Menu

الشرق الأوسط الكبير بين شمعون بيرز... وكونداليزا رايس... ونتنياهو الأهداف والدوافع

د. أدهم شقير

نشر في مجلة الهدف العدد (69) (1543)

قبل أنْ تتبنّى وزيرة خارجيّة الإدارة الثانية لجورج بوش الابن كونداليزا رايس مصطلح "الشّرق الأوسقبل أنْ تتبنّى وزيرة خارجيّة الإدارة الثانية لجورج بوش الابن كونداليزا رايس مصطلح "الشّرق الأوسط الجديد"، نشر شمعون بيريز سنة 1992 كتاباً بعنوان “الشرق الأوسط الجديد”، وكان يومها وزيراً للخارجية الإسرائيلية، تحدث فيه عن مفاوضات السلام التي بدأت في مدريد نهاية عام 1991، والتي أفضت إلى اتفاقية أوسلو عام 1993؛ أي بعد صدور الكتاب. وعن الآفاق التي سيفتحها الشرق الأوسط الجديد الذي سينقل المنطقة من الحرب إلى السلام، وتكون فيه إسرائيل المحركة والموجهة والقائدة، وعن دورها في ضمان أمن المنطقة وازدهارها واستقرارها، واستقرار أنظمتها “غير الديمقراطية”!

 وكانت رايس، خلال فترة الحرب الإسرائيليّة على لبنان (2006)، كأنّها انتقلت من برنامج "الشّرق الأوسط الموسّع" الذي أعلنته الولايات المتّحدة إلى تبنّي الرؤية الإسرائيليّة بشكلٍ كامل عن إعادة "هندسة" الشّرق الأوسط (التّعيس)، وإنْ شكّك باحثون في أنّها قالت ذلك، وأرجعوا تداول الجملة إلى سوء التّرجمة، لكنّ ذلك ليسَ مهمًّا الآن، فها هو نتنياهو يعيد الجملة إلى الواجهة، حينَ قالَ وهو يبدأ مهاجمة لبنان: "الآن... بدأنا خطّة مُمَنهَجَة لتغيير الشّرق الأوسط"، وأعلن عن محاور ما سمّاه "الخير والشّر" من نيويورك، حيثُ منظمة الأمم المتّحدة ومجلسُ أمنها، وحيثُ القوانين التي لا طائِل منها، والتّوحّش "البربري" الذي يرتدي ثوبَ الحضارة، ويقدّم تصوّره الأصولي حول شكل التّحضُّر.

لماذا يعتبر الشرق الأوسط مهمًا جدًا للاقتصاد العالمي؟

النفط والغاز الطبيعي هما المحركان الرئيسيان لاقتصاد الشرق الأوسط. تضم المنطقة أكثر من 50% من احتياطيات النفط الخام المؤكدة في العالم، كما تضم ما يقرب من 40% من إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي المعروفة.

وطوال السّنواتِ الماضية، تضع دولة الاحتلال الإسرائيليّ ومن خلفِها الولايات المتّحدة بإداراتها المتعاقبة خططًا لتغيير (هذا) الشّرق الأوسط، أو تجديده أو تدجينه، وكأنّ الأمر أصبحَ لازِمة سخيفة لأيّ إدارة أميركيّة، ثمّ تكتشف أنّ خططها للتغيير الإستراتيجيّ لم تكن إلّا فوضى غير منظّمة.

مشروع "الشرق الأوسط الجديد" هو خطة استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط بما يخدم مصالح إسرائيل والدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. هذا المشروع لا يقوم فقط على الصراعات العسكرية أو السياسية، بل يتغلغل في الاقتصاد، والتحالفات الإقليمية، والأنظمة الاجتماعية للدول العربية. هذه الخطة التي تعزز النفوذ الإسرائيلي تشمل عدة أهداف إستراتيجية سنوضحها هنا بالتفصيل.

الأهداف الإستراتيجية لمشروع "الشرق الأوسط الجديد"

1- تقسيم الدول العربية:

من أكثر الوسائل فعالية في تعزيز الهيمنة الإسرائيلية هو تفتيت الدول العربية الكبرى إلى كيانات أصغر ضعيفة وغير قادرة على مواجهة إسرائيل عسكريًا أو سياسيًا. الفكرة هنا تعتمد على أن ضعف الدول المحيطة بإسرائيل يعزز من أمنها وتفوقها. يتم تفكيك هذه الدول بناءً على الطائفية والعرقية، كما شهدنا في العراق وسوريا و ليبيا .

