حياة المقاومة وطبقات الصمود المحاطة بالمدينة المحاصرة غزة، والتي تواجه بها محتلها, لم تقتصر على البندقية ومظاهرات التنديد ومشتقاتهما فقط؛ فهناك على صرح قاعة مركز القطان للطفل الواقع جنوب المدينة، تتمايل زينة الهندي(8 أعوام) بهدوءٍ وخفة مع زميلاتها على موسيقي كلاسيكية.
تأخذ الموسيقى بالصعود، تمعن زينة النظر بمدربتها "تمارا" الروسية الأصل, وتطبق ما تطلبه منها وفق لعبة أو رقصة الباليه، تعيد الطفلة حركات المدربة بعد ما تتروى قليلاً, فهي بالكاد تفهم ما تقوله تمارا صاحبة اللكنة العربية المكسّرة.
تحلق الطفلة مع زميلاتها الـ"17" اللاتي يرتدين زي موحد بلونٍ وردي, تتألقن كفراشات في فراغ القاعة؛ أسعدن من حضر من الأهالي، وصفقت لهن المدربة الروسية والقائمين على المركز.
عشر دقائق مرت بين الاستراحة والتدريب على الرقص، بعدها نادت تمارا بمصطلح يعني انتهاء التدريب لهذا اليوم, فقفزت زينة عن المسرح وراحت تركض مسرعةً لأمها, التي كانت تجلس في إحدى مقاعد الجمهور، قبلتها الأم وألبستها معطفها، خوفاً من أن يقرص البرد جسدها الصغير.
"أشجع طفلتي على ممارسة هواياتها، أنا سعيدة كون ابنتي قد وجدت ما يسعدها في هذه المدينة، لكن عندما تكبر لن أسمح لها بذلك، فنحن نعيش في بقعة محافظة ولا يعقل أن تكون ابنتي راقصة باليه فكرة مقبولة!", تجيب أم زينة على وقع سؤال مراسل "بوابة الهدف" هل ستكون زينة راقصة باليه مستقبلا؟!، تقطع الحديث الطفلة بلكنة دافئة وهادئة "أنا بحب الباليه، بس لما أكبر بدي أكون دكتورة".
بدأت حكاية الباليه في ذلك المركز، قبل أشهر قليلة من صياغة هذا النص، وفق ما تقوله هيام الحايك مديرة الأنشطة والبرامج التربوية في القطان.
"واجه المركز صعوبات في بادئ الأمر، وأهمها كيف سنحصل على مدربة باليه في غزة, سيما أنه لا يوجد معاهد متخصصة قد تؤهل أحدهم لأن يحصل على شهادة مدرب باليه؛ صدفةً زارت امرأة روسية متزوجة في غزة المركز, وقدمت نفسها على أنها مدربة باليه في إحدى المدارس، فتعاقدت معها".
تقول الحايك مختزلةً حديثها "الباليه رياضة نفسية تخلق حالة من التوازن النفسي عند الطفل؛ وأطفال غزة يحتاجون لكل شيء قد يخفف عنهم مخلفات الحروب الثلاث".
والباليه هو نوع يقوم على تقنيات الرقص التعبيري ترافقه الموسيقى والإيماء والمشاهد المسرحية، ومن أهم خصائص الباليه الحركية الرقص على رؤوس أصابع القدمين.
ويعود لفظ الباليه إلى الكلمة الإيطالية "ballare" أي يرقص، إذ كانت بداياته مشاهد تؤدى في البلاط الإيطالي أثناء عصر النهضة لتسلية الضيوف، ثم أطلقه الفرنسيون على حركات الرقص وتقنياته، وقد اكتسب رقص الباليه الكلاسيكي تقنياته من تطبيق نظام صارم في التدريب والتجارب على مدى أكثر من أربعة قرون، واعتمدت تقنياته على جعل الجسم يتحرك بأكبر قدر ممكن من المرونة والسرعة والسيطرة والرشاقة.
بالعودة إلى تلك القاعة المزينة براقصات الباليه الصغيرات، رصدنا ابتسامة الأهالي وفرحتهم بأطفالهم الذين أدخلوا لهم البهجة من خلال تلك الحركات الانسيابية والجديدة على المدينة حالكة الظلمة.
كانت السيدة فاطمة عبد الله توافق رؤية أم زينة الهندي، فهي ستترك طفلتها ليان المحبة للباليه والتي لا تميز بين كونه لعب أو رقص، تمارس هذه الرياضة، لكن فقط في مرحلة الطفولة "لا أتخيل ابنتي الصغيرة أن تكون راقصة باليه مستقبلاً، يكفي أن تكون سعيدة بممارسة هذه اللعبة وهي طفلة".
ووفق تقرير لصحيفة لندنية أفادت أن صيف 2016, سيشهد أول عرض محلي للأطفال في رقص الباليه، وفي غضون عامين سيتم تشكيل فرقة لرقص الباليه في غزة، ستضم طفلات أعمارهن بين (6 و 10) سنوات, وتعد هذه التجربة الثانية لتعليم الباليه في قطاع غزة، ففي العام 2012، كان هناك محاولة لتعليم الباليه لنحو 14 فتاة، وتأسيس مدرسة لرقص الباليه في "كلية غزة"، ولكن بسبب شح الإمكانات، توقفت بعد تدريب واحد.
أطفأ موظف القاعة نورها، حين هم الأهالي للخروج مع أطفالهم، فيما كانت الطفلة زينة تترنح على الموسيقى التي بقيت مشتعلة، كأنها تقول بحركة قدميها الصغيرتين "ظلمة غزة لن تمنعني من ممارسة هوايتي والفرح".

