يوم المقاومة بحضورها الزاخم وطلعتها القوية المرعبة، والتي عرّت وكشفت كذب الكاذبين، وأصابت ادعاءات قادة الإجرام بمقتلٍ على أنهم قضوا عليها وعلى قدراتها ، وما بقي سوى أن ترفع راية بيضاء ، ولكنها رفعت راية الأحرار ، راية فلسطين الوطن والشعب ، وزينت بحضورها ساحاتٍ وميادين كانت مقبرة لدبابات وآليات وجنود العدو وضباطه. لقد فاجأهم حضور المقاومة بسياراتهم البيضاء التي اجتاحوا بها مستوطنات غلاف غزة ، جاؤوا على متنها وكأنهم قادمين من مراسم احتفالية، وليس من معركة لم تنقشع غبارها بعد ، وكأنهم لم يخوضوا بها معارك البطولة في جباليا، وبيت لاهيا، وبيت حانون وحي الزيتون مؤخرا. كان اليوم التالي احتفاء الحاضنة الشعبية الصادق برجال المقاومة الميامين ، احتفاء الأمهات بأبنائهم، احتفاء الجماهير برجالهم البررة.
يسألونك عن اليوم التالي قل لهم إنه يوم فلسطيني خالص عاد به الغزاويون إلى أماكنهم المدمرة ليشتموا رائحة الحرية من جديد ، عادوا إلى بيوتهم التي حرموا منها 15 شهراً ، عادوا من الموت إلى الحياة، وعادوا من رحلة النزوح المُذّل إلى رحلة الحياة الجديدة مع ألم فقد الأهل وفلذات الأكباد ، عادوا رافعي الرؤوس، ونهضوا من بين الركام والأنقاض ، وبعضهم حمل خيمته المتداعية الممزقة، ونصبها فوق ركام منزله الوطن وآخرون ناموا تحت سقفٍ متهاوٍ ونصف جدارٍ اتكىء عليه.
وهناك بعضٌ من نسوة غزة يساعدن أبنائهن برفع أنقاض بيوتهن المدمرة، والتي تفوح منها ذكرياتهم الجميلة يبحثن عما تبقى لهن من صورٍ وأثاثٍ حطمته الآلة الغازية، ولربما وجدن بعضاً من رفات من فقدن. في زاوية الشارع هناك مشهد آخر للحياة ؛ حيث يرتع ويلعب مجموعة من الأطفال وتعلو قهقهاتهم وصخبهم ، وكأنهم لم يعيشوا أيام الحرب الظالمة والقاهرة لكل المشاعر والأحاسيس إنهم يعودون إلى الحياة ، وإن كانت ألعابهم قد حُطّمت وأحلامهم سُرقت ومقاعد دراستهم حُرقت ومدارسهم دُمّرت ، وبعض أصدقائهم فُقدوا وما عادوا ، لكن إرادة الحياة عندهم أكبر من كيد الأعداء وإجرامهم ، وكأنهم يعدّون الأيام ليكبروا ويتصدروا مستقبل القضية والوطن.
في اليوم التالي عاد الفلسطينيون الرجال إلى أعمالهم ودارت عجلة الحياة اليومية كالمعتاد ها هم يتعاونون معا لإزالة آثار العدوان والإجرام، ويتعاونون مع رجال الأمن والمقاومة ورجال الدفاع المدني الأشاوس الذين يواصلون مهماتهم الإنسانية يبحثون عن رفات الشهداء بين الأنقاض، ويعيدون للحياة بعض جوانبها التي دمرها الاحتلال من ماء وكهرباء ومرافق خدمية أخرى. في اليوم التالي تقاطرت بعض شاحنات المساعدات في الدخول إلى الأماكن المنكوبة لتغيث الأهل من سياسة التجويع والتعطيش التي مارسها نتنياهو وقادة حربه عليهم ، تقاطرت هذه الشاحنات بعدما مُنعت من الدخول لشهورٍ عديدة استكمالا للحصار والموت الذي عجزت الإنسانية عن إيقافه خضوعا للشروط الإسرائيلية الأميركية ولازال هؤلاء يعرقلون البرتوكول الانساني ويمنعون دخول البيوت المتنقلة إمعاناً بتفاقم معاناة السكان وفرض شروط جديدة على المقاومة. في اليوم التالي وأد الغزاويون ويلات النزوح ليطوفوا على أطلال منازلهم المدمّرة باحثين عن بقايا حصاد سنينهم الطويلة بشراً وحجراً وأملاكاً ، و يُصرّون على الثبات في أرضهم ورفض التهجير بنوعيه الطوعي قبل القسري برغم كل هذا