ويتم إنجاز ذلك عبر استخدام الصراعات الداخلية كأداة لإضعاف الحكومات المركزية وتشجيع النزاعات الطائفية والعرقية. كما يتم التدخل عبر دعم فصائل معينة على حساب أخرى، مما يؤدي إلى تفكيك الوحدة الوطنية.

2- تعزيز الهيمنة الإسرائيلية:

أحد الأهداف الرئيسية للمشروع هو تثبيت إسرائيل كقوة إقليمية عظمى في المنطقة، عبر تطبيع العلاقات مع دول عربية وتحويل إسرائيل من دولة تواجه "عداءً" إلى دولة حليفة للدول العربية. هذا يعني أن إسرائيل لن تظل فقط "موجودة"، بل ستصبح لاعبًا أساسيًا في صنع القرار الإقليمي، يتمتع بمكانة رائدة في مجالات مثل التكنولوجيا، الأمن، والاستخبارات.

 يتم تعزيز هذا الهدف عبر التحالفات الإستراتيجية مع دول الخليج وشرق المتوسط، وتطبيع العلاقات الاقتصادية والعسكرية. أيضًا، استخدام النفوذ السياسي والإعلامي العالمي لتشويه صورة المقاومة الفلسطينية وتوجيه الأنظار إلى قضايا "الإرهاب" والتهديدات الخارجية.

3- التطبيع الاقتصادي:

يسعى المشروع إلى دمج إسرائيل في الاقتصادات العربية، ليس فقط عبر التجارة التقليدية، بل من خلال إقامة شراكات في التكنولوجيا، الطاقة، والبنية التحتية. الهدف هنا هو تحويل إسرائيل إلى مركز اقتصادي رئيسي في المنطقة بحيث يعتمد جيرانها العرب على اقتصادها.

تتم صفقات التطبيع الاقتصادي عبر شراكات تكنولوجية (مثل التعاون في مشاريع البنية التحتية والطاقة المتجددة) واتفاقيات التجارة الحرة، إضافة إلى تعزيز الاستثمار الإسرائيلي في الدول العربية.

4- السيطرة على الموارد الطبيعية:

الشرق الأوسط غني بالموارد الطبيعية، خاصة النفط والغاز، ويمثل ذلك جزءًا كبيرًا من الإستراتيجية التي تسعى إلى ضمان سيطرة القوى الغربية وإسرائيل على هذه الموارد الحيوية. الهدف هو تأمين مصادر الطاقة بشكل يخدم الاقتصاد العالمي ويعزز نفوذ إسرائيل على حساب دول المنطقة عبر التحالفات الاقتصادية التي تضمن تدفق الموارد إلى الغرب وإسرائيل، واستغلال حالة الفوضى في الدول المنقسمة لتوقيع عقود استثمار طويلة الأمد في قطاع الطاقة.

ما هي القوى الفاعلة في تشكيل المشروع :

   باعتبار إسرائيل و إيران الأكثر فاعلية في تشكيل الشرق الأوسط وهندسته، من كل النواحي، هنا سنستعرض بعض النقاط المهمة في المشهد للدولتين :

مساحة إيران أكبر من / إسرائيل/ فلسطين بـ60 مرة، وهي من حيث عدد السكان ثمانية أضعافها.

 في حين أن الفارق كبير بينهما في المجالين الاقتصادي والعسكري، إذ إن إجمالي الناتج المحلي السنوي لإيران 386 مليار دولار، في مقابل 540 مليار دولار لإسرائيل.

 وبينما يبلغ نصيب الفرد في إيران 4400 دولار سنوياً، فإنه في إسرائيل 55 ألفاً.

 وتبلغ نسبة البطالة في إيران 9.6 في المئة، أما في إسرائيل فهي 3.9 في المئة.

