في ظل العدوان المستمر على غزة وعموم فلسطين، برزت الرؤية النسوية العربية كموقف نضالي إنساني وأخلاقي للتعاطي مع معطيات العدوان وتطوراته، وذلك في أفق فهم أعمق للمعاناة الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وخاصة النساء والأطفال. فهذه الرؤية لا تقتصر على تحليل الدمار الجسدي والمادي، بل تسلط الضوء على الأبعاد النفسية والثقافية والتداعيات الاجتماعية التي تعاني منها هذه الفئات في ظل الاحتلال والقصف المستمر.
لقد حاولت الرؤية النسوية العربية التفاعل المركب بين القضايا النسوية والنضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني، لذلك فهي تتجاوز البعد الإنساني والحقوقوي السائد لتسلط الضوء على العنف الجندري المضاعف الذي تتعرض له النساء الفلسطينيات في ظل العدوان المستمر على غزة. فالنساء في غزة يواجهن قمعاً مزدوجاً؛ الأول يتمثل في الاحتلال الصهيوني الذي يفرض حصاراً وتجويعاً وقتلاً ممنهجاً على الجميع، والثاني ينبع من القهر الاجتماعي الناتج عن الهياكل الذكورية التقليدية التي تُقيّد حركتهن وأدوارهن في المجتمع.
في هذا السياق، تقدم الرؤية النسوية قراءة نقدية ترى في الإبادة الجماعية في غزة محاولةً للقضاء ليس فقط على الشعب الفلسطيني، بل أيضاً لتدمير النسيج الاجتماعي، حيث تكون النساء هن الرابط الأساسي في الحفاظ على الوجود أصلا وعلى الهوية الثقافية والمقاومة اليومية لمنطق الإلغاء الاستعماري. فالنساء الفلسطينيات يتعرضن للعنف الجندري من الاحتلال الإسرائيلي، الذي يستخدم العنف الجنسي والترهيب كأدوات استعمارية لكسر النسيج الاجتماعي الفلسطيني. كما أن القصف العشوائي والتهجير القسري يؤديان إلى فقدان النساء لأسرهن، مما يدفعهن إلى أدوار جديدة كمعيلات رئيسيات في ظل غياب الرجال الذين يُستهدفون بشكل ممنهج. كما يستعمل جيش الاحتلال أنواعا خاصة من القنابل وعناصر التدمير التي تستهدف النساء والإناث أساسا مهما كان عمرهن والتي تتجه لنسف القدرة على الحمل والولادة الآن وغدا، قنابل تشوه رحم البنات والنساء من أجل القضاء على استمرار الشعب الفلسطيني، فلقد كانت الواجهة الديمغرافية على الدوام واجهة صراع مع العدو.
إضافة إلى ذلك، تحلل الناشطات النسويات الاحتلال الإسرائيلي كشكل من أشكال العنف الجندري، حيث يستهدف البنى الاجتماعية والاقتصادية التي تعتمد عليها النساء، مثل تدمير المنازل، والمدارس، والبنى التحتية الحيوية بما فيها الزراعة البيتية والمنزلية كآلية من آليات الصمود والمقاومة. كما تشمل الممارسات الاحتلالية الاعتقالات التعسفية للنساء والأطفال، والاستخدام الممنهج للعنف الجنسي كأداة قمع، وفقاً لتقارير منظمات حقوقية فلسطينية ودولية.
ولم يطل التنكيل في الأسر رجال المقاومة المسلحة فحسب، بل طال أيضا رموزا نسائية طالها تنكيل فظيع مثل ما صار مع أيقونة نساء فلسطين الرفيقة خالدة جرار التي منع عليها التنفس من أجل قتلها. لكن شموخها رغم وضعها الصحي الصعب أعطى للشعب الفلسطيني رموزا أخرى لتدوين سردية الصمود، رموزا هو ونحن في أشد الحاجة إليها.
وترى النسوية العربية أن الجسد الفلسطيني، وخاصة جسد المرأة، أصبح ساحة للحرب والاستهداف، فالنساء الفلسطينيات لا تواجهن فقط القصف والدمار، بل أيضاً العنف الجنسي، والحرمان من الرعاية الصحية، والموت أثناء الولادة بسبب نقص الخدمات الطبية نتيجة الحصار. في هذا السياق، يصبح الجسد الفلسطيني رمزاً للصمود والمقاومة، وهو ما يجعل استهداف النساء جزءاً من استراتيجية الإبادة الثقافية والبيولوجية للشعب الفلسطيني. ولقد كان جسد خالدة جرار رمزا رغم هزاله وإنهاكه، أنه يقاوم مثلما يقاوم شعب فلسطين رغم الاختلال الرهيب في ميزان القوى.
علاوة على ذلك، تشير الرؤية النسوية إلى أن الأمهات الفلسطينيات يحملن عبئاً مضاعفاً في ظل العدوان، حيث يتحملن مسؤولية حماية أطفالهن في ظل القصف، وتوفير الحد الأدنى من الأمان والاحتياجات الأساسية، مع فقدان الأزواج والأبناء. وبهذا، تتحول الأم الفلسطينية إلى رمز للصمود ولإعادة إنتاج الحياة رغم الموت والدمار المحيط بها. هذه التجربة تعكس قوة المرأة الفلسطينية كقائدة للمجتمع في أحلك الظروف. فالمرأة التي ترضع رغم خواء الثدي وشحّ الحليب الذي تحول في مرات عدة إلى دم ينتقل من جسد منهك إلى آخر أكثر إنهاكا بما قدم للضمير العالمي صورا لم يألفها رغم انتشار فظاعات الإمبريالية في أماكن عدة من العالم.
