Menu

غزة إلى أين؟

وفاء حميد

نشر في مجلة الهدف العدد (69) (1543)

إن ما يجري من أحداث ومشاهد يضعنا أمام سؤال هو إلى أين سيكون مستقبل غزة والمنطقة؟ سؤال طالما تداوله الكثيرون، بعد أحداث السابع من أكتوبر، وما تبعه من عنف مفرط وسقوط العديد من الشهداء والجرحى، ليبرز الدور فيما لعبته المقاومة وتركته من أثر لتشكيل المشهد السياسي في المنطقة...

 فنرى أن المجازر الدموية مازالت متواصلة ولا أحد يعرف إلى أين تتجه الأمور فعلى الرغم من وقف إطلاق النار، تتجه الأوضاع نحو طريق مسدود. يؤثر هذا المشهد من جحيم الدمار والدماء النازفة على منظومة التفكير والعمل السياسي، إذ لا يمكن أن يعود الوضع إلى ما كان عليه من قبل.

وأما إعادة إعمار القطاع المدمر تماماً الذي أعلنته قمة القاهرة، فنجد أنه من الاستحالة الحصول على ضمانات بأن الاحتلال لن يقوم بتسويته بالأرض مجدداً. حيث إن إستراتيجية إسرائيل نحو القضية الفلسطينية هي تفريغ القطاع من سكانه، وترحيلهم، فقد فضح الكاتب الصحفي والمراسل العسكري الأمريكي كريس هيدجيز تصريحات "إسرائيل" قائلاً: "اهربوا من رفح كما هربتم من غزة ودير البلح وجباليا وبيت حانون، اهربوا سنقتلكم سنسقط قنابل 39GBU- على مخيماتكم ونشعلها سنقصفكم بالمدفعية وقذائف الدبابات، سنقتلكم بالقناصة، سندمر خيامكم مخيمات اللاجئين، مدنكم وبلدانكم ومنازلكم، ومستشفياتكم، ومدارسكم، ومحطات تنقية المياه، سنمطر الموت من السماء، احزموا ما بقي لديكم من أمتعة لا يهمنا مدى إرهاقكم ومدى جوعكم ومدى رعبكم ومدى مرضكم ومدى كبر سنكم ومدى صغر سنكم، اهربوا وبينما تهربون برعب إلى جزء من غزة سنجعلكم تستديرون وتركضون إلى جزء آخر منها محاصرين في متاهة الموت".

هذا بعض مما جاء من التصريح، وإن رؤية إسرائيل لا تتوقف عند قطاع غزة فحسب في سياق التوسع الاستيطاني المحتل على أراضي الفلسطينيين، فإن حكومة نتنياهو تسعى إلى تحقيق إستراتيجيات تتضمن السيطرة على مساحات واسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة. في هذا الصدد، تتكشف خطط جديدة تعكس نوايا إسرائيلية أعمق لإعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في المنطقة.

 وتشكل رؤية "بنيامين نتنياهو" للشرق الأوسط الجديد تجسيداً لطموحات إسرائيلية تاريخية في التوسع، والسيطرة على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، مستندة إلى أيديولوجية صهيونية، تهدف إلى ضم الأراضي المحتلة، لتحقيق أمنها القومي. هذه الرؤية ليست جديدة، بل تمتد منذ قيام دولة الكيان المحتل، فقد عرض نتنياهو خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بتاريخ 26/ أيلول 2024، خارطتين تظهران الضفة الغربية وقطاع غزة كجزء من إسرائيل، تربطهما معها اتفاقيات تطبيع، مع أخرى ضمت مصر والسودان والإمارات والسعودية والبحرين والأردن، وكتب على الخارطة الأولى كلمة "البركة"، وعلى الخارطة الثانية كلمة "اللعنة".

هذه الرؤية تتوافق مع خطته لتأكيد "صفقة القرن"، التي اعتبرتها دول عديدة وسيلة لتعزيز السيطرة الإسرائيلية، والتي تسعى من خلالها لتغيير الخارطة السياسية لتشمل المنطقة.

في الوقت الذي تعيش فيها غزة، أوضاعاً إنسانية مزرية، ويتفاقم فيها الوضع الإنساني لدرجة لا تحتمل، وفق التصريحات المتتالية لمسؤولي المنظمات الإنسانية الدولية.

فهي تعتقد أنها بهذا تضغط على المقاومة في محاولة للتخلص منها، ما يعني بالضرورة إنهاء المقاومة بشكل عام وتقويض حركة المقاومة برمتها. فإن هدف إسرائيل ليس القضاء على المقاومة، إنما هو بعد إستراتيجي عميق أخذت حجة المقاومة سبيلاً لتنفيذ خططها. حتى وإن كانت إسرائيل تريد إنهاء المقاومة والقضاء على حماس، والأمر ما هو إلا وقت وينهض فيه جيل جديد من القادة الفلسطينيين. والشعب الفلسطيني المعروف بأصالته وصموده وتمسكه بأرضه هو اليوم أكثر إصراراً من أي وقت مضى على التخلص من الاحتلال، فالمأساة التي يواجهها والحرمان من تحقيق مصيره وتعرضه للعنف بطريقة ممنهجة جعلت من الحاجة إلى حل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. حتى لو تم إنهاء الاحتلال لوجود حماس فإن مجموعة أخرى ستحل محلها.

وعلى الأمة العربية أن تدرك الخطر الذي يحيطها وعليها أن تشكل جبهة موحدة ضد الاعتداءات الإسرائيلية، وإن التصدي لهذه الأزمات يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وإستراتيجية موحدة تحمي الأمن القومي العربي، وتؤكد على أن فلسطين ليست مجرد قضية شعب مضطهد، بل هي رمز للكرامة الإنسانية، وأن فكرة وجود التنازلات وسياسة الترضيات لم تعد موجودة في المنطقة، وفكرة تنظيف الأراضي الفلسطينية من آخر جندي إسرائيلي ستتحول الى آليات عمل حقيقي، بما يعني ذلك أن ثمة كيانات سوف تنهار، ودماء سوف تهدر أكثر مما نشاهده حالياً.