يشهد العالم صمتاً غير أخلاقي بينما تفرض إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، حصاراً غذائياً كاملاً على غزة—وهو عمل من أعمال العقاب الجماعي ضد سكان مدنيين أسرى. ومع اشتداد المجاعة وتساقط القنابل الأميركية الصنع من السماء، يقف قادة العالم موقف المتفرج—عاجزين، غير مبالين، أو متواطئين عن قصد—فيما تحوّل إسرائيل غزة إلى أرض غير صالحة للحياة.
في وقت سابق من هذا الأسبوع، استهدفت إسرائيل المرفق الطبي الوحيد الذي كان لا يزال يعمل ويخدم أكثر من مليون إنسان في شمال غزة. مستشفى الأهلي المعمداني أُعطي مهلة لا تتجاوز 20 دقيقة—بعد منتصف الليل—لإجلاء مئات المرضى والجرحى. هذا الهجوم الثاني على المنشأة الطبية جاء نتيجة تبرئة الرئيس الأميركي آنذاك، جو بايدن، لإسرائيل من المجزرة السابقة التي استهدفت نفس المستشفى في أكتوبر 2023—والتي راح ضحيتها أكثر من 500 مدني لجأوا إلى محيطه طلباً للأمان.
لكن هذا الهجوم لم يكن معزولاً. فقد استُهدفت المستشفيات، والمرافق الطبية، وسيارات الإسعاف، والمسعفون بشكل منهجي ومستمر في غزة، كما لم يحدث في أي حرب حديثة. اختُطف الأطباء أو قُتلوا أثناء إجرائهم للعمليات الجراحية. وقُصفت سيارات الإسعاف أثناء عمليات الإنقاذ. ودُمرت مجمعات طبية بأكملها على رؤوس المرضى والمواليد الجدد والجرحى. هذا ليس “أضراراً جانبية”، بل حملة إبادة تستهدف المؤسسات التي من المفترض أن تنقذ الأرواح. في غزة، أصبحت محاولة إنقاذ الأرواح حكماً بالإعدام.
لقد فشلت الأمم المتحدة، بسبب الفيتو الأميركي، في تمرير قرار يطالب بوقف الإبادة الجماعية. في هذه الأثناء، تستمر الولايات المتحدة—التي تدّعي أنها منارة لحقوق الإنسان—في التواطؤ الفعلي مع هذه الفظائع. فهي تزوّد إسرائيل بقنابل ضخمة، من بينها ذخائر تزن 2000 رطل، ما يتيح استخدامها في مناطق مكتظة بالسكان. هذا ليس فشلاً أخلاقياً فحسب، بل انتهاك صارخ للقوانين الأميركية والدولية التي تنظم المساعدات العسكرية.
يرجع كثير من هذا الإفلات من العقاب إلى إرث دونالد ترامب، الذي عزز من عدوانية إسرائيل من خلال سلسلة من القرارات الأحادية الطائشة: الاعتراف ب القدس عاصمة لإسرائيل، خفض المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، وتأييد المستوطنات غير القانونية المخصصة لليهود فقط على أراضٍ فلسطينية مسروقة. لقد منح ترامب إسرائيل شيكاً على بياض لتفعل ما تشاء دون الخوف من المساءلة. ودعمه الأعمى بعث برسالة مفادها: لا عقوبة على أي انتهاك—بل مزيد من الأسلحة، وحماية دبلوماسية أوسع، وتعميق في الإفلات من العقاب.
واليوم، تواصل إسرائيل حملتها التدميرية مستندة إلى ما تسميه بـ”رؤية” ترامب لغزة—وهي مخطط شيطاني للتطهير العرقي. لقد تحوّلت هذه الرؤية إلى رخصة طريق إسرائيلي للتهجير والاستيلاء والموت.
وقد غذّت هذه الرؤية شهية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التي لا تشبع للسيطرة على الأرض الفلسطينية—مطيلةً معاناة الأسرى الإسرائيليين، والسجناء الفلسطينيين، وسكان غزة. رفضه للتوصل إلى هدنة حقيقية أو صفقة تبادل أسرى ليس سوى مناورة سياسية محسوبة. فالحرب المستمرة تخدم تحالفه العنصري اليميني المتطرف، وتشتت الانتباه عن مشاكله القانونية، وتعزز قبضته على السلطة، بينما يواصل تنفيذ أجندته التوسعية. وفي هذا السياق، أصبحت غزة أشبه بمخيم إبادة جماعية للموت جوعاً—حيث يُعاقب المدنيون جماعياً، ويُحرمون من الغذاء والماء والدواء وحتى الأمل.