وفي حين تصدر إيران بضائع (ضمنها النفط) بقيمة 71 مليار دولار سنوياً،

فإن صادرات إسرائيل بلغت 73 مليار دولار، مع فارق أن إسرائيل تعتبر من الدول المتقدمة تكنولوجياً.

فارق آخر لغير صالح إيران يكمن في عزلتها في محيطها، بما لا يقل عن عزلة إسرائيل، إن لم يكن أكثر، بخاصة مع إظهارها كقوة تهدد جوارها، كدولة تدخلية، تسعى للهيمنة، على جوارها، وهي عوامل باتت تشتغل لصالح إسرائيل، التي تتميز أيضاً بعلاقات وطيدة مع معظم دول العالم، ومنها الصين والهند وروسيا، هذا إضافة إلى تمتعها بضمانة الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، لأمنها وتطورها وتفوقها في كل المجالات.

وقد يفيد التذكير هنا بأن الحديث عن الطرفين الإقليميين الفاعلين لا يقلّل من مكانة أطراف أخرى، سواء في العالم العربي، أو تركيا ، وهي دولة قوية ومؤثرة في الإقليم، لأن الأمر هنا يتعلق بالطرفين اللذين ينتهجان الحرب التي تتجاوز بتأثيراتها وتداعياتها السياسية والأمنية حدود الإقليم.

لا ينفي حقيقة أن تلك المنطقة ما زالت تخضع لشبكة علاقات الهيمنة الأميركية، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وضمن ذلك تحكمها بعلاقات القوة فيها.

 لا تستطيع الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية وإسرائيل تغيير وجه الشرق الأوسط، وإعادة تشكيل خريطته الجيوسياسية، وتشذيب بنيته الثقافية دون وجود بيئة داخلية مهيأة لهذا التحول. فهشاشة الأنظمة، وفسادها، واستبدادها، وفي ظل أنظمة تقايض بقاءها بهضم حقوق شعوب بأكملها، واضطهاد مكوناتها، وتحكم قبضتها على السلطة عبر نشر الإرهاب الإسلامي وتغذيته، لم تعد القوى الخارجية، بحاجة إلى شنّ حروب طويلة أو فرض سياسات معقدة، يكفيها أن تحرّك خيوط اللعبة، فتنهار الدول من الداخل، واحدة تلو الأخرى، بينما تواصل الأنظمة المتواطئة نهجها في دعم التطرف الديني، وتحويله إلى أداة لقمع شعوبها، والتغطية على فسادها تحت رايات مزيفة باسم الدين والسيادة .

 والثقافة المدمرة التي تم زرعها بين شعوبها، جعلت المنطقة برمتها ساحة مفتوحة للتحولات الجذرية والتدخلات الخارجية، وبهذا، باتت القوى الكبرى قادرة على إعادة رسم مصير هذه الدول وفق مصالحها، وهو ما تتقبله، بل وتسعى إليه، شريحة واسعة من شعوب المنطقة التي ترى في التغيير الخارجي فرصة للخلاص من استبداد الداخل.

الخاتمة: التحديات والمواجهة المستمرة

مشروع "الشرق الأوسط الجديد" ليس مجرد خطة لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية، بل هو مشروع طويل الأمد يهدف إلى تحويل المنطقة وتثبيت إسرائيل كقوة مهيمنة. يعتمد هذا المشروع على تقسيم الدول العربية وإضعافها، والسيطرة على مواردها الطبيعية، وإعادة صياغة التحالفات السياسية بما يخدم أهداف الغرب وإسرائيل. لكن الفلسطينيين، الذين يمثلون قلب هذه المعركة، يمتلكون القدرة على مواجهة هذا المشروع من خلال الوحدة الوطنية، وتطوير رواية إعلامية قوية، وتعزيز المقاومة، وتوطيد علاقاتهم الدولية. فهم لا يقفون فقط ضد الاحتلال الإسرائيلي، بل ضد مشروع يستهدف تصفية القضية الفلسطينية واستبدالها بنموذج جديد للشرق الأوسط يهمش حقوقهم التاريخية.

