Menu

إسرائيل بين الإقالات والتصعيد في غزة

نبال عمر

نشر في مجلة الهدف العدد (69) (1543)

تمر إسرائيل بمرحلة غير مسبوقة من الأزمات الداخلية، حيث تتوالى الإقالات في المؤسسات الأمنية والقضائية، وتتفاقم الخلافات بين أركان الحكومة، وسط تصعيد اقتصادي يهدد بشلّ المرافق الحيوية. تزامن ذلك مع استمرار العدوان على قطاع غزة، حيث تحاول الحكومة الإسرائيلية تصدير مشاكلها الداخلية عبر تصعيد عسكري دموي يستهدف المدنيين العزل.

جاءت إقالة رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) رونين بار، وما تبعها من تهديدات منتدى رجال الأعمال بشل الاقتصاد، لتكشف عمق الأزمة التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد قرر أيضًا إقالة المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهراف ميارا، في خطوة أثارت ضجة كبيرة وأعادت الحديث عن محاولات نتنياهو للسيطرة على السلطة القضائية.

إقالة رئيس الشاباك أثارت استياءً واسعًا داخل المؤسسة الأمنية، حيث اعتبرتها القيادات العسكرية محاولة سياسية لإبعاد الأصوات المعارضة داخل أجهزة الأمن، مما قد يؤدي إلى تراجع الكفاءة الأمنية في التعامل مع التحديات المتزايدة. في الوقت ذاته، جاءت إقالة المستشارة القضائية كضربة أخرى لاستقلال السلطة القضائية، حيث كانت معروفة بمواقفها المستقلة ورفضها لبعض السياسات المثيرة للجدل داخل الحكومة. اعتبرت المعارضة الإسرائيلية أن هذه الخطوة تهدف إلى إحكام نتنياهو سيطرته على القضاء، وهو ما أثار احتجاجات واسعة في الشارع الإسرائيلي، حيث خرج الآلاف رفضًا لما وصفوه بمحاولة "قتل الديمقراطية".

عضو الكنيست أفيخاي بورون من حزب الليكود، الذي قدم المقترح لإقالة ميارا، اتهمها بتجاوز حدود صلاحياتها وعرقلة سياسات الحكومة عبر اختراع عوائق قانونية لا أساس لها. وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، علّق على هذه الخطوة عبر منصة "إكس" (تويتر سابقًا)، قائلاً: "الخطوة التالية هي عرض إقالتها على الحكومة لمناقشتها، وينبغي أن تتخذ الحكومة الإسرائيلية هذا القرار". كما نشر وزير الاتصالات، شلومو كرعي، توقيعات 13 وزيرًا من أصل 33 في الحكومة، يطالبون بإقالتها، مؤكدًا أن "سلوك المستشارة القضائية يعرقل عن عمد سياسة الحكومة لأسباب سياسية مع اختراع عوائق قانونية لا أساس لها من الصحة وتجاوز حدود التفويض القانوني الممنوح لها". في المقابل، أدان الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الهجمات على ميارا، مؤكدًا على ضرورة احترام استقلالية المؤسسات القضائية.

على الصعيد الاقتصادي، لم يلتزم رجال الأعمال الصمت، بل صعّد منتدى رجال الأعمال الإسرائيلي موقفه بإعلان رفضه لهذه الإقالات، محذرًا من تداعياتها الاقتصادية. هدد المنتدى باتخاذ إجراءات تصعيدية قد تشمل تجميد الاستثمارات، ووقف العمليات التجارية، وتعطيل المرافق الاقتصادية الحيوية إذا لم تتراجع الحكومة عن قراراتها الأخيرة. هذه التهديدات تشكل ضغطًا كبيرًا على الحكومة، حيث تعتمد إسرائيل بشكل كبير على القطاع الخاص في دعم اقتصادها.

في ظل هذه الأزمات، عاد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى الواجهة، مستغلًا هذه الاضطرابات لتعزيز نفوذه داخل الحكومة، وداعيًا إلى تشديد القمع ضد الفلسطينيين، وزيادة الاستيطان، وفرض مزيد من القيود على الحريات داخل إسرائيل. مطالباته بإجراءات أكثر صرامة ضد المتظاهرين الإسرائيليين المعارضين لسياسات نتنياهو، عمّقت الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، وزادت من التوتر السياسي والاجتماعي. على المستوى الدولي، تزايدت الإدانات لسياسات الحكومة الإسرائيلية، حيث عبرت دول غربية عن قلقها من التوجه الاستبدادي لحكومة نتنياهو، خاصة بعد سلسلة الإقالات الأخيرة ومحاولات تقييد استقلال القضاء.

في الوقت الذي تعيش فيه إسرائيل أزمة داخلية حادة، يدفع الفلسطينيون في قطاع غزة الثمن الأكبر، حيث يواصل الاحتلال قصف الأحياء السكنية والبنية التحتية والمرافق الصحية، مما أدى إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى. القطاع الصحي في غزة يشهد انهيارًا غير مسبوق بسبب القصف المستمر والحصار المفروض منذ سنوات، حيث تفتقر المستشفيات إلى الأدوية والمعدات الطبية، بينما تعمل الطواقم الطبية في ظروف بالغة الصعوبة وسط نقص في الكهرباء والمياه النظيفة.

تفاقم الحصار جعل الحصول على المواد الغذائية الأساسية أمرًا شبه مستحيل، حيث تمنع إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية، ما أدى إلى نقص حاد في الغذاء والمياه الصالحة للشرب. الكهرباء منعدمة في معظم أنحاء القطاع، والمياه النظيفة أصبحت عملة نادرة، مما زاد من معاناة السكان.

إسرائيل اليوم في مفترق طرق خطير، حيث تتراكم الأزمات الداخلية بوتيرة غير مسبوقة، بينما تتزايد العزلة الدولية بسبب السياسات الاستبدادية والتصعيد العسكري ضد غزة. استمرار الاحتجاجات وتهديدات رجال الأعمال قد يجبر الحكومة على التراجع عن بعض قراراتها، مما سيضعف موقف نتنياهو سياسيًا، لكن في المقابل، قد تلجأ الحكومة إلى تصعيد أوسع على غزة لتشتيت الأنظار عن الأزمة الداخلية، وهو ما سيؤدي إلى كارثة إنسانية أكبر، وفي حال تفاقمت الخلافات داخل الحكومة، قد تنهار التحالفات مما قد يؤدي إلى انتخابات جديدة تعيد رسم المشهد السياسي الإسرائيلي.

إسرائيل اليوم تعيش واحدة من أعقد أزماتها السياسية والاقتصادية، حيث تفاقمت الخلافات الداخلية مع تزايد الإقالات والخلافات بين أركان الحكم، بينما يعاني الفلسطينيون في غزة من عدوان مستمر يزيد من مأساتهم اليومية. في ظل هذه الأوضاع، يبقى السؤال: هل يستطيع نتنياهو النجاة من هذه العاصفة، أم أن إسرائيل مقبلة على مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الداخلي والتدهور الدولي؟