تشكًل التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري وعمليات التوغل اليومية إجراءً وحدثاً غير طارئ يتبع لمرونة عملياتية مقرونة بتغيير قواعد فض الاشتباك التي كانت سائدة منذ عام 1974 بين سورية وإسرائيل ، وذلك منذ سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول 2024 تتخذ من خلالها القوات الإسرائيلية حجج مختلفة للعمل على زيادة رقعة سيطرتها واحتلالها للمناطق التي تجاوزت بمساحتها 550 كم مربع باتباع استراتيجيات متعددة تهدف للسيطرة المباشرة وغير المباشرة على مناطق استراتيجية.
تتبع إسرائيل عدة استراتيجيات للحصول على مكاسب جيوسياسية فاعلة وقادرة على إنهاء كل ما يمكن أن يهدد أمنها مستقبلاً وذلك تحت ذرائع متعددة بدأت بتدمير ترسانة الأسلحة السورية لمنع وقوعها بأيدي جماعات متطرفة وفق التعبير الإسرائيلي بشن أكثر من 500 غارة خلال أسبوع واحد على مناطق واسعة في سورية، ومن ثم استخدمت استراتيجية محكمة للتوغل وفق مبدأ "القضم التدريجي" و "جس النبض" بهدف السيطرة على مواقع متقدمة، إضافة إلى العمل على توزيع استبيانات ومحاولة إغراء المواطنين في ريف القنيطرة بمساعدات رافضين لها، وما نجحت بتحقيقه من سيطرة بالقوة على مرتفعات جبل الشيخ الاستراتيجية والتلال المحيطة لها التي تعد من أهم مناطق الكشف العسكرية والسيطرة الأمنية في المنطقة والتي تحكم كل المنطقة امتداداً من الحدود الإيرانية مروراً ب العراق وصولاً إلى الجنوب والأراضي المحتلة فضلاً عن لبنان المكشوفة بشكل كامل، إضافة إلى فرض منطقة سيطرة بطول 15 كم تمتد من ريف درعا الغربي وصولاً إلى نهاية ريف القنيطرة الشمالي وتخوم دمشق بذريعة ضمان أمن الحدود ومنع وصول أية قوات معادية للعمق الإسرائيلي، إضافة لإنشاء منطقة خالية من السلاح ومنطقة سيطرة استخبارية بعمق 65 كم وصولاً إلى دمشق وما بعدها.
إذ نقلت القناة 12 الإسرائيلية بتاريخ 12 آذار 2025 أن الجيش الإسرائيلي عمل على تقسيم الجنوب السوري إلى مناطق رئيسة تمنع ترسيخ سيطرة النظام الجديد وفق ما نقلت عن مسؤولين إسرائيليين، كما عززت القوات الإسرائيلية تواجدها بإنشاء 9 قواعد في مناطق مختلفة من ريف القنيطرة الجنوبي وصولاً إلى ريف درعا الغربي وإقامة حواجز ونقاط عسكرية متقدمة كمنطقة عازلة يتم السيطرة عليها بشكل كامل بما يعكس واقعاً تريد تل أبيب فرضه بتجاوز اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 ومحاولة إنهائه ضمناً، إضافة إلى فرض معادلة جديدة تقوم على ( التفاوض على أراضي ما بعد الجولان) في حالة وجود أية مفاوضات مستقبلية ضمن عملية تطبيع أو ما شابه، ما يعكس حالة في انقلاب المشهد في الجنوب السوري بعد أكثر من 50 عاماً.
