بعد أكثر من 15 شهراً من الحرب المستمرة في قطاع غزة، انطلقت دعوات من مختلف الأطراف، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي، للمطالبة بإضراب شامل عام احتجاجاً على حرب الإبادة التي يتعرض لها القطاع.
ومع ذلك، يظل الإضراب وسيلة لم تُستنفَذ بعد في سياق الصراع الفلسطيني المستمر مع الاحتلال الإسرائيلي، ويقتصر أثره بشكل أساسي على المشهد الفلسطيني المحلي. لتكتسب هذه الدعوات معنى حقيقيًا، لا بد من تحليل وتفكيك آليات نجاح الإضراب بناءً على تجارب الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، وبالخصوص في السياقات الاجتماعية والنفسية.
الإضراب ليس مجرد توقف عن العمل أو النشاط الاقتصادي، بل هو أداة مقاومة مجتمعية ذات أبعاد نفسية واجتماعية عميقة، يمكن أن تشكل نقطة تحول في الصراع المستمر. وبالرجوع إلى التجربة الفلسطينية، نلاحظ أن الإضراب كان دائمًا فعلًا شعبيًا يواكب متغيرات سياسية واحتياجات جماهيرية. يكتسب الإضراب طبيعته الثورية عندما يتحول إلى فعل شعبي على الأرض، خاصة إذا كان موجهًا نحو نقاط التماس مع الاحتلال. ويعتبر هذا النوع من الإضراب ذا فاعلية أكبر عندما يتم التراكم عليه بشكل نوعي.
أي عندما يكون هناك استمرار في الضغط الشعبي الذي يعزز من فاعلية هذا الاحتجاج. هذا الفعل لا يتوقف عند مجرد تكرار "يوم إضراب"، بل يتطلب بناء روح مقاومة مستمرة من خلال تنظيم ميداني وتفاعل حيوي بين مختلف فئات الشعب الفلسطيني.
واحدة من أبرز القضايا التي برزت في تجارب الإضراب الفلسطيني كانت وجود القيادة الموحدة التي تستطيع توجيه الفعل الشعبي بشكلٍ متناسق وفعّال. التاريخ الفلسطيني مليء بالتجارب التي كانت فيها التنسيق بين الفصائل المختلفة، فغياب "القيادة الموحدة" يفقد الإضرابات فاعليتها على المستوى الوطني.
من خلال تجربتي الشخصية كصحافي في الضفة الغربية، يمكنني أن أشير إلى أنه رغم الإحساس الكبير بالحاجة إلى التحرك والاحتجاج، إلا أن غياب القيادة الموحدة كان واضحًا جدًا، الأمر الذي أدى إلى عزوف العديد من الفئات عن الانخراط الفاعل في الفعاليات. هنا يظهر جليًا أن "الطبيعة لا تقبل الفراغ"، ولذا، فإن تنظيم الإضراب في هذه المرحلة يحتاج إلى قيادة ميدانية حقيقية تُمثل الشعب الفلسطيني بكل أطيافه وفئاته.
من أهم العوامل التي يجب التركيز عليها هو تأسيس قيادة موحدة للـ"إضراب الشامل" تعمل على التنسيق بين القوى الفلسطينية كافة، وتحديد أهداف واضحة وقابلة للتحقيق. هذه القيادة يجب أن تعمل على صياغة استراتيجية ميدانية تتماشى مع الأوضاع الراهنة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تفرض تحديات جديدة تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والسياسية.
في السياق ذاته، قد يجد الشعب الفلسطيني في أراضي 1948 وسيلة أكثر تأثيرًا في الضغط على الاحتلال من الضفة الغربية، خاصة في الجوانب الاقتصادية؛ حيث تزداد قدرة الشعب في الداخل على الإضراب لأسباب تتعلق بالترابط الاقتصادي والعمالي، مما يضاعف تأثير هذا الإضراب على الاحتلال.
الشباب الفلسطيني يلعب دورًا محوريًا في أي حركة مقاومة شعبية، بما في ذلك الإضراب. هم الأكثر قدرة على التأثير في الشارع الفلسطيني من خلال قدرتهم على حشد التأييد وتحريك الفعاليات الميدانية. ولعل أهمية الشباب لا تقتصر فقط على الفعل الثوري نفسه، بل على إعادة إحياء الحركة الوطنية للفصائل الفلسطينية والنشطاء على كافة المستويات. مع غياب القيادة الموحدة في الضفة الغربية، وغياب التنسيق الواضح بين الفصائل، أصبح من الضروري أن تكون مشاركة الشباب أكثر تنسيقًا وتركيزًا على تحقيق الأهداف الاستراتيجية للإضراب.
توجد نقطة حساسة في الجدل حول الإضراب الفلسطيني وهي تسييس هذا الفعل. ففي بعض الحالات، يتم استغلال الإضراب من بعض الجهات السياسية أو الفصائل كوسيلة للتنفيس عن مشاعر الغضب الشعبي أو لتسجيل موقف سياسي في مرحلة معينة.
وهذا يشكل تهديدًا لنجاح الإضراب، لأنه يؤدي إلى اختزال القضية الفلسطينية في مسألة سياسية محضة لا تتعلق بالواقع الشعبي اليومي للمواطنين. الإضراب يجب أن يظل أداة للمطالبة بالحقوق، وبالتحديد إنهاء حرب الإبادة المستمرة على غزة، وليس مجرد أداة للتنفيس عن الاحتقان الجماهيري في ظل فراغ قيادي واضح.
مقارنة مع تجارب الفلسطينيين في الإضرابات السابقة، خاصة في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، نرى أن النجاح في تحقيق أهداف الإضراب يعتمد على تضافر الجهود الشعبية مع القيادة الميدانية المتناغمة. إن إضرابًا شاملاً في هذه المرحلة يجب أن يتجاوز كونَه مجرد رد فعل على الأحداث الحالية إلى أداة نضال مستدامة تساهم في خلق ضغط حقيقي على الاحتلال لإنهاء حرب الإبادة.
من الضروري أن يظل الإضراب وسيلة ذات مضمون شعبي وجماهيري، وأن يكون مقترنًا بخطة استراتيجية محددة الهدف، حيث أن الإضراب الناجح لا يُقاس فقط بحجم المشاركة، بل بقدرته على التأثير الفعلي في الوضع القائم، مما يعزز من قوة الموقف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.
إذا كان الإضراب يشكل إحدى الأدوات المهمة في تاريخ النضال الفلسطيني ضد الاحتلال، فإن تحقيق فعالية هذا الإضراب في ظل الظروف الراهنة يتطلب تبني استراتيجية موحدة، وضمان تفعيل دور كافة الفئات الفلسطينية، وبالأخص الشباب، في إطار تنسيق ميداني دقيق. كما أن الوعي بضرورة إبعاد التسييس عن الإضراب سيكون عاملًا مهمًا في إنجاحه وتحقيق أهدافه الوطنية.

