Menu

سقط القناع: فلسطين تتحدث بصوت لا يُسكت

آية غسان سعيد

في السابع من أكتوبر 2023، اختار الفلسطينيون أن يكتبوا تاريخهم بدمائهم، ليعلنوا للعالم عن وجودهم بأصوات لا يمكنها أن تُسكت، وتظل حية في صميم الذاكرة. اخترقت كتائب القسام، الجناح المسلح ل حركة حماس ، الجدار العسكري الذي طالما حبس الفلسطينيين في غزة، ذلك الجدار الذي ظن الاحتلال أنه الفاصل بين الإنسان وحقه في الحياة، بين الأرض التي سرقتها طموحاتهم وبين السماء التي رسمت فيها أحلامهم. كان ذلك اليوم، في قلب الظلام، الضوء الذي اخترق حاجز الكتمان، ليكشف للعالم ما كان يخشى أن يراه، ما كان يخشى أن يتحمل مسؤوليته.

"طوفان الأقصى" لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان عبارة عن لوحة من الجروح في جسد الزمن الفلسطيني، حيث رسمت الكلمات فعلاً، والمشاعر عبر الأفعال. لقد تجاوزت المقاومة الفلسطينية الحواجز كلها، فكل رصاصة، وكل انفجار، كان صرخة رفض لكل محاولات العزل والتجاهل التي مارسها العالم. في تلك اللحظة، لم يكن الفلسطينيون مجرد مدافعين عن أرضهم، بل كانوا متمردين على صمت العالم، يصرخون في وجه غطرسة الاحتلال الذي طالما ظن أن صمتنا هو نوع من الاستسلام، بل هو صراع وجود يتحدى القهر.

لكن في قلب هذا الليل الحالِك، كان الفجر هو الوعد المستمر. غزة، التي سكنت في قلب العالم كعاصفة صمت لا تنتهي، لم تكن إلا جزءًا من مشهد أكبر بكثير. مشهد معركة مع الزمن، مع الاحتلال، ومع عالم تحوّل إلى متفرج بل ومشارك في الجريمة. غزة التي يعيش فيها أكثر من 2.2 مليون فلسطيني، أغلبهم من اللاجئين الذين طردتهم الميليشيات الصهيونية الوحشية في عام 1948، كانت وما زالت نبض المقاومة، ولم تكن الأرض تلك سوى الشاهد المستمر على تحرر الروح الفلسطينية التي ترفرف رغم القيود.

لكن المجزرة الإسرائيلية لا يمكن أن تُفهم على أنها مجرد رد فعل على "طوفان الأقصى"، فالإسرائيليون لم ينقضوا على غزة فحسب، بل على فكرة الوجود الفلسطيني نفسها. إنها محاولة لتشويه التاريخ، وطمس الحقوق السياسية التي ظل الفلسطينيون يطالبون بها. لكنهم غفلوا عن حقيقة واحدة، هي أن التاريخ لا يُمحى. مهما حاولوا سلب الأرض، فإن الأرض ستظل تحتفظ بكل شبر منها، وستظل أقدام الفلسطينيين ثابتة فوقها، مهما كثرت محاولات محو هويتهم.

"إسرائيل"، بتغليب طابعها كدولة يهودية/دينية على حساب كونها دولة ديمقراطية/ليبرالية لمواطنيها اليهود، تعمل على تقويض السلطة القضائية وتهميشها، بينما تسعى لاستعادة مكانتها كقوة إقليمية عظمى على حساب جيرانها في الشرق الأوسط، مع تجاهل الفلسطينيين وإقصائهم من المعادلات السياسية. وهكذا، لم تعد إسرائيل مجرد قوة احتلال، بل مشروعاً استعمارياً وحشياً يسعى لطمس كل ما هو فلسطيني.

إن الحديث عن المجتمع الدولي لا يمكن أن يقتصر على كونه متواطئاً في قمع الفلسطينيين فحسب، بل يجب أن يُعتبر شريكاً نشطاً في مشروع الاستعمار الصهيوني لفلسطين، بما في ذلك الإبادة الجماعية التي تُرتكب الآن في غزة. لقد تجرأ الكيان الإسرائيلي على فعل ما يريد بسبب عقود من الإفلات من العقاب، وهو يعلم أنه لن يواجه أي عواقب على الجرائم التي يرتكبها. وهكذا جُرمت المقاومة الفلسطينية بكل أشكالها، في وقت تم فيه صرف الانتباه إلى قضايا هامشية، مثل البيروقراطية المتضخمة والحكم الاستبدادي، لتغرق القضية الفلسطينية في بحر من التهميش واللامبالاة.

وفي هذا اليوم التضامني مع فلسطين، لا يمكننا تجاهل كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته الشهيرة "سقط القناع". فقد كانت تلك الكلمات بمثابة صرخة من الأعماق، نداء لجميع الذين ظلوا يرفضون مواجهة الحقيقة. "سقط القناع" لم يكن مجرد تعبير عن سقوط الهالة المزيفة التي تُحيط بالاحتلال الصهيوني، بل كان دعوة لرفع الحجاب عن وجه الواقع، لتكشيف ملامح القهر والمجازر التي تُرتكب بحق الشعب العربي الفلسطيني، وبالخصوص بحق الأطفال الذين يدفعون الثمن الأكبر.

سقط القناع عن الوجه الذي طالما حاول الاحتلال أن يخفيه، هذا الوجه الذي يعكس حقيقة الاستعمار المستمر، والقمع الممنهج، وتدمير الحق الفلسطيني في الحياة والحرية. ومع سقوط هذا القناع، لم يعد العالم يستطيع أن يتظاهر بعدم الرؤية. كيف يمكن للعالم أن يغض الطرف عن المجازر التي تُرتكب في غزة؟ كيف يمكن للضمير العالمي أن يتجاهل صرخات الأطفال الذين يرون أرضهم تُغتال أمام أعينهم، ويعيشون في جحيم الحصار والدمار؟

في هذا اليوم، الذي نتذكر فيه أطفال فلسطين وجميع ضحايا الاحتلال، نحن مطالبون بأن لا نكون مجرد متفرجين، بل أن نكون جزءًا من النضال من أجل حقوقهم. لن تكتمل الصورة إلا إذا كانت أيدي الجميع متشابكة في السعي من أجل الحرية والعدالة، ليس فقط لفلسطين، بل لكل طفل في هذا العالم يستحق أن يعيش بسلام وكرامة.

ففي سجون الليل التي أسسها الاحتلال، ينتزع الفلسطينيون نهارهم. وفي قلب العواصف التي تعصف بالأرض، يستمر التمرد أملاً حياً، يتجدد مع كل صباح. هو تمرد على الاستسلام، تمرد على الصمت، تمرد على القهر. وتظل فلسطين، بأرضها وشعبها، نبضاً لا يتوقف.