في هذا الإطار، تسلط الحركات النسوية العربية الضوء على التضامن العابر للحدود، حيث يتم الربط بين نضال النساء في فلسطين ونضال النساء ضد العنصرية والعنف الإمبريالي في مناطق أخرى. كما يتم دعم حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات كأداة نسوية لمقاومة الاحتلال.
ومن جانب آخر، عملنا كنسويات عربيات باعتبارنا فصيلا من حركة الإسناد الأممي التي برز فيها النساء والشابات في كل العالم بشكل واضح وذا دلالات عميقة، ربط النضال الفلسطيني بالنضالات النسوية ضد الاستعمار والاستبداد في مناطق أخرى من العالم العربي. وحاولنا ألا يقتصر هذا التضامن على البيانات السياسية، بل يشمل حملات الدعم النفسي، والمساعدات الإنسانية، وتوثيق الجرائم والانتهاكات التي تتعرض لها النساء الفلسطينيات.
كما تُعارض الأصوات النسوية التطبيع مع الاحتلال، مؤكّدات أن التحرر الجندري لا ينفصل عن التحرر الوطني. وتتبنى الحركات النسوية العربية خطاباً مناهضاً للاستعمار يرفض تصوير المرأة الفلسطينية كضحية فقط، بل كفاعلة وكمقاومة في النضال الوطني والاجتماعي، مع التركيز على تجارب النساء في تفاصيل العمل المقاوم المرئي منه واللامرئي، سواء كنا ناشطات سياسيات، أو مقدمات للرعاية في ظل انهيار النظام الصحي والاجتماعي.
ورغم الصعوبات، تُبرز الروايات النسائية دور النساء الفلسطينيات كصانعات حياة ومقدّمات رعاية في مجتمع مشرد، مع الإشارة إلى المبادرات النسوية المحلية لتنظيم الإغاثة، وتوثيق الانتهاكات، والحفاظ على الحياة اليومية تحت الحصار. لقد حملت صور النساء وهنّ يرعين أوراق المقدنوس والملوخية في أركان الخيام المقطعة وتحت زئير الرعد والأمطار التي أنهكت الغزاويين في شتاءين قارسين. لقد أينعت الأمطار حشائش رعتها النساء فكانت خضرا للحساء وضمائد للجرحى.
وفي نهاية المطاف، تتبنى الرؤية النسوية العربية في سياق غزة عدالة ثورية تربط بين الاحتلال الإسرائيلي، والنظام الأبوي، والنيوليبرالية العالمية التي تكرس الفقر والهشاشة الاقتصادية. فاللاجئات والناجيات من العدوان يعانين من اضطهاد مزدوج؛ كفلسطينيات تحت الاحتلال، وكنساء في مجتمعات ذكورية.
لذلك تدعو الحركات النسوية إلى توفير دعم نفسي واجتماعي للنساء الناجيات، بالإضافة إلى تعزيز شبكات الدعم المجتمعي التي تقودها النساء.
كما وجب الانتباه إلى أهمية تفكيك الخطاب الإعلامي الاستعماري الذي يبرر الارهاب ضد الفلسطينيين تحت ذرائع أمنية، ويتجاهل المعاناة الإنسانية للنساء والأطفال وكبار السن، مع ضرورة كشف النفاق العالمي الذي يدّعي الدفاع عن حقوق المرأة في سياقات معينة ترتبط بمصالح قوى كبرى ومتنفذة، بينما يصمت أمام الجرائم والفظاعات التي تُرتكب بحق النساء الفلسطينيات.
إن الرؤية النسوية الثورية تقدم فهماً أشمل وأدق للمقاومة، لا يقتصر على الكفاح المسلح، بل يشمل كل أشكال المقاومة الثقافية، والتعليمية، والنفسية. فالمرأة الفلسطينية التي تزرع الأرض، وتعلّم أطفالها التاريخ الفلسطيني، وتحافظ على التراث الثقافي، هي جزء لا يتجزأ من النضال ضد الاستعمار. المرأة التي تحبل وتلد و تمول المقاومة بالبشر مقاومين وأسرى، قادة في كل ساحات الفعل الوطني التحرري.
لقد أثبتت النساء مرة أخرى أنهن مركز للمقاومة والصمود، بما يشكل ضربة أخرى للمقاربات الرجعية الليبرالية منها والظلامية التي لا ترى في المرأة إلا ضلعا ثانيا وثانويا، بينا هي ضلع أصلي وأساسي وجوهري، بل هو ضلع الأضلاع.
- نساء تونس فخورات بنساء فلسطين، نساء غزة والضفة والقدس والداخل المحتل والشتات والمنافي. فخورات وفي الآن ذاته متحرّجات من حجم الإسناد الذي كان هذه المرة دون المأمول رغم الجهد المبذول، وهو ما يعود في تقديرنا إلى تراجع الحراك النضالي في بلادنا على وقع الهدير الشعبوي الذي ادعى احتكار القضية الفلسطينية دون أن يقدم شيئا ذا معنى لشعب الجبارين الذي يخوض نضالا شاقا ضد البربرية والوحشية نيابة عنا جميعا، نيابة عن كل الإنسانية الحرة.

