الرئيس ترامب أمام مرحلة مختلفة
لن تكون الفترة الرئاسية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب سهلة، أو سلسة، فقد سَبَقَ وسقط مشروعه الذي "طبَّلَ وزَمَّرَ له البعض" في فترته الرئاسية الأولى والمعنون بــ "صفقة القرن" عام 2017. لكنه الآن يجد أمامه خريطة مُعقّدة من الأوضاع ومستجداتها وتداعياتها المتوقعة، فهو يعود لموقع الرئاسة مع طاقمه الخاص الذي شكّله من خبراء وسياسيين وحتى تكنوقراط، للعمل (بزنس) والاستثمار والإنجاز في المنطقة وفي المقدمة السعودية ودول الخليج، بينما تحتاج سوريا ولبنان وغزة إلى إعادة إعمار، وتحتاج المنطقة برمتها لعلاجات في ظل الأزمات المشتعلة هنا وهناك.
والأكيد أن الرئيس دونالد ترامب، وبواقع من تقديرات طاقمه المحيط به، سيسعى ليفرض واقعاً جديداً في المنطقة، يعتقد بأنه لا يُمكن تجاهله من طرف إقليمي، أو التعامل معه باستخفاف، بل هو "فرصة قد تكون نادرة" على حد تعبير بعض مستشاريه لإنجاز اختراق كبير في المنطقة على طريقة "صفقة القرن" التي كان طرحها ترامب بدورة رئاسته الأولى، والتي انتهت وماتت في مهدها لأسباب منطقية فلسطينية أولاً، وعربية ثانياً، عندما استهدفت برؤاها تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، وجزء من مواطني الضفة الغربية إلى الأردن.
المهم عند واشنطن ترامب والمصالح الأمريكية الـــ (بزنس) وطاقم ترامب ديدانها المصالح، وهنا تَكمُن الفرصة في التعامل العربي المطلوب مع الرئيس ترامب بطريقة عربية "ناضجة وليست مُتذيلة ومتخمة بروح الاستجداء"، أي بلغة المصالح العربية الأمريكية، فالولايات المتحدة لها مصالحها الحقيقية على المدايات البعيدة مع العرب وليس مع كيان الاحتلال، وهنا يكمن دور العقلاء وأصحاب الرؤية (الحاذقة) القريبة من بناء المصالح ولغة العقل في مواقع وقيادات عالمنا العربي والإسلامي.
وقف إطلاق النار... المتأرجح
لقد كان التوصل لوقف إطلاق النار والعدوان على القطاع يوم 17 كانون الثاني/ يناير 2025 خطوة هامة جداً لكبح يد الفاشية "الإسرائيلية" المُنفلتة وصولاً لترتيبات معينة على مراحل لــ "صفقة تبادل الأسرى"، لكنها أُنجزت بشكلٍ جزئي، فالحرب والعدوان مازال مستمراً على القطاع ولو بوتيرة مختلفة، و"صفقة التبادل" كــ "البطة العرجاء"، مازالت تنوء، بل وتغرق باشتراطات وتعطيلات من نتنياهو وأركان حكومته الائتلافية المُشكلة من قوى اليمين الفاشي التي تريد استمرار الحرب على القطاع.
وكانت كواليس التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة و"صفقة التبادل" قد شهدت ومازالت دوراً أمريكياً استثنائياً (راوح مكانه) بشخص المبعوث من الإدارة الجديدة وتحديداً من الرئيس دونالد ترامب (ستيف ويتكوف)، دوراً محورياً في تحقيق اختراق لم يحصل حتى الآن بالمفاوضات.
وكشف "مسؤول إسرائيلي" بأنَّ تدخل (ستيف ويتكوف) ودوره كسياسي مُحنّك، كان اللحظة غير المُسبوقة في العلاقة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، التي شَهٍدت العديد من اللحظات الاستثنائية. وأضاف أنَّ "ستيف ويتكوف مؤيد لإسرائيل في جوهره، لكنه جاء بآرائه ومواقفه. وكان من الواضح الشعور بزخم الرئيس دونالد ترامب في ذلك الاجتماع في أول زيارة له كمبعوث أمريكي للمنطقة والذي زوده به قبل وصوله كمبعوثٍ له للمنطقة".
