Menu

ديالكتيك الاستبداد والاستعباد عند عبد الرّحمن الكواكبي

د. سامي الشيخ محمد

نشرت في مجلة الهدف العدد (70) (1544)

ثمة علاقة جدلية ديالكتيكية بين الاستبداد والاستعباد السياسي الاجتماعي في النظم الاستبدادية عبر التاريخ. ويعدّ كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ) المؤلَّف الرّئيس في فكر المصلح التنويريّ عبد الرّحمن الكواكبي ( 846 1-1902 )، وهو كتابٌ في الفكر السّياسيّ والاجتماعيّ ، انطلق من فكرة أنَّ الاستبداد السّياسيّ هو سبب حالة الجهل والتخلّف والانحطاط السّياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والأخلاقي الّتي يعيشها الشّرق العربيّ الإسلاميّ .

فإذا ما أرادت الرّعيّةُ النهوض من حالة التّخلّف والجهل والانحطاط، ووضع قدمها على الطّريق الصّحيح والسّير في طريق التقدّم والازدهار ومباراة الأمم المتقدّمة في العالم، فإنّه يتعيّن عليها التخلّص من الاستبداد السّياسيّ بكافّة أشكاله ، وإشاعة العلم والحريّة والدّيمقراطيّة، والقضاء على الجهل والتّخلّف ، والسّبيل لبلوغ ذلك تنوير العقول ونشر المعرفة بين الشّعوب المحكومة بالاستبداد، فالعلم هو الواسطة الّتي تُخرج الإنسان من العتمة إلى النّور، وتنقله من العبوديّة إلى الحريّة، فالنّاس مستَعبدون لأنّهم يجهلون حقيقة أنفسهم وعناصر القوّة الّتي بحوزتِهِم، فإذا ما تعرّفوا على ذواتهم حقّ التّعرّف وعلى الإمكانات الّتي يملكونها، سيدركون أنّهم خُلِقوا أحراراً لا عبيداً، وبأنَّ لهم الحقَّ في العيش بكرامةٍ مواطنينَ في أوطانِهِم ، واختيار الحاكم والحكومة بإرادتهم للوقوف على خدمتِهِم والسّهرِ على مصالِحِهِم ، واستبدالِهما بحاكمٍ وحكومةٍ آخرين متى وجدوا في ذلكَ مصلحةً لهم .

ولأنَ الاستبداد هو الأساس الّذي تقوم عليه مملكة الاستعباد، والحجاب الّذي يحول دون رؤية الرّعيّة نفسها في مرآة الحريّة، والسّياج الّذي يعزلها عن رؤية الشّعوب المتحضّرة والمتمدّنة من حولها والعالم ، فإنَّ الكواكبيّ أعمل فكره في الكشفّ عن هويّة الاستبداد والآثار النّاجمة عنه بوصفهِ شرّاً ماحقاً يضر بالإنسان والمجتمع على حدٍّ سواء، فيحول دون نهوضهما وتقدّمهما ولحاقِهِما بالأمم المتقدّمة. فسرّ نهوض العرب والمسلمين والشّرق يتمثّل في ضرورة محاربة الجهل والاستبداد والانتصار عليهما بواسطة العلم والتنوير.

ما هو الاستبداد ؟:

الاستبداد عند الكواكبيّ، هو الاستبداد السّياسيّ للحكومة الأوتوقراطيّة (التسلّطيّة) المطلقة، وهو الطّرز الّذي اتّسمت به الدّولة العثمانيّة وأجهزتها الحكوميّة المختلفة في الفترة الّتي عاشها الكواكبيّ، فالحاكم المستبدّ في هذهِ الدّولة ينظر إلى نفسهِ على أنّهُ ظلّ الله في الأرض له الحقّ في التّصرّف برعيّته كيفما يشاء ومتى يشاء، فلم يكتفِ ببسط سلطانهِ على الأرض بل على الرّعيّة كذلك، هذهِ الرّعيّة الّتي لم تبلغ مرتبة الشّعب والمواطنة بفعل استلاب إرادتها، وضعفها، وسيادة الجهل والتّخلّف والانحطاط ، وفرض سياسة الجور والعبوديّة والظّلم الّتي فرضتها الحكومات المستبدّة عليها، فعوضاً عن وجود حكومة شوريّة دستوريّة تأخذ بيد الرّعيّة المنهكة تحت نير الاحتلال العثمانيّ للوطن العربيّ نحو الحريّة والتّقدّم والازدهار، ابتليت بحكومةٍ مستبدّةٍ متخلّفةٍ فاسدة يرأسها حاكمٌ طاغيةٌ مستبدّ.

" الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً الّتي تتصرّف في شؤون الرّعيّة كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محقّقين . .. وأشدّ مراتب الاستبداد الّتي يتعوّذ بها من الشّيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطةٍ دينيّة .. المستبدّ يتحكّم في شؤون النّاس بإرادته لا بإرادتِهِم ويحكم بهواه لا بشريعتِهِم، ويعلم من نفسهِ أنّهُ الغاصب المعتدي فيضع كعب رجلهِ على أفواه الملايين من النّاس يسدّها عن النّطق بالحقّ والتّداعي لمطالبته . المستبدّ عدوّ الحقّ، عدوّ الحريّة وقاتلهما .. المستبدّ يتجاوز الحدّ ما لم ير حاجزاً من حديد، فلو رأى الظّالم على جنب المظلوم سيفاً لما يقدم على الظّلم .. المستبدّ إنسانٌ مستعدٌّ بالطّبع للشّرّ وبالإلجاء للخير، فعلى الرّعيّة أن تعرف ما هو الخير وما هو الشّرّ فتلجئ حاكمها للخير رغم طبعه .. المستبدّ يودّ أن تكون رعيّتهُ كالغنم درّاً وطاعةً، وكالكلاب تذبّلاً وتملّقاً .. على الرّعيّة أن تعرف مقامها هل خُلِقت خادمةً لحاكمها، تطيعهُ إن عدل أو جار، وخلق هو ليحكمها كيف شاء بعدلٍ أو اعتساف، أم هي جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها ؟‍‍! والرّعيّة العاقلة تقيّد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها لتأمن بطشهِ فإن شمخَ هزت بهِ الزّمام وإن صال ربطتهُ . " ( الكواكبي، عبد الرّحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، دار المدى للثّقافة والنّشر، دمشق، 2002، ص 23، 24، 26، 27) .

على أنَّ استبداد الحاكم بالرّعيّة ما كان له أن يكون لولا توفّر جملةٍ من الشّروط أبرزُها : استبداد الجهل بالعلم ، واستبداد المرء بنفسه واضطّهادهِ لها، وتسليمِ نياط قيادِها طوعاً لحاكمه المستبدّ بالرّعيّة، فيسهم بذلك إسهاماً فعليّاً في التّأسيس لاستبداد الواقع عليه ، وفي هذهِ الحالة يتحمّل المرء جزءاً مهمّاً من المسؤوليّة في التّأسيس للاستبداد الّذي هو ضحيّة له :" من أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم، واستبداد النّفس على العقل، ويُسمّى استبداد المرء على نفسه .. الاستبداد يد الله القويّة الخفيّة يصفع بها رقاب الآبقين من جنّة عبوديّتهِ إلى جهنّم عبوديّة المستبدّين الّذين يُشاركون الله في عظمتهِ ويُعاندون جهاراً :( الظّالم سيف الله ينتقم به ثمّ ينتقم منه )، ( من أعان ظالماً على ظلمهِ سلّطهُ الله عليه )، الاستبدادُ هو نار غضب الله في الدّنيا، والجحيم نار غضبهِ في الآخرة .. الاستبداد أعظم بلاء، يتعجّل الله به الانتقام من عبادهِ الخاملين ولا يرفعهُ عنهم حتّى يتوبوا توبة الأنفة .. فالمستبدّون يتولاّهم مستبدّ والأحرار يتولاّهم الأحرار، وهذا صريح معنى ( كما تكونوا يولّى عليكم ) " .( المصدر نفسه ، ص 27، 28 ) .

