ما إن نسمع كلمة آذار حتى يتوارد للذهن فوراً أنه شهر المرأة والمحبة لارتباطه بالربيع والخصب والجمال .. فيه تحتفل المرأة العربية بعيد الأم بالتزامن مع عيد النيروز للأكراد يوم 21/ 3 من كل عام , إضافة لعيد المعلم العربي يوم السبت الثاني من ذات الشهر وطبعاً للمعلمة منه نصيب كبير .. وإذا حلّقنا قليلاً نحو العالمية نجد النساء يحتفلن بيومهن 8/3 تحت مسمى يوم المرأة العالمي .. يحتفلن بالإنجازات والقوانين التي أنصفتهن في مجتمعاتهن التي كانت ذكورية بحتة لكنها تغيرت نتيجة نضالاتهن المتواصلة للحصول على حقوقهن , انطلقت شرارة الثورة النسوية من أمريكا بداية القرن الماضي إثر احتجاج العاملات في معمل النسيج في نيويورك والمطالبة بتخفيض ساعات العمل وتحسين الأجور والحصول على حق التصويت في الانتخابات وكان لهن ما أرَدْن , ثم مظاهرة الاحتجاج في سانت بطرسبرغ 1917 التي طالبت "بالخبز والسلام " بما يعني أنهاء الحرب العالمية الأولى .. تدحرجت كرة المطالبة بالحقوق لتجوب مختلف أنحاء العالم بقاراته الخمس وكانت في كل عام تأخذ عنواناً وموضوعاً يلبي احتياجات المرأة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً , إلى أن أطلقت الأمم المتحدة اسم " السنة الدولية للمرأة " عام 1975 وفي العام 1977 اعتمدت يوم الثامن من آذار يوماً عالمياً للمرأة .. واصلت المرأة نضالها وتحركاتها السلمية للحصول على مبتغاها حسب التطور المجتمعي بما في ذلك موضوع العنف المنزلي وتعزيز المشاركة السياسية والصحة والعالم الرقمي والحقوق الجنسية والإنجابية .. وضمان مشاركتها في عمليات السلام وعدم السماح بإفلات مرتكبي الفظائع ضد المرأة ، وقد حمل في هذا العام شعار "الحقوق والمساواة والتمكين لكافة النساء والفتيات " .
- ازدواجية المعايير بين نساء العالم :
بنظرة متأنية على المنجزات النسوية نجد قوانينها تنطبق على المجتمعات الغربية الغنية التي تعتبر هذا اليوم وشعاراته جانباً من الترف والإكسسوار المزيف الذي ينشغل الجميع ببريقه , كما ويسلط الإعلام الضوء عليه وكأن كل نساء العالم يعشن برغد العيش وينعَمْن بالسلام والكرامة الإنسانية مع عائلاتهن ومجتمعاتهن المحيطة , ولا يتعرضن للتحرش والعنف والاعتقال والعدوان والقتل والإبادة الجماعية للنساء والأطفال في الزاوية الأخرى من العالم كما حصل أو ما زال يحصل مع المرأة في " فلسطين ,سورية بين 2011 و2024 , السودان ، ميانمار ، رواندا ، مجازر الصرب في البوسنة والهرسك نهاية القرن الماضي ," إضافة لمختلف الدول الأفريقية والآسيوية للأسف !..
- يحتفلن ويفرحن تزامناً مع الإبادة الجماعية للفلسطينيين :
هل يمكن للمرأة الفلسطينية أن تغفر أو تسامح النسوة اللاتي رقصن على جراحها وآلامها .. تجاهَلْن واقعها واحتفلن بيوم المرأة في الوقت الذي كانت فيه هائمة على وجهها تفتش عن لقمة تعيد رمق الحياة لأطفالها الذين تحولت أجسادهم لهياكل عظمية وهم يصارعون الجوع والألم للبقاء على قيد الحياة بعد سياسة التجويع التي انتهجها الاحتلال للقضاء على جذوة الأمل بحياة أفضل إثر نجاتهم من القصف الهمجي والجرائم الوحشية !.
كيف لها الاحتفال مع مجتمع منافق اطّلع على المشاهد المروّعة للمجزرة التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني بحق عائلتها التي كانت تتهيأ لتناول طعام الفطور فاختلطت أشلاؤهم مع الحديد المنصهر كما التصقت ببعضها وتم تعبئتها بكيس نايلون و دفنهم كتلة واحدة , وكان من ضمنهم وليدها الرضيع ؟!.
كيف يمكن لزوجة نسيان مشهد تعرية رجال وشباب الحي وجمعهم في حفرة وإعدامهم بوحشية , وكان ابنها اليافع يتشبث بيد والده المسن ولسان حاله يقول :" لن أتركك يا أبي والجنة موعدنا بإذن الله " , أو المشهد الأبشع لإطلاق الكلاب على الشهداء المدنيين في الشوارع ونهش أجسادهم !
هل يمكن لأم وأخت محو المقطع الأكثر تقززاً ولا إنسانية الذي صوره جنود الاحتلال وسط الضحك والاستهزاء وهم يطلقون كلباً بوليسياً تجاه طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة والتعدي عليه ومحاولة الطفل إبعاده وهو يضحك ظناً منه أنه يلاعبه ؟!.
كيف يمكن لأم أن تنسى مشهد بقر بطن ابنتها الحامل وانتزاع الجنين وذبحه بدم بارد وسط ضحكات هستيرية وألفاظ عنصرية بضرورة قتل الأجنة بالأرحام كي لا يولدوا ويتحولوا لمقاتلين !.وترفض التغاضي عن حالات الإجهاض أو الموت خلال الولادة في الخيمة أو على قارعة الطريق مع انعدام المستلزمات الطبية الضرورية خلال النزوح المتكرر ..
