Menu

بين الإفراج عن الجندي الصهيو-أمريكي ومشروع سموتريتش العنصري

جمال كنج

 

في خطوة لافتة، أفرجت المقاومة الفلسطينية في غزة عن الجندي الأمريكي-الإسرائيلي عيدان ألكساندر، كجزء من بادرة حسن نية تجاه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأكد الصليب الأحمر والأطباء الإسرائيليون أنه في صحة ممتازة، وقد بدا في حالة بدنية جيدة، في مشهد يتناقض كليًا مع الواقع المأساوي في غزة، حيث يموت الأطفال جوعًا وكبار السن بسبب نقص الأدوية، نتيجة الحصار الإسرائيلي المستمر.

جاء الإفراج بعد مفاوضات مباشرة مع المقاومة، في ظل إدارة أمريكية لم تخضع بالكامل للإملاءات الإسرائيلية، على عكس إدارة الرئيس جو بايدن. إلا أن هذه الخطوة، كسابقاتها، مهددةً بالفشل أمام تعنت حكومة إسرائيلية عنصرية لم تُبدِ أي احترام يُذكر للاتفاقيات السابقة. و ما هي إلا سويعات قبل ان يسارع رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو،  إلى نسب إطلاق سراح ألكسندر إلى ما سماه “الضغط العسكري”، وهو صفه لتبييض الحصار والتجويع والقتل الجماعي.

وفي اليوم التالي للإفراج عن ألكسندر، بدلاً من أن يبادر بردٍّ إنساني مماثل عبر السماح بدخول المساعدات الغذائية والطبية العاجلة إلى غزة، اختار نتنياهو تصعيد موقفه العدواني. وفي عرضٍ من الغطرسة، يكاد يلامس الهذيان، أعلن استعداده لقبول عشرة أسرى آخرين، مؤكدًا في الوقت ذاته تمسكه بالمجاعة والحصار كأدوات حرب ضد سكان القطاع المحاصر.

ويُطرح هنا سؤال جوهري: هل كان حتى دونالد ترامب ليتصرف بطريقة مختلفة إزاء مبادرة المقاومة هذه؟ الواقع الذي لا مفر منه هو أن الفلسطينيين يواجهون أيديولوجية عنصرية راسخة، قائمة على الشعور بالتفوق والمطالبة بالخضوع التام. وقد تجلى هذا الفكر بأوضح صوره في السادس من أيار/مايو، حين صرّح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش علنًا بوجوب “تدمير غزة بالكامل” و”تشجيع” تهجير سكانها الفلسطينيين، البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة، عبر ما أسماه “الهجرة الطوعية”.

لم تكن تصريحات وزير المالية الإسرائيلي، سموتريتش، هذه مجرد شطحة متطرفة أو رأيًا هامشيًا داخل المؤسسة الحاكمة، بل تعكس، بدقة ووضوح، طبيعة الأيديولوجيا التي تتبناها حكومة بنيامين نتنياهو، فبصفته ركنًا أساسياً في الائتلاف اليميني المتشدد، و تمثل كلماته ترجمة واضحه للسياسة الرسمية المُعلنة، بل وتعكس صدىً متزايدًا داخل شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي باتت تتبنى علنًا لنهج الإقصاء والتطهير العرقي.

وقد جاء هذا التصعيد في لهجة سموتريتش خلال كلمته في مستوطنة “عوفرا” في الضفة الغربية المحتلة، حيث لم يقتصر حديثه على تبرير جرائم الحرب الجارية في قطاع غزة، بل طرح ما يمكن اعتباره “خارطة طريق استراتيجية” تقوم على فرض الوقائع بالقوة، وتهدف إلى استكمال المشروع الاستيطاني بضم الضفة الغربية رسميًا قبل نهاية الولاية الحالية للحكومة في عام 2026.

إن ما يُفصح عنه سموتريتش لا يمكن فصله عن السياق الأشمل للسياسات الإسرائيلية في هذه المرحلة، والتي باتت تستند إلى خطاب علني يقوم على العنف والاستيطان، ورفض أي شكل من أشكال الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. إنها ليست مجرد رؤى متطرفة تصدر عن أفراد، بل مشروع ممنهج، يجد له حاضنة حكومية وشعبية، ويجري ترجمته يوميًا على الأرض من خلال القصف والحصار وتوسيع المستوطنات وتشريع القوانين العنصرية.