الحاجة للحريّة تأتي في مقدّمة الاحتياجات الإنسانيّة، إلى جانب الاحتياجات العضويّة الّتي تتوقّف على تلبيتها حياة الإنسان، إنّها تستحقُّ التّضحية بالنّفس والجسد في سبيل الظّفر بها، فحياة الإنسان في جوهرها حريّة لا قيمة لها من دون توفّر هذا العنصر لها. من هنا يوليها الكواكبيّ أهميّة أكثر من أهميّة الأرض الّتي ينتمي الإنسان إليها، بمعنى أنّه لا قيمة للوطن المستبدّ بأهلهِ تستحقّ أن يجازف الإنسانُ بحريّتهِ في سبيلها، و الكواكبيّ بهذا يجعل من التّحقّق الفعليّ للحريّة حدّاً ماهويّاً للمواطنة، فمتى انتفى هذا الحدّ أصبحت المواطنة خاليةً من أيّ معنى يحمل المرء على العيش في وطنه، وقيداً ثقيلاً ينوء بحملهِ فيجهد نفسه لكسره والانعتاق منه، فالوطن حريّة، والحريّة وطن، ولا قيمة له من دونِها. ربّ قائلٍ يقول : هل بلغ الأمر بالكواكبيّ من السّوء حدّ تقديم الحريّة على الوطن ؟! فلو كانت قيمة الحريّة والحاجة إليها تتجاوز قيمة الوطن والحاجة إليه، فلماذا يضحّي الإنسان بحريّتهِ وبكلّ ما يملك في سبيل وطنهِ ؟! بالطّبع لا يقصد الكواكبيّ في تقديم الحريّة على الوطن، الوطن عندما يكونُ محتلاَّ من قِبل محتلٍّ أجنبيّ لا تربطهُ بالرّعيّة أيّ رابطةٍ قوميّة أو دينيّة، بل الوطن عندما يكون محتلاًّ من جانب مستبدٍّ ثَمّة رابط بينهُ وبين الرّعيّة فيستعبد البلاد والعباد ولا يُرتجى منهُ سوى نشر العبوديّة وتعميقِها بين النّاس الخاضعين لسلطته، ولكن ألا تستحقُّ محبّةُ الأوطان الخاضعةِ لسلطان الاستبداد من الإنسان احتمال العبوديّة القاهرة في سبيلِها وسبيل تحريرها من سيطرة الحاكم المُستبدِّ المُستَعبِد لها ؟؟؟!!! . إنَّ حماس الكواكبيّ للحريّة جعلهُ يضعها في مقدّمة القيم الإنسانيّة والوطنية نظراً لحاجة النّاس الماسّة إليها في ظلّ حالةٍ من الاستبداد والعبوديّة شبه المطلقة، واقتناعه بعدم إمكانيّة تحقّقها في لحظته التّاريخيّة الرّاهنة . فإعلاءً لقيمة الحريّة وتمرّداً على واقع الحال ونفاذاً لصبره كتب : " ما أليق بالأسير في أرضٍ أن يتحوّل عنها إلى حيث يمتلك حرّيّته ، فإنَّ الكلب الطّليق خيرُ حياةٍ من الأسد المربوط ." ( المصدر نفسه، ص28) . والمقصود من هذا القول أنَّ لا حياة مع العبوديّة والاستبداد، فهي دعوةٌ موجّهةٌ للحاكم المستبدّ كي يدرك حجم الكراهية والرّفض لسياسة الاستبداد والاستعباد، وللرّعيّة المُستعبدة كي تدركَ بؤس واقعها، وتستفيق من غفوتها وتصحو من جهلِها، وتحرص على نيل حُرّيَّتِها، ففهم هذه الدّعوة لهجرة أوطان العبوديّة إلى أوطان الحريّة ، ليس المُرادُ منه استبدال الحريّة بالوطن، أو أوطان الحريّة بالأوطان الأصليّة الرّازحة تحت نير العبوديّة والاستعباد، بل المقصود منه هجرة العبوديّة والاستبداد حيث الحريّة والكرامة الإنسانيّة، دون التّخلّي عن محبّة الوطن ، بل العمل على اغتنام فرصة الحريّة المتوفّرة خارج مناطق الاستبداد والعبوديّة، لإعلاء الصّوت وإسماع الكلمة للحاكم الطّاغية المستبد ،وتنوير عقول النّاس للوقوف في وجهه والعمل على إخضاعه لسلطتهم و إقصائه عن سدّة الحكم وإشادة وطن الحريّة الّذي ينشده الكواكبيّ بوصفه وطن الإقامة الدّائمة للإنسان ، ومصداقُ ذلك أنَّ ما لم يستطع الكواكبيّ نشره من مقالات سياسيّة تحت عناوين: الاستبداد ، ما هو الاستبداد وما تأثيره على الدّين ، على العلم ، على التّربية ، على الأخلاق، على المجد ، على المال .. إلى غير ذلك في وطنه في ظلّ الاستبداد السّياسيّ العثمانيّ، أمكن له نشره في أشهر الجرائد المصريّة :" إنّني في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة وألف هجريّة هجرت دياري سرحاً في الشّرق، فزرت مصر واتّخذتها لي مركزاً أرجع إليه مغتنماً عهد الحريّة فيها على عهد عزيزها حضرة سميّ عمّ النّبيّ (العبّاس الثّاني) النّاشر لواء الأمن على أكناف ملكه .." ( المصدر نفسه ،ص15، ص16 ). من هنا تتحدّد علاقة الحريّة بالوطن والوطن بالحريّة بوصفِهِما عنصرين تجمعهما رابطة واحدة هي الإنسان المسكون بهما . فالوطن الحرّ من قيود العبوديّة والاستبداد السّياسيّ، هو الهدف الأسمى الّذي تمحور فكر الكواكبيّ عليه طيلة حياته .

