Menu

العدوان الصهيوني الجديد على قطاع غزة ما بين السياق التكتيكي والسياق الإستراتيجي

عليان عليان

نشر في مجلة الهدف العدد (69) (1543)

دخل العدوان الصهيو-أمريكي الجديد على قطاع غزة، حتى تاريخ كتابة هذا المقال (26)مارس – آذار الماضي، وسط صمت رسمي عربي مخجل، وعدم ترجمة أي قرار من قرارات قمة القاهرة ، وعدم استخدام دول القمة لأي ورقة من أوراق الضغط لديها، بحكم عداء معظمها لنهج المقاومة ،وبحكم تعامل دول القمة مع قراراتها ، كتوصيات مقدمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، ووسط الغياب التام لمحكمة العدل الدولية حيال الإبادة الجماعية والحصار التجويعي لأبناء القطاع ، ووسط تغطية سياسية وعسكرية شاملة من الإدارة الأمريكية، حيث لم ينفك المبعوث الأمريكي " ستيف ويتكوف" عن تحميل حركة حماس مسؤولية استئناف الحرب ضد قطاع غزة ، لأنها قامت بإجراء تعديلات عليها، ولأنها رفضت نزع سلاح المقاومة ، بما يذكرنا بموقف وزير الخارجية السابق " توني بلينكن " الذي عمل باستمرار على تحميل حركة حماس وفصائل المقاومة مسؤولية استمرار الحرب.

الوضع مأساوي غاية في الصعوبة في القطاع ، جراء الحصار التجويعي على مدى 28 يوما حتى الآن، وجراء ارتفاع عدد الشهداء والجرحى ، حيث بلغت حصيلة الشهداء والإصابات منذ 18 آذار (مارس) 2025) -وفق تقرير لوزارة الصحة -وحتى 26 مارس-آذار ( 830)شهيداً و1,787 إصابة / وبلغ عدد الشهداء منذ (7) أكتوبر 2023 ( 50) ألفا و21 شهيدا، وعدد الجرحى 113 ألفا 274 مصابا.

إدارة المفاوضات

التصريحات التي صدرت عن مختلف مسؤولي حكومة العدو ، ابتداءً من نتنياهو مروراً بوزير الحرب كاتس وبقية المسؤولين الصهاينة، تشير إلى أن الهدف منها إضعاف كتائب القسام وفصائل المقاومة الأخرى (سرايا القدس وكتائب أبو علي مصطفى وكتائب المقاومة الوطنية وكتائب شهداء الأقصى وغيرها) وتجريد قطاع غزة من السلاح ، وإجبار المقاومة للإفراج عن الأسرى الصهاينة ، عبر الادعاء بعدم التزامها بخطة ويتكوف ، متجاهلين حقيقة أن الخطة تشكل انقلاباً على اتفاق المراحل الثلاث بتاريخ 19 كانون الثاني 2025 الممهور بتوقيع "ستيف ويتكوف" نفسه وتوقيع المفاوض الإسرائيلي وتوقيع المفاوض الفلسطيني بالإضافة إلى توقيع الوسيطين المصري والقطري ، هذا كله ناهيك أن ويتكوف كشف جوهر خطته بتصريحه أن المفاوضات التي تجري بين اليوم الأول والأخير للخطة التي تمتد 50 يوماً ، تتضمن وقف إطلاق النار على قاعدة تخلي حماس والمقاومة عن سلاحها ، وخروجها من معادلة حكم قطاع غزة.

المفاوض الفلسطيني لم يقل( بنعم ) أو (لا ) للخطة، وطالب بتنفيذ الاتفاق الذي تم مع آدم بوهلر – مسؤول شؤون الأسرى في الإدارة الأمريكية – الذي ينص على أن تقوم حماس بالإفراج عن أسير مزدوج الجنسية وعن خمسة من رفات جثثت إسرائيليين ،مقابل تحرير عدد من الأسرى الفلسطينيين ،وتنفيذ البروتوكول الإنساني، قبل الشروع في المرحلة الثانية الأمر الذي رفضه ويتكوف ، ما دعا المفاوض الفلسطيني لأن يطرح تعديلات على خطة ويتكوف ، وعلى رأسها أن تكون الخطة جزءاً من اتفاق المراحل الثلاث ، وأن يتم تطبيق البروتوكول الإنساني الوارد بكامل بنوده في المرحلة الأولى ، وانسحاب قوات الاحتلال من محور فيلادلفيا ، وانسحاب نقاط المراقبة العسكرية من محيط محور نتساريم وكذلك السماح لأبناء قطاع غزة في الخارج للعودة إلى القطاع .

لقد طرح المفاوض الفلسطيني هذه التعديلات ،إدراكاً منه أن الخطة تمت بالتنسيق الكامل مع نتنياهو ، وأنها تستهدف فقط الإفراج عن كافة الأسرى الإسرائيليين ، وإدراكا منه أيضا بأن قبوله بالخطة دون نص واضح وصريح بوقف إطلاق النار ، وانسحاب قوات الاحتلال من عموم القطاع ، يجعل المقاومة تخسر ورقة الأسرى بوصفها الورقة الرئيسية لديها ، ما يتيح للعدو الصهيوني مواصلة الحرب، وصب نار الجحيم على قطاع غزة ،الذي توعد به ترامب بالأسلحة الأمريكية، لتحقيق الأهداف الصهيو أميركية بإنهاء الوجود السلطوي لحركة حماس وتجريد المقاومة من سلاحها .