المعركة طويلة وتحتاج إلى إستراتيجيات متجددة تعتمد على التنسيق والتكامل بين الجهود الداخلية والدولية. ومع تزايد الضغوط والتحديات، فإن قدرة الفلسطينيين على الصمود والتكيف مع المتغيرات ستكون العامل الحاسم في تحديد مسار هذه المعركة. الفلسطينيون، كما كانوا دائمًا، في طليعة المقاومة، ويظلون الرمح الذي يواجه هذا المشروع الإقليمي والدولي بكل تحدياته .

" الجديد"، نشر شمعون بيريز سنة 1992 كتاباً بعنوان “الشرق الأوسط الجديد”، وكان يومها وزيراً للخارجية الإسرائيلية، تحدث فيه عن مفاوضات السلام التي بدأت في مدريد نهاية عام 1991، والتي أفضت إلى اتفاقية أوسلو عام 1993؛ أي بعد صدور الكتاب. وعن الآفاق التي سيفتحها الشرق الأوسط الجديد الذي سينقل المنطقة من الحرب إلى السلام، وتكون فيه إسرائيل المحركة والموجهة والقائدة، وعن دورها في ضمان أمن المنطقة وازدهارها واستقرارها، واستقرار أنظمتها “غير الديمقراطية”!

 وكانت رايس، خلال فترة الحرب الإسرائيليّة على لبنان (2006)، كأنّها انتقلت من برنامج "الشّرق الأوسط الموسّع" الذي أعلنته الولايات المتّحدة إلى تبنّي الرؤية الإسرائيليّة بشكلٍ كامل عن إعادة "هندسة" الشّرق الأوسط (التّعيس)، وإنْ شكّك باحثون في أنّها قالت ذلك، وأرجعوا تداول الجملة إلى سوء التّرجمة، لكنّ ذلك ليسَ مهمًّا الآن، فها هو نتنياهو يعيد الجملة إلى الواجهة، حينَ قالَ وهو يبدأ مهاجمة لبنان: "الآن... بدأنا خطّة مُمَنهَجَة لتغيير الشّرق الأوسط"، وأعلن عن محاور ما سمّاه "الخير والشّر" من نيويورك، حيثُ منظمة الأمم المتّحدة ومجلسُ أمنها، وحيثُ القوانين التي لا طائِل منها، والتّوحّش "البربري" الذي يرتدي ثوبَ الحضارة، ويقدّم تصوّره الأصولي حول شكل التّحضُّر.

لماذا يعتبر الشرق الأوسط مهمًا جدًا للاقتصاد العالمي؟

النفط والغاز الطبيعي هما المحركان الرئيسيان لاقتصاد الشرق الأوسط. تضم المنطقة أكثر من 50% من احتياطيات النفط الخام المؤكدة في العالم، كما تضم ما يقرب من 40% من إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي المعروفة.

وطوال السّنواتِ الماضية، تضع دولة الاحتلال الإسرائيليّ ومن خلفِها الولايات المتّحدة بإداراتها المتعاقبة خططًا لتغيير (هذا) الشّرق الأوسط، أو تجديده أو تدجينه، وكأنّ الأمر أصبحَ لازِمة سخيفة لأيّ إدارة أميركيّة، ثمّ تكتشف أنّ خططها للتغيير الإستراتيجيّ لم تكن إلّا فوضى غير منظّمة.

مشروع "الشرق الأوسط الجديد" هو خطة استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط بما يخدم مصالح إسرائيل والدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. هذا المشروع لا يقوم فقط على الصراعات العسكرية أو السياسية، بل يتغلغل في الاقتصاد، والتحالفات الإقليمية، والأنظمة الاجتماعية للدول العربية. هذه الخطة التي تعزز النفوذ الإسرائيلي تشمل عدة أهداف إستراتيجية سنوضحها هنا بالتفصيل.

الأهداف الإستراتيجية لمشروع "الشرق الأوسط الجديد"

1- تقسيم الدول العربية:

من أكثر الوسائل فعالية في تعزيز الهيمنة الإسرائيلية هو تفتيت الدول العربية الكبرى إلى كيانات أصغر ضعيفة وغير قادرة على مواجهة إسرائيل عسكريًا أو سياسيًا. الفكرة هنا تعتمد على أن ضعف الدول المحيطة بإسرائيل يعزز من أمنها وتفوقها. يتم تفكيك هذه الدول بناءً على الطائفية والعرقية، كما شهدنا في العراق وسوريا وليبيا.

