Menu

ترامب ضرورة رأسمالية أمريكية

حاتم استانبولي

الهدف الإخبارية

الجميع يتسائل كيف للرئيس ترامب ان يقوم بهذا الانقلاب داخل منظومة رأس المال العالمي ؟ وما هي الأهداف العميقة لقرارات الرئيس ترامب؟ وما تأثيرها على الاقتصاد الأمريكي والعالمي ؟ وما هي آثارها الآنية والبعيدة ؟

كل هذه الأسئلة لا يمكن الاجابة عليها بدون معرفة عميقة لضرورات اعادة انتخاب ترامب من اجل ان يكمل المهمة التي أعلن عنها  قبيل ترشحه.

للإجابة على هذه الأسئلة هناك ضرورة للإشارة أن الديون الأمريكية مع بداية هذا العام يناير ٢٠٢٥ بلغت 35.8 تريليون دولار بزيادة 3% عن يناير العام الماضي ٢٠٢٤ حسب وزارة المالية الفدرالية  ولتغطية هذه الديون تصدر المالية الامريكية سندات دولة لتبيعها للمستثمرين الدوليين واوائل المستثمرين هم اليابان التي تحمل سندات بقيمة تريليون دولار  والصين التي تحمل سندات بقيمة ٧٥٩ مليار دولار.

 ارتفع الدين العام منذ ٢٠١٩ بنسبة ٣١% حيث كان يبلغ 28,8 تريليون  وفي يناير ٢٠٢٥ بلغ ٣٥,٨ تريليون دولار .

 التصاعد السنوي في المديونية بوتائر مرتفعة  يعني أن الاقتصاد الأمريكي يعاني خلل كبير من الممكن أن يؤدي إلى انهيار شامل في حده الاقصى او الى مخاطر التبعية للدول المتحكمة في السندات الأمريكية خاصة أن العجز في الميزان التجاري لا يمكن اصلاحه الا من خلال عمليات جراحية تعيد إلى الاقتصاد الأمريكية طابعه الإنتاجي وتفرض سياسة تعيد الاستثمارات الرأسمالية إلى الداخل الأمريكي. 

هذه الحالة فرضت ضرورة اعادة انتخاب ترامب كرئيس ليكمل المهمة التي بدأ بها في دورته الاولى ولهذا السبب نستطيع ان نفهم سبب رفض ترامب سياسة الاغلاق الحكومي للاقتصاد عند بدء جائحة كورونا وتوجيه سهامِهِ  للصين كمسبب لهذا الفيروس.

هذه المقدمة والأرقام توضح  الخطوات الترامبِية وأوامره التنفيذية التي كانت معدة مسبقا لإجراء صدمة  مدوية (او اعلان حرب كونية اقتصادية وسياسية وعسكرية اذا تطلب الامر) في مَراكز رأس المال العالمي والدفع من أجل تغيير قواعد النظام الرأسمالي العالمي وإعادة لِتموضع الاندفاع في السياسات الرأسمالية التي توظف الدولة لخدمة الشركات الرأسمالية في منظومتها الغربية من جهة ومن جهة أخرى يريد تقليص قيمة الدين العام الخارجي مع الدول التي تملك السندات الحكومية التي تتطلب من الحكومة الفدرالية دفع فوائدها عند استحقاقها.

إذا ما استمر هذا الحال في النزف المتدرج فإن الولايات المتحدة ستكون امام احتمالين اما انهيار اقتصادي متدحرج أو القبول في انتقال مركز القرار الاقتصادي الى الشرق الاقصى وهذا يعني فقدان الولايات المتحدة لدورها المهيمن  السياسي والاقتصادي.

الولايات المتحدة أمام التحديات القائمة لا يوجد لديها خيار سوى اتباع سياسة هجومية شاملة داخلية وخارجية .

داخلية : من خلال القرارات في إعادة ضبط التمويلات الحكومية للبرامج الفدرالية والمشاريع الاجتماعية ومحاربة جدية للفساد الحكومي.

وخارجية:  

1: إدارة النزاعات العسكرية القائمة في أوروبا والشرق الأوسط بما يحقق المصلحة الامريكية عبر استخدام خيار الحوار مع روسيا والضغط العسكري في حده الأقصى في الشرق الأوسط خاصة في غزة و اليمن مع الأخذ بعين الاعتبار أن المشاركة في العمل العسكري ليس خيارأً مفتوحاً زمنياً خاصة اذا لم يحقق اهدافه المعلنة بل من أجل الضغط لفرض مساومة تكفل إعادة توزيع في ميزان القوى الداخلي في دول المنطقة بما يكفل المصالح الأمريكية وهيمنتها وفي هذا السياق فإن استمرار الحرب على غزة ليس شيكا ترامبياً مفتوحا لنتنياهو وإنما يهدف من أجل استخدامه كعصا غليظة للضغط المركب على خصوم واشنطن وحلفائها.