تضاد الاستبداد والعلم :

يؤمن الكواكبيّ بفاعليّة العلم في محاربة الجهل والتّخلّف والاستبداد السّياسيّ، وبالدّور التّنويريّ النّهضويّ الّذي يضطّلع به في حياة الأفراد والشّعوب والأمم، فالاستبداد نتيجة طبيعيّة للجهل وليس سبباً له ، والعلاقةُ بينهما أشبه ما تكون بعلاقة المعلول بالعلَّةِ المرتبطِ بها باضطّرار، بمعنى أنّهُ متى حلَّ الجهلُ بقوم حلَّ الاستبداد بِهِم، ومتى تجذّر العلم في عقولِهم زكت نفوسهم فانقشعت سحبُ الاستبداد وأشرقت الشّمس في سمائِهِم يستنيرون بها في معيشتِهِم . بالعلم تنكشف عيوب المستبدّ ومكامن ضعفه، وفضائل الرّعيّة وعناصر قوّتها، فيحقّق الإنسان مطمحه في الحريّة والعدالة والكرامة بأقّل الأثمان والتّكاليف . " ترتعد فرائص المستبدّ من علوم الحياة مثل الحكمة النّظريّة، والفلسفة العقليّة، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسّياسة المدنيّة، والتّاريخ المفصّل، والخطابة الأدبيّة، ونحو ذلك من العلوم الّتي تكبر النّفوس وتوسّع العقول وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبونٌ فيها، وكيف الطّلب، وكيف النّوال، وكيف الحفظ، .. والخلاصة أنَّ المستبدّ يخاف من هؤلاء العلماء العاملين الرّاشدين المرشدين ، لا من العلماء المنافقين .. بين الاستبداد والعلم حرباً دائمةً وطراداً مستمرّاً : يسعى العلماء في تنوير العقول ويجتهد المستبدّ في إطفاء نورها ، والطّرفان يتجاذبان العوام .. العوام هم قوّة المستبدّ وقوته، بهم عليهم يصول ويطول .. العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوّر العقل زال الخوف وأصبح النّاس لا ينقادون طبعاً لغير منافِعِهِم .. إنَّ خوف المستبدّ من نقمة رعيّته أكثر من خوفِهِم بأسِهِ ، لأنَّ خوفهُ ينشأ عن علمه بما يستحقّهُ منهم ، وخوفُهُم ناشئ عن جهل، وخوفهُ عن عجزٍ حقيقيٍّ فيه، وخوفُهُم عن وهم التّخاذل فقط .. وخوفُهُ على كلّ شيء تحت سماء ملكهِ، وخوفُهُم على حياةٍ تعيسةٍ فقط ." ( المصدر نفسه ، ص 44، 45) .