ويتم إنجاز ذلك عبر استخدام الصراعات الداخلية كأداة لإضعاف الحكومات المركزية وتشجيع النزاعات الطائفية والعرقية. كما يتم التدخل عبر دعم فصائل معينة على حساب أخرى، مما يؤدي إلى تفكيك الوحدة الوطنية.

2- تعزيز الهيمنة الإسرائيلية:

أحد الأهداف الرئيسية للمشروع هو تثبيت إسرائيل كقوة إقليمية عظمى في المنطقة، عبر تطبيع العلاقات مع دول عربية وتحويل إسرائيل من دولة تواجه "عداءً" إلى دولة حليفة للدول العربية. هذا يعني أن إسرائيل لن تظل فقط "موجودة"، بل ستصبح لاعبًا أساسيًا في صنع القرار الإقليمي، يتمتع بمكانة رائدة في مجالات مثل التكنولوجيا، الأمن، والاستخبارات.

 يتم تعزيز هذا الهدف عبر التحالفات الإستراتيجية مع دول الخليج وشرق المتوسط، وتطبيع العلاقات الاقتصادية والعسكرية. أيضًا، استخدام النفوذ السياسي والإعلامي العالمي لتشويه صورة المقاومة الفلسطينية وتوجيه الأنظار إلى قضايا "الإرهاب" والتهديدات الخارجية.

3- التطبيع الاقتصادي:

يسعى المشروع إلى دمج إسرائيل في الاقتصادات العربية، ليس فقط عبر التجارة التقليدية، بل من خلال إقامة شراكات في التكنولوجيا، الطاقة، والبنية التحتية. الهدف هنا هو تحويل إسرائيل إلى مركز اقتصادي رئيسي في المنطقة بحيث يعتمد جيرانها العرب على اقتصادها.

تتم صفقات التطبيع الاقتصادي عبر شراكات تكنولوجية (مثل التعاون في مشاريع البنية التحتية والطاقة المتجددة) واتفاقيات التجارة الحرة، إضافة إلى تعزيز الاستثمار الإسرائيلي في الدول العربية.

4- السيطرة على الموارد الطبيعية:

الشرق الأوسط غني بالموارد الطبيعية، خاصة النفط والغاز، ويمثل ذلك جزءًا كبيرًا من الإستراتيجية التي تسعى إلى ضمان سيطرة القوى الغربية وإسرائيل على هذه الموارد الحيوية. الهدف هو تأمين مصادر الطاقة بشكل يخدم الاقتصاد العالمي ويعزز نفوذ إسرائيل على حساب دول المنطقة عبر التحالفات الاقتصادية التي تضمن تدفق الموارد إلى الغرب وإسرائيل، واستغلال حالة الفوضى في الدول المنقسمة لتوقيع عقود استثمار طويلة الأمد في قطاع الطاقة.

ما هي القوى الفاعلة في تشكيل المشروع :

   باعتبار إسرائيل وإيران الأكثر فاعلية في تشكيل الشرق الأوسط وهندسته، من كل النواحي، هنا سنستعرض بعض النقاط المهمة في المشهد للدولتين :

مساحة إيران أكبر من / إسرائيل/ فلسطين بـ60 مرة، وهي من حيث عدد السكان ثمانية أضعافها.

 في حين أن الفارق كبير بينهما في المجالين الاقتصادي والعسكري، إذ إن إجمالي الناتج المحلي السنوي لإيران 386 مليار دولار، في مقابل 540 مليار دولار لإسرائيل.

 وبينما يبلغ نصيب الفرد في إيران 4400 دولار سنوياً، فإنه في إسرائيل 55 ألفاً.

 وتبلغ نسبة البطالة في إيران 9.6 في المئة، أما في إسرائيل فهي 3.9 في المئة.

وفي حين تصدر إيران بضائع (ضمنها النفط) بقيمة 71 مليار دولار سنوياً،

فإن صادرات إسرائيل بلغت 73 مليار دولار، مع فارق أن إسرائيل تعتبر من الدول المتقدمة تكنولوجياً.