حزام أمني كجزء من الشرق الأوسط الجديد
يكرّس التوغل الإسرائيلي مشروع إقامة حزام أمني يحيط بالأراضي المحتلة وهو ما ارتأى وزير الدفاع الإسرائيلي على وصفه بأنها " منطقة حماية" وبأن التواجد فيها غير دائم، إلا أن إسرائيل لم تلتزم تاريخياً بالانسحاب من أراضٍ دخلت إليها وإنما تعمل على انتهاج سياسة التوسع بشتى الأساليب الممكنة لتحقيق سيطرة أكبر على مساحات واسعة، وهذا ما تم فرضه بمعادلة أمنية محكمة في الجنوب السوري إذ يعكس هذا الحزام المفروض جزءاً من مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي أعلن عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والقائم على عقيدة عسكرية تسمى " حرب الدوائر الثلاث" التي ترمي إلى فرض نزع سلاح في مناطق واسعة من دمشق جنوباً وإنتاج نهج مماثل لما تم تنفيذه في لبنان وقطاع غزة بأسلوب مغاير، تتمثل الدائرة الأولى ( دائرة خط دفاع قوي) داخل إسرائيل على حدود كل منطقة وإقامة حزام أمني على طول الحدود داخل الدول المجاورة وفرض منطقة نزع سلاح عميقة معززاً بأجهزة رصد متقدمة، أما الدائرة الثانية فتتكون من حزام أمني مؤلف من 400 كم مربع يشمل ما تسمى " منطقة الحرام" التي تمثل اتفاق فض الاشتباك 1974 يضاف إليها مناطق أخرى لا تبعد عن دمشق أكثر من 22 كم يحرّم وجود قوات عسكرية فيها، أما الدائرة الثالثة فهي في قلب الأراضي السورية وتمتد من دمشق إلى الحدود مع الأردن من جهة وإلى الغرب عند المنطقة التي سيطرت عليها إسرائيل منذ سقوط النظام، إضافة لفرض سيطرة على منابع المياه الاستراتيجية أهمها " سند المنطرة" الذي يعد أكبر سدود الجنوب السوري في سياسة واضحة تفضي إلى فرض سيطرة أمنية متصاعدة تشمل الأمن المائي الحيوي مضافاً إلى البعد الأمني في جانبه العسكري.
محاولات للتقسيم.... ولكن
لا تخفي إسرائيل محاولاتها الاستثمار على الوتر الطائفي وتصوير نفسها حامية ومدافعة لمكونات معينة ( المكون الدرزي في السويداء) في الجنوب السوري ومناطق أخرى ضمن خطة أوسع لتكريس واقع يتمتع بالمرونة العملية للتعامل مع أية تطورات تتعلق بالوجود الإسرائيلي وأمنه، ومحاولة التمدد عبر ملف الحماية الشاملة للعديد من المكونات السورية وسط ارتفاع مستوى التهديدات الإرهابية التي تهددهم وعدم السماح الإسرائيلي بتجاوز الخطوط الحمراء لأية تحركات ترتبط بالفصائل ذات الخلفية الجهادية والعمل على التمهيد لواقع يقوم على تقسيم أو تقاسم للنفوذ، يما يحقق استقراراً أمنياً لإسرائيل ويوفر لها القدرة على تنفيذ خطط ومشاريع جيوسياسية والسيطرة الكاملة ضمن ما يصطلح على تسميته " العصر الإسرائيلي في الشرق الأوسط".
تواجه هذه المحاولات التقسيمية والضغوط المتصاعدة صعوبات حقيقة تشكّل حاجزاً أمام المشروع الإسرائيلي، من جهة تنافس المشاريع الإقليمية التي ترفض تقسيم سورية وتفتيتها إضافة لبنية المجتمع السوري المتشابكة والمتنوعة، هذا يعطي بدوره مؤشراً دقيقاً على مدى ارتباط سورية بمستقبل القضية الفلسطينية وما يحصل في غزة وجنوب لبنان، والذي يؤدي إلى معادلة تقوم على ضرورة تكريس الأمن الجماعي للمنطقة الذي يقود للاستقرار وهو ما تؤكده إسرائيل بتعاملها بمبدأ وحدة الساحات وبأنها غير منفصلة عن بعضها البعض.
معضلة أمنية وتعقيد ميداني يفرضه التوغل والتوسع الإسرائيلي في جنوب سورية يقترن بتزايد حدة التنافس والتوتر بين أطراف إقليمية تسعى لفرض واقع يقتضي ومصالحها، بيد أن إسرائيل تستثمر فائض قوتها وارتفاع حدة التعامل العمل العسكري لفرض شروطها ضمن سياسة الضغط الأقصى بما يرسم ملامح خارطة جديدة للمنطقة تكون المصالح الإسرائيلية أساساً يُرتكز البناء عليه.