في السابق، كانت مثل هذه التصريحات تثير عواصف من الإدانة الدولية أو العربيه، لكنها اليوم، تُقابل بالصمت أو ببيانات خجولة تدعو إلى “ضبط النفس”، وعلى الأرض، يتم تنفيذ هذه الرؤية بدم بارد: أكثر من 90% من سكان غزة نزحوا من منازلهم، والمجاعة وسوء التغذية ينتشران بشكل مخيف، وسط دمار هائل طال البنية التحتية والمرافق المدنية.

تعكس هذه السياسات عقيدة عنصرية دينية قائمة على الهيمنة العرقية، تنفذها آلة عسكرية مدربة على نزع إنسانية الفلسطينيين. والهدف: توسيع المستوطنات غير الشرعية، ومحو أي أمل في قيام دولة فلسطينية مستقلة. فتصريحات سموتريتش ليست انحرافًا، بل امتداد لمشروع استيطاني استعماري عمره 77 عامًا.

الرأي العام الإسرائيلي يعكس هذا الاتجاه. فاستطلاعات الرأي تُظهر أن غالبية اليهود الإسرائيليين يؤيدون استمرار الحرب، رغم التجويع و ضحاياها من الأطفال، ويؤيد أكثر من نصفهم خطة سموتريتش لترحيل الفلسطينيين عبر خلق ظروف معيشية صعبة تجبرهم على الرحيل "الطوعي."

في المقابل، تواصل الولايات المتحدة لعب دور المموّل والداعم بلا شروط. لعقود، قدمت واشنطن دعمًا ماليًا وعسكريًا وسياسيًا غير محدود لإسرائيل، تحت ذريعة كونها “ديمقراطية ليبرالية” في الشرق الأوسط.  الدعم الذي رسخ نظام فصل عنصري قائم على التمييز العرقي.

وفي الوقت الذي أعلنت فيه الإدارة الأمريكية عن إنشاء “وزارة كفاءة الحكومة” (DOGE) لخفض الإنفاق الداخلي، و تشمل خططها إلغاء وزارة التعليم وتقليص الدعم للطلاب والرعاية الصحية بحجة “الانضباط المالي”، لا تلمس هذه الإجراءات المساعدات لإسرائيل—دولة غنية تمتلك ترسانة نووية، ودخل الفرد فيها أعلى من دول مثل إسبانيا، بل وحتى من ولايات أمريكية مثل ميسيسيبي.

وفي عام 2024، أقر البيت الأبيض والكونغرس، في توافق نادر، تقديم 17.9 مليار دولار إضافية لتمويل الاباده الجماعيه في غزة، و في الوقت التي تطالب إداره ترمب  أوكرانيا سداد المساعدات، تمنح إسرائيل شيكًا على بياض.

إذا كانت إدارة DOGE جادة في خفض الهدر المالي، فعليها أن تبدأ بمراجعة الدعم غير المشروط لإسرائيل، الدولة التي توفر تعليمًا جامعيًا ورعاية صحية مجانية لمواطنيها، في حين يُحرم ملايين الأمريكيين من هذه الحقوق الأساسية. إعادة تخصيص جزء يسير من هذه المساعدات يمكن أن يحدث فرقًا في حياة الفقراء والمهمشين في الداخل الأمريكي.

ما نحتاجه اليوم هو سياسة أمريكية أخلاقية توقف التواطؤ مع الجرائم الإسرائيلية، وتمنح المحكمة الجنائية الدولية صلاحية التحقيق في جرائم الحرب. على إدارة ترامب، أو أي إدارة مستقبلية، أن تصغي لصوت ملايين الأمريكيين—بمن فيهم اليهود التقدميون—الذين يطالبون بسياسة خارجية عادلة، تقوم على المساواة والعدالة، لا على تفوق صهيوني عنصري يقوده سموتريتش وامثاله.