يبدو أن معظم وسائل الإعلام العربية والفلسطينية، وحتى غالبية المحللين، وصناع القرار يقعون ضحية اللعبة السياسية الداخلية الإسرائيلية، والتي تروج لها وسائل إعلامية إسرائيلية، والمستندة إلى معزوفة مفادها أن نتنياهو هو الشخص الوحيد المعطل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة لقضايا تتعلق بتهم الفساد التي تلاحقه، أعتقد هذا جزء بسيط من المشهد، لنتذكر أنه عندما بدأت الحرب على غزة شكل نتنياهو تحالفاً بعد عدة أيام من الحرب مع بني غانتس – رئيس حزب معسكر الدولة - وخاضا الحرب معاً واختلفا حول إدارة الحرب لا على الحرب وأهدافها . يقول المفكر عبد الوهاب المسيري (إن بعض العرب من المحللين وصناع القرار يبنون آراءهم ومواقفهم وحتى خططهم على ما يقوله الإعلام الصهيوني).
أولاً: علينا أن ندرك أننا أمام حكومة أكثر يمينية مدعومة من اليمين الديني المتطرف، وهذه الحكومة لها أهدافها، وخططها القديمة، والجديدة التي تعمل على تحقيقها ونتنياهو على رأس هذه الحكومة.
ثانياً: ينبغي أن نعي أن اتخاذ القرارات ذات الطابع الإستراتيجي في إسرائيل يشارك فيها المستوى السياسي، المستوى الأمني بكل تشعباته الموساد، الشين بيت، الشاباك، المستوى العسكري، مراكز الأبحاث الإستراتيجية، وعند الضرورة يتم التشاور مع المعارضة وهذا ما بات واضحاً من اللقاءات التي تعقد بين فترة وأخرى بين زعيم المعارضة لابيد ونتنياهو.
لماذا أفشل نتنياهو اتفاق وقف إطلاق النار؟
باعتقادي أن نتنياهو وحكومته المتطرفة يدركون أنهم لم يحققوا نصراّ واضحاً سوى القتل والتدمير، وأن توقيع الاتفاق كان الهدف منه الحصول على المزيد من الأسرى الصهاينة، وتقديم ورقة دعم للرئيس الأمريكي، حصلوا في مقابلها على خطته الرامية بتهجير سكان غزة.
إن الحكومة اليمينية المتطرفة تعتقد أنها إذ لم تحقق أهدافها كاملة والمتمثلة، أولاً بالقضاء وتدمير البنية العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية وهذا لم يتم إنجازه بعد، وهذا ما بدا واضحاً من خلال ظهور هذه الفصائل وبقوة، وبتنظيم عالي المستوى أثناء عملية تبادل الأسرى. ثانياً مشروع الجنرالات القاضي بتفريغ سكان شمال قطاع غزة ودفعهم إلى الجنوب ناهيك عن مشروع التهجير القسري أو الطوعي خارج قطاع غزة.
ثالثاً: فشل إسرائيل في إيجاد بدائل محلية تابعة لها لقيادة قطاع غزة في اليوم الثاني لانتهاء العدوان.
لقد باتت إسرائيل على قناعة أن أي بديل لقيادة غزة في اليوم التالي لا يمكن أن يقوم بأي مهمة تخدم معالمها مادامت حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية موجودة فيها.
كل هذه المعطيات جعلت الحكومة الإسرائيلية تتراجع وتذهب مرة أخرى للخيار العسكري لأن كل مؤشرات الاتفاق الذي جرى التوقيع عليه تشير بشكل واضح إلى هزيمة أهداف العدوان الإسرائيلية بشكل كامل وهذا الشيء سيترتب عليه قضايا ذات طابع إستراتيجي تقترب من فكرة استمرار وجودها كقوة احتلال، في الأراضي المحتلة عام 1967.
إننا أمام حرب مفتوحة بين المقاومة والشعب الفلسطيني من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وهذه الحرب باعتقادي ستذهب إلى نهاياتها فإسرائيل تريد نصراً واضحاً يكرس باتفاق يتجاوز حدود تدمير القدرات العسكرية للمقاومة إلى نزع سلاحها وإبعادها خارج غزة، وهذا ما ألمح إليه ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس ترامب عندما قال (يجب نزع سلاح حماس وإبقائها كجسم سياسي) وزادت إسرائيل على هذا المطلب بضرورة إبعاد قيادات حماس من قطاع غزة. (تكرار تجربة بيروت مرة أخرى)
تعتقد الحكومة اليمينية المتطرفة أن النصر الواضح والمرسم باتفاق سيفتح الطريق أمام ترتيبات قد تتجاوز غزة باتجاه المنطقة وهذا ما قاله ويتكوف (الآن هناك إمكانية لتوقيع اتفاق سلام يشمل لبنان وسوريا و السعودية وإسرائيل.)
والمقاومة تريد إفشال أهداف العدوان وضمان الانسحاب الشامل في قطاع غزة وإعادة ما دمره الاحتلال.