الدمار، ورغم كل أنواع الموت الذي يحيط بهم من كل جانب ، ورغم كل الضغوط والصعوبات ، ويتطلعون إلى مستقبلٍ جميلٍ هنا في غزة ينتظر أطفالهم. في اليوم التالي إسرائيلياً، غضب للجمهور الإسرائيلي من مشاهد الفرح والانفراج واحتضان المقاومة والتي ظهرت بأعداد كثيفة، وكأنها تقول نحن هنا على صدوركم باقون ، لقد أزعجهم هذا الالتفاف الجماهيري حول المقاومة ، والاعتزاز بها والاحتفاء بها بالزغاريد والهتافات ، أغضبتهم عودة الغزيين إلى بيوتهم المدمرة في كل أنحاء غزة ، في الوقت الذي لم يعودوا فيه إلى مستوطناتهم القريبة من غزة. أغضبهم هذا التنظيم المذهل الاستثنائي الذي تعجز عنه دول بعد حربٍ دامية استمرت 15 شهراً ، أغضبهم هذا الترتيب والتنسيق ، وهذا الحضور المؤسساتي المنظّم لدولة المقاومة الذي لم يترك شاردة أو واردة إلا وتم الإعداد لها ، بما فيها هدايا إلى الأسرى التي تضمنت خارطة الوطن وشعار المقاومة ، وقطعة الذهب لطفلة وُلدت بعد أسر والدها بأربعة أشهر. أغضبتهم مراسم تسليم الأسرى التي اتخذت من مراحلها بروتوكولاً رسمياً عبّر عن أخلاق المقاومة وعن إرثها الحضاري وعن احترامها لحقوق الإنسان لتُظهر فارق التّعامل مع أسرانا في سجون الاحتلال حتى لحظة إطلاق سراحهم ، وقبلها رحلات التنزه على شاطىء بحر غزة.لقد أغضبهم جداً مشهد تقبيل الأسير الإسرائيلي لآسره من رجال القسام لأن هذا لا يحدث إلا في غزة. لذلك عبّر نتنياهو قادة الإحتلال عن غضبهم بل حقدهم وانتقامهم بتعليق إطلاق سراح الدفعة السابعة من الأسرى الفلسطينيين إلى إشعار آخر. لقد أغضبتهم صور الشهداء القادة وهم يبتسمون إلى الجماهير المحتشدة المحتفية بهم لنضالهم البطولي، وتحقيقهم الشهادة التي كانوا يتمنونها. لقد أغضبتهم صفقة التبادل التي يراها المتطرفون اليمنيون هزيمة لدولة الكيان وخطر على وجودها ، كما عبر عن ذلك مهندس "خطة الجنرالات" غيورا آيلاند لصحيفة معاريف العبرية بقوله " إن إسرائيل فشلت فشلاً ذريعاً في حرب غزة فالضغط العسكري لن يؤدي إلى نتائج، لقد ربحت دولة غزة ". في اليوم التالي شهد جمهورهم الفشل الاستخباري الهائل لما أدلى به أسراهم من شهادات أولية بما شاهدوه وعاشوه وخاصة عن أماكن أسرهم على بعد أمتار قليلة من محور نيتساريم. في اليوم التالي ازدادت نقمة عائلات الأسرى الآخرين وغضبهم، وضرورة إنجاز كامل الصفقة لإنقاذ أبنائهم ، ازدادوا غضبا ونقمة على حكومة نتنياهو وتحميله المسؤولية ، بل المطالبة باستقالتهم.
لقد أزعجتهم مشاهد تحرير الأسرى الفلسطينيين، واعتبروا ذلك أمراً مُذلّاً وخطأً كبيراً وأن هؤلاء يهددون أمنهم واستقرارهم ، لقد أظهروا عنصريتهم من خلال الملابس، والعبارات التي فرضوها على أسرارنا.
في اليوم التالي ستبقى مشاهد روح الروح والشهيد الساجد والمقاتل الأنيق وكلمة معلش ، والفتاة هند ، وعبارات من بقي من عائلة أبو نصر التي فقدت اكثر من 200 شهيد مازالوا تحت الأنقاض ، كل هذه ستبقى خالدة في أذهان كل الأحرار الذين يعشقون الحرية والأوطان.
وهكذا سيبقى اليوم التالي فلسطيني الزي والإدارة والبندقية والهتاف والراية، وستبقى الأسماء فلسطينية ، ويهودا والسامرة إلى اندثار شاء الكونغرس الأمريكي أم أبى ، اليوم التالي سيبقى فلسطيني المستقبل والإرادة بحياة جديدة ، لم ولن نرفع راية بيضاء.