وفي الوقت ذاته، صعّدت قوات الاحتلال والمستوطنون هجماتهم في الضفة الغربية المحتلة. تُقتلع المجتمعات وتُرهب دون رادع. ومع ذلك، فإن السلطة الفلسطينية—المفترض أنها حامية الشعب الفلسطيني—أظهرت عجزاً مشلولاً. فهي لا تواجه العدوان الإسرائيلي، ولا تحمي شعبها، بل تؤدي دور المقاول الثانوي للاحتلال، تراقب وتضبط أبناء شعبها بينما تعيث القوات الإسرائيلية والمستوطنون المسلحون فساداً. لقد أدى فشلها إلى تقويض شرعيتها، وجعلها شريكة في القمع الذي تزعم أنها تقاومه.
ومع ذلك، يواصل المجتمع الدولي صرف النظر.
لكن لعل أكثر أشكال الصمت خزياً لا تأتي من واشنطن أو بروكسل—بل من العواصم العربية. فهذا ليس مجرد لا مبالاة. بل هو خيانة—خيانة متجذرة في الجبن، والاستبداد، وحب البقاء على حساب العدالة.
لقد أصبحت أنظمة مصر، الأردن، السعودية، الإمارات، وغيرها، شركاء في الإبادة ومتواطئين في الحصار على غزة. صمتهم، إغلاق حدودهم، تعاونهم وتطبيعهم مع إسرائيل—كلها دلائل على مستوى من التواطؤ لن ينساه أو يغفره التاريخ. بينما يتضور أطفال غزة جوعاً وتُدفن عائلات بأكملها تحت الأنقاض، يتخم القادة العرب في قصورهم، ويصدرون بيانات خجولة خالية لا معنى لها.
ويا للمفارقة المؤلمة: بينما تعج الشوارع في مدن مثل لندن وباريس ونيويورك بالمتظاهرين، يسود الصمت القاتل في القاهرة والرياض وعمّان وأبوظبي. إن وضوح الرؤية الأخلاقية لدى المواطنين الغربيين الذين يخرجون إلى الشوارع تضامناً مع الفلسطينيين يسلّط الضوء على خيانة أولئك الذين يدّعون القربى الدينية واللغوية والثقافية. لكن الفشل لا يقتصر على القادة. فلامبالاة الجمهور واستسلام العديد من المجتمعات العربية والإسلامية مكّنت هذا الصمت—وهو ما أتاح لإسرائيل الاستمرار في جرائمها. فشعبٌ اعتاد على الإذلال لا يستطيع أن يطالب بالعدالة.
إن شرّ الاحتلال والعدوان العسكري لا يُحفظ فقط بالقنابل والحصارات، بل أيضاً من خلال تآكل المعايير الأخلاقية تدريجياً. الفظائع التي كانت تصدم، باتت تمرّ مرور العابر. أصبح العالم مخدراً. لم يعد قتل الأطفال، وتدمير البيوت، وحرمان الناس من الأساسيات، يثير الغضب. والسؤال لم يعد: كيف يمكن تحمل مثل هذه الأفعال؟ بل تتحول الإبادة الجماعية إلى مجرد أرقام—نعد فيها عدد القتلى اليوم مقارنة بالأمس؟
هذا التطبيع يحوّل الناس العاديين إلى شركاء في الجريمة—من الموظفين الذين يسهّلون شحنات الأسلحة، إلى الصحفيين الذين يروّجون لروايات منحازة، إلى المواطنين الذين يفضلون الصمت على الاعتراض. جميعهم جزء من منظومة تديم الظلم.
تتجلى الإبادة الجماعية أمام أعيننا، والصمت ليس فقط مدوياً—بل مُدان. لقد حان الوقت لشعوب العواصم العربية والإسلامية أن تلتحق على الأقل بالاحتجاجات في مدن الغرب، وتكسر هذا الصمت. أن تتحدث بوضوح أخلاقي. أن ترتقي إلى مستوى اللحظة. وأن ترفض تطبيع الشيطان الصهيوني في غزة.