ومن الواضح أن استدعائه العاجل لنتنياهو للبيت الأبيض لإعطائه مهلة لانهاء حربه على غزة لأنها تستنزف كلا من واشنطن وتل أبيب عسكريا وسياسيا والاهم اخلاقيا وعليه تخفيفها لحدها الادنى قبل زيارته المعدة للشرق الأوسط بدأ من السعودية التي وعدت باستثمارات من الممكن أن تصل إلى تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي.

من الواضح ان ترامب حدد نهجين للتعامل مع دول الشرق الاوسط.

 الأول سياسة الضغط للدفع من اجل استمرار الحماية هذا ما أشار به علنا لكل من السعودية وحديثه المعلن مع ولي عهد البحرين أن دولة صغيرة تمتلك رصيد ٧٠٠ مليار هو كثير عليها وموافقة ولي العهد على ذلك هو إعلان لِقبول الدفع مقابل الحماية

والثاني وقف الدفع إذا لم تنفذ قراراته السياسية  وهنا في اشارة لتهديده المعلن لكل من مصر والأردن ولبنان ناهيك عن عدم اعترافه بالسلطة الفلسطينية.

2:من خلال القرارات الاقتصادية الضريبية للمساهمة في رفع الدخل من العائدات  لتسديد فوائد الدين العام للدول المستثمرة في السندات الحكومية الامريكية وفي مقدمتها اليابان والصين وكندا وكوريا الجنوبية ودول الاتحاد الأوروبي.

أما حول تأثيراتها على المستويات الآنية والبعيدة : 

في الجانب الاقتصادي : 

القرارات الترامبِية وجدت أصداء مختلفة في الأسواق العالمية على مستوى البورصات التي تراجعت بشكل حاد على مستوى الدول التي شهدت حالة من الاضطراب ومحاولة للبحث عن وسال من أجل التعاطي مع المستجدات.

الصين : المستهدف الأبرز من هذه القرارات تتعامل بندية معلنة وأعلنت عن رد مباشر سريع عليها اخذت منحنيين رفع الرسوم على بعض البضائع الأمريكية ومن جهة اخرى خفض مدروس لقيمة العملة اليوان. والاستعداد للرد على  كافة الإجراءات المستقبلية للبيت الأبيض دون تردد مما سيفرض على إدارة ترامب فتح حوار مباشر مع بكين.    

اوروبا : بالرغم من أنها لا تملك رؤية موحدة اجتمعت أعلنت أنها تعارض الخطوات الامريكية في اوكرانيا واتبعت سياسة وضع العصي في الدواليب الامريكية بهدف تقاسم حصة عائدات الثروات الباطنية الاوكرانية وبذات الوقت طلبت من واشنطن فتح حوار حول الرسوم الضريبية ورفعت في وجه كرت التعاون مع الصين. ولكنها تدرك ان معركتها مع واشنطن خاسرة مسبقا ولا تملك سوى خيار تقليل الآثار السلبية على اقتصادياتها وهذا على المستوى البعيد سوف يزعزع وحدة أوروبا في ظل الضغط المشترك الروسي الأمريكي من خلال أوكرانيا.

 فتح الحوار مع روسيا : 

هدفه الأول: خلق شرخ في علاقاتها مع الصين وثانيا وقف الحرب  مصلحة لواشنطن التي تستنزف في حربها مخازنها وخزنتها المالية خاصة انها ادركت ان روسيا أعادت تأهيل نفسها لحرب طويلة في أوكرانيا تستنزف فيها كل من أوروبا وواشنطن وسوف تستثمر في موقف ترامب للعمل على تفتيت أوروبا . 

أما الهدف الثاني: هو   تحييد الموقف الروسي في الشرق الأوسط خاصة تجاه المتغيرات التي تسعى لها واشنطن وأدواتها تل أبيب في سياستها مع إيران.

أما الدول العربية فلا تملك اية دروع مقاومة الهجمة السياسية الأمريكية والعسكرية عبر أداتها الضاربة إسرائيل التي تريد استثمار الظروف من اجل تحقيق اهداف لاهوتية لإقامة شرق أوسط جديد تتربع على عرشه هذه الرؤية التي تعبر عن التحالف (اللاهوتي) لِلأوليغارشية الرأسمالية الصهيونية.

هذه الدول إذا لم تتصالح مع شعوبها وتأخذ قرارات استراتيجية لوحدتها الاقتصادية والسياسية فإن مخطط التفتيت الذي يمارس في سوريا و فلسطين سينتقل وسيصل لكل الدول من المحيط الى الخليج.

لذلك فان ترامب ضرورة امريكية لاعادة تموضع النظام الراسمالي ومؤسساته بما يخدم المصلحة الامريكية لوقف الانهيار و أفول الهيمنة أو القبول في نظام دولي جديد محدود بين الأقوياء فقط.