:" الاستبداد والعلم ضدّان متغالبان فكلّ إدارة مستبدّ تسعى جهدها في إطفاء نور العلم ، وحصر الرّعيّة في حالك الجهل .والعلماء الحكماء الّذين ينبتون أحياناً في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار النّاس، والغالب أنَّ رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم وينكّلون بهم، فالسّعيد منهم من يتمكّن من مهاجرة ديارهِ، وهذا سبب أنَّ كلّ الأنبياء العظام عليهم الصّلاة والسّلام وأكثر العلماء الأعلام والأدباء النّبلاء تقلّبوا في البلاد وماتوا غرباء . " ( المصدر نفسه ، ص 47) .

صحيحٌ أنَّ العلم قوّة لا يُستهان بها في تحقيق ما يصبو الإنسان إليه من حريّةٍ ورفعةٍ وتقدّم، ولكنّ : هل بوسع العلم وحده تغير واقع الإنسان أمَّ أنَّ ثمّة أسباب وعوامل ماديّة ينبغي توفّرها للتّخلّص من الاستبداد ونيل الحريّة بما في ذلك ممارسة فعل المقاومة الّذي لا يخلو من إمكانيّة الّلجوء للعنف بقدرٍ ما ؟‍! إنَّ تركيز الكواكبي على محاربة الجهل ونشر المعارف والعلوم باعتبارها السّبيل الأمثل للتخلّص من الاستبداد وقيام نظام شوريٍّ دستوريّ يحقّق الحريّة لجميع أفراد الرّعيّة، يَعكس الرّؤية الإصلاحيّة القائمة على فكرة عدم إجازة استخدام الرّعيّة للعنف والمقاومة في وجه الحاكم المستبدّ وأعوانه :" الاستبداد ينبغي ألاَّ يُقاومَ بالعنف ، كي لا تكون فتنةٌ تحصدُ النّاس حصداً، نعم، الاستبداد قد يبلغ من الشّدّة درجةً تنفجرُ عندها الفتنةُ انفجاراً طبيعيّاً، فإذا كان في الأمّة عقلاء يتباعدون عنها ابتداءً، حتّى إذا سكنت ثورتها نوعاً وقضت وظيفتها في حصد المنافقين، حينئذٍ يستعملون الحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة، وخيرُ ما تؤسّس يكون بإقامة حكومة لا عهد لرجالها بالاستبداد ولا علاقة لهم بالفتنة ." ( المصدر نفسه، ص128).

غير أنَّ تاريخ الاستبداد السّياسيّ للأمم يُثبتُ قصور هذه الرّؤية عن تحقيق مقاصدها النّبيلة ما لم تقترن بحدوث فعلٍ تاريخيٍّ ثوريّ يقوم به الشّعب ويكّلفه ثمناً باهظاً يبذلُ فيه الدّماء والأرواح والممتلكات . والشّواهد على ذلك كثيرة أبرزها : الثّورة الفرنسيّة وثورات الاستقلال العربيّة ضدّ الاحتلالين التّركي، والأوروبيّ الحديث .