فارق آخر لغير صالح إيران يكمن في عزلتها في محيطها، بما لا يقل عن عزلة إسرائيل، إن لم يكن أكثر، بخاصة مع إظهارها كقوة تهدد جوارها، كدولة تدخلية، تسعى للهيمنة، على جوارها، وهي عوامل باتت تشتغل لصالح إسرائيل، التي تتميز أيضاً بعلاقات وطيدة مع معظم دول العالم، ومنها الصين والهند وروسيا، هذا إضافة إلى تمتعها بضمانة الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، لأمنها وتطورها وتفوقها في كل المجالات.

وقد يفيد التذكير هنا بأن الحديث عن الطرفين الإقليميين الفاعلين لا يقلّل من مكانة أطراف أخرى، سواء في العالم العربي، أو تركيا، وهي دولة قوية ومؤثرة في الإقليم، لأن الأمر هنا يتعلق بالطرفين اللذين ينتهجان الحرب التي تتجاوز بتأثيراتها وتداعياتها السياسية والأمنية حدود الإقليم.

لا ينفي حقيقة أن تلك المنطقة ما زالت تخضع لشبكة علاقات الهيمنة الأميركية، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وضمن ذلك تحكمها بعلاقات القوة فيها.

 لا تستطيع الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية وإسرائيل تغيير وجه الشرق الأوسط، وإعادة تشكيل خريطته الجيوسياسية، وتشذيب بنيته الثقافية دون وجود بيئة داخلية مهيأة لهذا التحول. فهشاشة الأنظمة، وفسادها، واستبدادها، وفي ظل أنظمة تقايض بقاءها بهضم حقوق شعوب بأكملها، واضطهاد مكوناتها، وتحكم قبضتها على السلطة عبر نشر الإرهاب الإسلامي وتغذيته، لم تعد القوى الخارجية، بحاجة إلى شنّ حروب طويلة أو فرض سياسات معقدة، يكفيها أن تحرّك خيوط اللعبة، فتنهار الدول من الداخل، واحدة تلو الأخرى، بينما تواصل الأنظمة المتواطئة نهجها في دعم التطرف الديني، وتحويله إلى أداة لقمع شعوبها، والتغطية على فسادها تحت رايات مزيفة باسم الدين والسيادة .

 والثقافة المدمرة التي تم زرعها بين شعوبها، جعلت المنطقة برمتها ساحة مفتوحة للتحولات الجذرية والتدخلات الخارجية، وبهذا، باتت القوى الكبرى قادرة على إعادة رسم مصير هذه الدول وفق مصالحها، وهو ما تتقبله، بل وتسعى إليه، شريحة واسعة من شعوب المنطقة التي ترى في التغيير الخارجي فرصة للخلاص من استبداد الداخل.

الخاتمة: التحديات والمواجهة المستمرة

مشروع "الشرق الأوسط الجديد" ليس مجرد خطة لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية، بل هو مشروع طويل الأمد يهدف إلى تحويل المنطقة وتثبيت إسرائيل كقوة مهيمنة. يعتمد هذا المشروع على تقسيم الدول العربية وإضعافها، والسيطرة على مواردها الطبيعية، وإعادة صياغة التحالفات السياسية بما يخدم أهداف الغرب وإسرائيل. لكن الفلسطينيين، الذين يمثلون قلب هذه المعركة، يمتلكون القدرة على مواجهة هذا المشروع من خلال الوحدة الوطنية، وتطوير رواية إعلامية قوية، وتعزيز المقاومة، وتوطيد علاقاتهم الدولية. فهم لا يقفون فقط ضد الاحتلال الإسرائيلي، بل ضد مشروع يستهدف تصفية القضية الفلسطينية واستبدالها بنموذج جديد للشرق الأوسط يهمش حقوقهم التاريخية.

المعركة طويلة وتحتاج إلى إستراتيجيات متجددة تعتمد على التنسيق والتكامل بين الجهود الداخلية والدولية. ومع تزايد الضغوط والتحديات، فإن قدرة الفلسطينيين على الصمود والتكيف مع المتغيرات ستكون العامل الحاسم في تحديد مسار هذه المعركة. الفلسطينيون، كما كانوا دائمًا، في طليعة المقاومة، ويظلون الرمح الذي يواجه هذا المشروع الإقليمي والدولي بكل تحدياته .