كيف لها العيش بطمأنينة بعد فقدان أولادها الأربعة " يامن , أوركيدا, التوأمين كنان وكرمل " إثر قصف منزلها في خانيونس " 13/12/2024 " وعدم القدرة على انتشالهم من تحت الر كام بسبب وجود الاحتلال وتحويل المكان لمنطقة عسكرية .. كتبت الشاعرة آلاء قطر اوي عبر صفحتها على فيسبوك : يامن ..كيف يغدو شعرك الذهبي الآن تحت الحديد وأرتال الباطون ؟ وكيف يبدو لون عينيك الزرقاوين ؟ هل تعرف كم أنت جميل ؟ كم أبدع الله عز وجل في خلق تفاصيلك ؟ أنظر إلى عينيك وأسبّح الله عز وجل ..
أوركيدا .. أنت يا أوركيدا لست ابنتي , أنت صديقتي وحبيبتي , وأفرح وأنت تلقين عليّ أحياناً ملاحظاتك , ويبهرني ذكاؤك ولباقتك , أحب اهتمامك بأناقتك وفرحك بكونك أميرة صغيرة وأنت تدورين بفستانك المنفوش , أميرة يا أوركيدا , أنت أميرتي لو تعلمين " ..!.
كيف يمكن للمرأة محو مشهد الأجساد والأشلاء المتطايرة من غرف مركز إيواء الأونروا الذي ظنوا أنه سيحميهم لأنه يحمل شعار المنظمة الدولية ؟!
كيف لها نسيان صورة ابنتها وقد تلطخت بدلة زفافها البيضاء بالدماء إثر استهدافها والعريس من قناصَيْن مجرمَيْن ؟!
هل يمكن للجدة الاحتفال والفرح وهي تنتظر انتشال أجساد ابنتها وأحفادها الذين ما زالوا تحت الأنقاض منذ شهور ؟ أو الابنة التي تنتظر جسد أمها , تقول آلاء أبو يونس " رصيف 22 – آذار 2024 " استشهدت أمي وخمسة من أبنائها وزوجاتهم و تسعة عشر حفيداً يوم 22/10/2023 !
هل تستطيع الأم التفكير بالاحتفال وقد تاهت مع طفلتها عن جدها الذي كان يحمل طفلها خلال النزوح ولا تعرف مصيرهما ؟ كتبت السيدة وفاء دبابش على حائط أحد صفوف مركز الإيواء الذي بقي شاهداً : " يا علي حبيبي يا ماما إنت جعان ,يا ريت متت وما تركتك , اشتقت لك ياعلّوش , قلبي محرّق يما " نزحت وفاء مجدداً ولا ندري مصيرها ومصير جدّها وطفليها !!
هل يمكن للأسيرات الفلسطينيات التفكير بيوم المرأة قبل نسيان العذابات التي تعرضن لها على يد السجانين الصهاينة نتيجة التعذيب الجسدي والنفسي وحتى الاغتصاب الوحشي بما فيه الجماعي لكسر شوكتهن وامتهان كرامتهن وإنسانيتهن , فمن يعيد لهؤلاء النسوة جذوة الحياة , هن أكثر الناس حاجة للمساعدة والدعم النفسي للخروج من الكوابيس وهول الحدث الذي مررن به , بحاجة لبذل الجهد لإدماجهن مجدداً بالعائلة والمجتمع ..
- النماذج السابقة قليلة جداً مما تعرضت له المرأة الفلسطينية التي تشعر بالحزن والقهر خلال العدوان الأخير فما بالكم بالحروب السابقة على القطاع , تلك النسوة اللاتي لم يحصلن على الحد الأدنى من حقوقهن الإنسانية والعيش الحر الكريم خاصة في ظل غياب الخصوصية مع انهيار المنظومة الصحية والبنية التحتية , فلا هي قادرة على تأمين العلاج اللازم لها ولعائلتها , ولا هي تمتلك إمكانية الحصول على الماء النظيف لاستخدامه في الطعام أو النظافة الشخصية , افتقادها للأمان في ظل الإبادة الجماعية والمجازر الوحشية بحقها وحق عائلتها ومجتمعها وشعبها ينتزع منها كل مقومات الحياة التي منحتها الحق بها كل التشريعات السماوية والوضعية ومع هذا يستهدفها الاحتلال الصهيوني ممارساً التطهير العرقي والعنصرية الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني وفي القلب منه النساء اللاتي لم تحاول المنظمات النسوية العالمية الأخذ بأيديهن أو الدفاع عنهن على أقل تقدير تصالحاً مع أنفسهن كونهن رائدات العمل النسوي الدولي, كما لم يحاولن الضغط على حكوماتهن ومجتمعاتهن لتسليط الضوء على التطهير العرقي والجرائم الوحشية التي يمارسها العدو الصهيوني بحق شعب بأكمله لا لذنب اقترفوه بل كونهم أبناء الأرض الفلسطينية وأصحابها الأصليين وقد احتلها الصهيوني الذي يستخدم معاداة السامية شمّاعة للتغوّل بالإجرام الذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً !..
- غياب شبه كامل للمؤسسات والهيئات النسوية الدولية عن المشهد الفلسطيني والانتهاكات الصهيونية ضد المرأة والطفل وعموم الأسرة إذ لا يمكن الفصل بين واقع المرأة وعائلتها المتلاحمة معها !. فهل يمكنها في ظل هذا الواقع المأساوي الذي تعيشه مع أسرتها ومجتمعها الاحتفال بيوم شكلي لا طائل منه ؟!