سؤال الإستراتيجية والتكتيك

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : هل الحرب العدوانية الصهيونية الجديدة على قطاع غزة بدعم ومشاركة أمريكية ، ذات طابع إستراتيجي يستهدف القضاء على حماس وعموم فصائل المقاومة وتجريدها من السلاح ، كخطوة مركزية لتنفيذ مخطط التهجير الترامبي ، أم هي حرب في السياق التكتيكي لدفع المقاومة إلى تقديم تنازلات في المفاوضات ، بمعنى لا يكون لها أي دور مؤثر على الحكومة ( لجنة الإسناد المجتمعي- حكومة التكنوقراط) التي تحكم القطاع في اليوم التالي لوقف الحرب ، والقبول بتجريدها من السلاح ، بحيث لا يشكل قطاع غزة أي تهديد مستقبلي لأمن ( إسرائيل) ، وبما يمكن حكومة العدو من السيطرة على مساحة واسعة من قطاع غزة .

وفي الإجابة على سؤال الإستراتيجية الإسرائيلية بشأن قطاع غزة، نتوقف أمام الإجراءات الإسرائيلية الرسمية، في إطار خطة حكومة الائتلاف اليمين المتطرف على النحو التالي:

1- إقدام حكومة الائتلاف اليميني المتطرف على تشكيل دائرة لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة في إطار وزارة الأمن الصهيونية.

2- مصادقة هذه الحكومة على تشكيل حكومة انتقالية عسكرية في قطاع غزة .

وفي الإجابة على احتمال أن تكون الحرب العدوانية الجديدة في السياق التكتيكي ، نتوقف أمام المؤشرات التالية :

1- لجوء حكومة الائتلاف اليمينية المصغرة إلى إقالة رئيس جهاز الشاباك " رونين بار" الذي ينظر إليه في الكيان الصهيوني ، كحامي للديمقراطية الإسرائيلية إلى جانب المحكمة العليا .

2- لجوء المحكمة العليا الإسرائيلية ، إلى تجميد قرار الإقالة بناء على التماس مقدم من " يائير لابيد " نيابة عن أحزاب المعارضة الصهيونية.

3- لجوء حكومة الائتلاف اليمينية المتطرفة، إلى إقالة المستشارة القضائية للحكومة جراء رفضها إقالة رئيس الشاباك ، باعتباره غير قانوني.

4- تضامن أطياف اجتماعية واقتصادية ونقابية واسعة مع رئيس جهاز الشاباك وبهذا الصدد نشير إلى حجم التضامن مع رونين

من قبل قوى سياسية ونقابية واقتصادية واجتماعية مختلفة ، وعلى رأسها نقابة العمال الإسرائيلية (الهستدروت ) وشركات الهايتك الإسرائيلي وغيرها من القوى ، التي هددت بالانضمام لحركة الاحتجاج الواسعة ، التي ترفع شعارات متعددة على نحو : وقف الحرب ، وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين ، وعدم اللجوء إلى عمليات إقالة للقيادات الأمنية ، ومحاسبة نتنياهو على قضايا الفساد، وعلى فشله في التصدي لهجوم المقاومة في السابع من أكتوبر 2023

5- تداول وسائل الإعلام الصهيونية فضائح نتنياهو ،التي أثارها رئيس جهاز الشاباك "رونين بار" والتي كانت السبب الرئيسي في قرار إقالته ممثلةً: بشأن بالرشا التي حصل عليها نتنياهو والعاملون في مكتبه من قطر ، التي تقدر ب 15 مليون دولار عام 2012 ، و (50) مليون دولار إضافية عام 2018، وتلاعب نتنياهو بقضية مفاوضات صفقة تبادل الأسرى بغية إفشالها ، وقضايا فساد متعددة، وبشأن مسؤوليته الرئيسية عن ما حصل في السابع من أكتوبر 2023 ألخ..

ج- ازدياد زخم المظاهرات ضد حكومة العدو التي يشارك فيها أهالي الأسرى ومناصريهم والتي يشارك فيها أيضا الآلاف من الرافضين لاستمرار الحرب ، أو المنددين بإقالة نتنياهو لقادة عسكريين وأمنيين ، وبإقالته لرئيس الشاباك وللمستشارة القضائية للحكومة ألخ.

في ضوء ما تقدم يمكن ترجيح السياق التكتيكي للحرب العدوانية على قطاع غزة، الذي يدفع ثمنها أبناء القطاع ، قتلاً وتدميراً للبنية التحتية ومجاعةً ، إذ إن نتنياهو يوظف الحرب للهروب للأمام من أزمته الداخلية المركبة ، وفق تصوره أن الذهاب للحرب يوحد الجبهة الداخلية وراءه ، وذلك في إطار سعيه لإطالة أمد الحرب ،من أجل تأجيل استحقاق الانتخابات المقرر إجرائها عام 2026 ، خاصةً وأن كافة التقديرات تشير إلى أن نتنياهو وتحالفه مع قوى اليمين الديني المتطرفة لن يفوز فيها ، ما يعرضه للمحاكمة على مختلف القضايا ، التي تدخله السجن وتخرجه من الحياة السياسية للأيد.