القناة الخلفية وراء الكواليس
في هذا السياق، التسريبات التي تمت أواخر شباط/ فبراير 2025 وتبعتها معلومات مُكثّفة بدايات آذار/ مارس 2025 تحدثت عن حوارات تدور خلف الكواليس برعاية قطر ية بين حركة حماس والطرف الأمريكي ممثلاً بشخص (آدم بولر)، تلك التسريبات التي تدفقت بمعظمها قبل وبعد قمة القاهرة الاستثنائية، وفيها محاولات واشنطن حلّ الاستعصاءات المتعلقة بالمرحلة الثانية من "صفقة التبادل" التي تراوح مكانها، بل تتعقد كل يوم نتيجة المواقف التي يطلقها نتنياهو ويسترضي بها قوى اليمين الفاشي المؤتلفة في حكومته، وهي القوى التي لا تريد وقف إطلاق النار، بل تريد العودة للحرب.
المعلومات تقول أيضاً بأن الموفد الأمريكي بالحوار مع حركة حماس هو شخص (آدم بولر) الذي قال وبكل خبثٍ: "إنَّ علاقات أميركا مع الدول العربية أقوى من أي وقتٍ مضى، وأن قيادة الفلسطينيين يجب أن تمثل الشعب بما فيها الضفة الغربية". وأضاف "حركة حماس يُمكن التفاهم معها مع أنها من وجهة نظرنا ليست كياناً سياسياً، لكننا ناقشنا معها اليوم التالي في غزة وإعادة الإعمار وهدنة مطولة تشمل تخليها عن السلاح، وملتزمون بإنهاء حرب غزة وإطلاق سراح كل الرهائن وليس فقط الجنود من أصل أمريكي".
وقد ذكرت صحيفة "هآرتس" في تقرير، مساء الأحد التاسع من آذار 2025، أنه "يجري الحديث في إسرائيل عن التوصّل إلى اتفاق، ويُطلق سراح الرهائن الأمريكان وغيرهم من جنود الاحتلال". وأضافت صحيفة "هآرتس" أن المقترح يشمل، أن يتمّ خلاله "نزع سلاح حماس. وستقدم الولايات المتحدة المساعدة من خلال دول إضافية، وتضمن عدم وجود أنفاق، أو أنشطة عسكريّة، وألّا تشارك حماس في السياسة من حينه، فصاعدا". بالرغم من انكشاف أمر القناة التفاوضية السرية عبر الكواليس التي تدور في فلكها. بالرغم من ذلك فإن الاحتلال مازال مستمراً بكل سياساته القمعية والفاشية تجاه شعبنا في القطاع، ولم تؤثر عليها قناة التفاوض الخلفية، بل عَمَدَ مؤخراً لقطع الكهرباء وإيقاف محطة تحلية المياه الخاصة بالشرب.
المجلس المركزي... وقضايا منظمة التحرير
الى هنا، يُفترض أن تبدأ أعمال اجتماعات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في مدينة رام الله يوم الحادي والعشرين من نيسان/ أبريل 2025. وفق جدول أعمال كامل ومتكامل، وعلى رأسه ما يخص المؤسسات الوطنية الفلسطينية وتطويرها والنهوض بها.
المجلس المركزي لمنظمة التحرير، هيئة وسيطة بين المجلس الوطني (البرلمان مجازاً) واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وهو أقرب الى الهيئة الاستشارية الموسعة. وله الرأي تجاه القضايا الأساسية الملحة، ويتشكل من منتمين فصائلياً ومن فعاليات ومستقلين.
وعلى المجلس المركزي في اجتماع عمله القادم، أن يضم جميع أعضائه، وليس على حركتي حماس والجهاد المشاركة بأعماله، باعتبارهما قوى أساسية ورئيسية.
وعلى المجلس النظر بكل الوضع السياسي، والعمل من أجل ترجمة مخرجات قرارات قمة القاهرة العربية وقف مستديم للحرب على شعبنا والقطاع، ورفع الحصار عن القطاع، وفتح معبر رفح. وخطة إعادة إعمار القطاع، وتأتي في هذا السياق، مسائل النظر بالبيت الفلسطيني، والنهوض بكل المؤسسات. وهي مهمة عسيرة تهدف في جانبٍ هام منها الى إعادة (لململة) البيت الفلسطيني ومحاولة إنهاء الانقسام المقيت.
أخيراً، وبالإيجاز، نحن أمام مناخٍ سياسي مُكتظّ في المنطقة، وتحديداً بشأن قطاع غزة، وقضيتنا الوطنية بشكلٍ عام. إنَّ كل تلك التطورات تأتي وسط مناخ سياسي حساس تمر به الساحة الفلسطينية، حيث يرى مراقبون أن استحداث منصب نائب الرئيس قد يكون خطوة تمهيدية لإعادة هيكلة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وربما فتح الباب أمام تغييرات أوسع في المشهد السياسي الفلسطيني خلال الفترة المقبلة.

