أول الأفكار التي راودتني بعد زيارتي الإجبارية لمتحف أوشفيتز في الصف الثامن كانت: لا أتمنى حتى لهتلر أن يموت تحت التعذيب.
كنت أشعر بالاشمئزاز من مجرد تخيل أي نوع من أنواع القسوة. وكنت خائفة من أن تخترق أنسجتي تلك النوايا المرعبة التي سكنت في قلوب المجرمين.
كنت أؤمن وما زلت بأن العدالة يمكن تحقيقها بطريقة مختلفة. ولا يمكن للمرء أن يكون منافقًا.
الأمر الثاني الذي لم يتركني لسنوات طويلة، تعزز لاحقًا في المرحلة الثانوية، بفضل دروس معلمتنا الرائعة للغة البولندية:
كيف كنت سأتصرف لو كنت أعيش خلال الحرب العالمية الثانية؟
هل كنت سأجتاز هذا الامتحان؟ هل كنت، رغم الخوف الساحق، سأقف إلى جانب إنسان آخر وأدافع عنه؟
كنت بحاجة لأن أثبت لنفسي ذلك، ربما كان ذلك طريقتي في التعامل مع صدمة زيارتي لموقع الإبادة.
كنت أعاني من كوابيس. كوابيس عن قدرة الإنسان على ارتكاب فظائع بلا حدود. وعن تجاوز حدود كنا نعتقد أنها لا يمكن تجاوزها في زمني، في حياتي.
يوم الخميس، وقفت للمرة الثانية، مع مجموعة من الأشخاص الرائعين، في مواجهة "مسيرة الأحياء" في أوشفييم.
وللمرة الثانية، واجهنا نفس الشيء: السخرية، العدوانية، الاستهزاء، الألفاظ البذيئة.
مُصورة تلك المسيرة، بابتسامة ساخرة، كانت توثقنا بعدستها، وتحرّض المشاركين على الهتافات ضدنا.
تكريم ضحايا المحرقة كان عملية داخلية أخرى عشتها. شعرت بواجب في أن أتصرف بوقار.
ربما يرتبط ذلك بالصمت، بالتواضع، بمراقبة النفس باستمرار: كيف أتعامل مع الآخر؟ هل أُجله كما يجب؟
سمعنا التهديدات من هذا الحشد.
سمعنا: أنتم القادمون.
سمعنا صرخة فرح: فلسطين تموت.
كنت أعلم أنني لن أُغير شيئًا في هؤلاء الناس.
العام الماضي، حضّرنا لوحة فنية جميلة: نرجسة ملفوفة بالكوفية، ومربوطة بشريط أحمر و أبيض.
أما هذا العام، فأردت فقط أن أرفع علم فلسطين هناك.
في عينيّ المغلقتين، مرت أمامي صور مجازر قتل هند رجّاب، والمسعفين من الهلال الأحمر الفلسطيني، وآلاف الأطفال.
فكرت في الدكتور حسام أبو صافية، الذي يُعذّب في سجون الاحتلال، كما فكرت في بقية الأسرى الذين لا تزال قصصهم حبيسة الزنازين.
خطابات رئيسي إسرائيل وبولندا كانت اليوم بمثابة ختم آخر للصمت تجاه الإبادة الجماعية في غزة.
لم يكن فيها شيء سوى ذلك.
في الخلفية، هناك إبادة تحدث الآن.
لو كان لدى جنود الـ SS هواتف ذكية، هل كانوا ليسجلوا صرخات غرف الغاز؟
هل كان عقلهم المريض سيبرر لهم الوحشية، بحجة أن الزي العسكري يفرض عليهم "الجدية" أثناء ارتكاب الجرائم؟
اليوم، لدينا مئات المقاطع لجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي، يتباهون بملابس ضحاياهم الداخلية.
لقد أحبّوا اللون الأحمر.
القتل السادي يتم اليوم عن بعد.
هل تعلمون أن الأطفال يُقتلون برصاصة في الرأس من طائرات الدرون الصغيرة؟
لقد تحررت من الصدمة، لكن المشاركين في "مسيرة الأحياء" يعيدون إنتاج صدمتهم بطريقة مرعبة.
تعرفت على كثير من الحقائق قبل عامين فقط، ويمكنك أنت أيضًا أن تفهم، إن شاهدت فيلم Israelism.
الصدمة التي تُستخدم لتبرير تطهير عرقي بحق شعب آخر. لا يوجد في "مسيرة الأحياء" حرّاس/حارسات للإنسانية.
وهناك قول مأثور:
يمكنك أن تختار أن تدير رأسك بعيدًا، لكنك لن تستطيع القول إنك لم تكن تعرف.
فلسطين حرة.