أما السياق الإستراتيجي الذي جرى ترسيمه من خلال الحكومة اليمينة المتطرفة، الذي يتضمن إدامة الحرب وهزيمة المقاومة وإقامة حكومة عسكرية انتقالية، تتولى تنفيذ خطة ترامب بشأن تهجير أبناء قطاع غزة ، لن يتم تنفيذه ارتباطاً بمجموعة عوامل أبرزها :

1- عدم جهوزية جيش الاحتلال للحرب الممتدة ،من زاوية الإحباط الكبير في صفوف الجيش ، وجراء الخسائر البشرية الهائلة التي لحقت به على مدى (13) شهراً من الحرب، فقد قتل ما يزيد عن عشرة آلاف جندي إسرائيلي ، حسب تقدير العديد من المراقبين العسكريين وإصابة أكثر من 78 ألف جريح في صفوف الجيش وقوات الأمن، 50% منهم يعانون من صدمات نفسية، منذ السابع من أكتوبر 2023- وفق هيئة البث الإسرائيلي - وإصابة 16 ألف جندي دخلوا أقسام إعادة التأهيل منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وفق ما جاء في كلمة المدير العام لوزارة الجيش "أمير برعام" في المؤتمر الدولي الأول لقسم إعادة التأهيل.

كما أنه وحسب المصادر الصحفية الإسرائيلية، يوجد نقص في عدد جيش الاحتلال الذي يحتاج إلى (10) آلاف مقاتل ، وحسب مراسل الشؤون العسكرية في "القناة 12" الإسرائيلية "نيور دفوري" فإن 177 فقط التحقوا بالـ "الجيش" من الحريديم ، بعد إرسال 10 آلاف أمر تجنيد لهم.

2- تردد ورفض نسبة عالية من قوات الاحتياط للمشاركة في الحرب الجديدة ،رغم الإغراءات المادية التي تقدمها حكومة العدو لهم إّذ إنه وفق صحيفة " يديعوت أحرونوت" في العشرين من آذار الماضي ،حصل انخفاض في نسبة استجابة الجنود المستدعين للاحتياط بسبب الإرهاق ، وبسبب الأعباء المتزايدة، وسط تحذيرات من استمرار هذا التراجع، خاصةً وأن جنود وضباط الاحتياط تركوا وظائفهم في الشركات ،التي كانوا يعملون بها على مدى 13 شهراً ، مما عمق من أزمتهم الاقتصادية .

3- إن حكومة العدو التي استخدمت كل أنواع الأسلحة والذخائر المقدمة من الولايات المتحدة ومن الدول الغربية ، التي قدرت بحوالي 80 ألف طن من الذخائر والقنابل ذات القدرة التدميرية الهائلة، لم تتمكن من تحقيق أي هدف من أهداف الحرب .

4- إن المقاومة الفلسطينية استثمرت فترة وقف إطلاق النار لإعادة بناء نفسها تنظيمياً وعسكرياً ، ووضعت تكتيكات جديدة للقتال ، واستوعبت عدة آلاف من المقاتلين الجدد الذين جرى تدريبهم وتأهيلهم للقتال الاحترافي في إطار حرب العصابات .

5- إن استطلاعات الرأي في معظمها ، أكدت أن 70 في المئة مما يسمى بالمجتمع الإسرائيلي لا يؤيدون شن الحرب الشاملة ، باستثناء استطلاعات القناة ( 14) الإسرائيلية المتواطئة مع حكومة نتنياهو ، التي تقدم استطلاعات مزيفة ، بما يخدم توجهات اليمين المتطرف.

خلاصة : يمكن القول من واقع الحيثيات السابقة ، أن السياق الاستراتيجي غير ممكن التطبيق وأن الحرب الجديدة تتم في سياق تكتيكي قد تطول مدته ، وبهذا الصدد وصف العميد في الاحتياط، "غيورا عنبر " في تصريحات للقناة "الـ12" الإسرائيلية، استئناف القتال في غزة بـ"الخيانة للإسرائيليين وللمقاتلين"، قائلاً إنّه سيضر بثلاثة جوانب: (أولاً ) سيروّج عدم قدرة (إسرائيل )على إعادة الأسرى و(ثانياً) لن يساعد على القضاء على حماس و( ثالثاً) سيضر بصدقية القيادة الإسرائيلية أمام جمهورها.

كما عبّر عدد من المسؤولين العسكريين الإسرائيليين عن قلقهم من استئناف القتال ضد قطاع غزّة، مشيرين إلى أنّ "الضغط العسكري الحالي لن يؤدي إلى النتائج الإسرائيلية المرجوّة متمثلةً بإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين من غزة ، خاصةً وأن (13) عشراً من الحرب على غزة ، لم تحقق أي هدف من أهدافها.