Menu

تفاعلات داخل كيان الاحتلال الجيش في قلب المعمعان

علي بدوان

نشرت في مجلة الهدف العدد (70) (1544)

مقدمات مايجري

تتفاعل التطورات والإعتمالات داخل "إسرائيل"، وتحديداً في المجتمع اليهودي، بشأن استمرار الحرب على قطاع غزة وحتى الضفة الغربية، من عدمها، أو في التوصل الى حلٍ يضمن إنهاء مشكلة من هم أسرى من الاحتلال بيد الفصائل الفلسطينية، لذلك نرى بأن هذه التفاعلات تتطور منذ عدة شهور، عبر المظاهرات التي اندلعت في تل ابيب وعلى أبواب الكنيست في القدس المحتلة، ودقت حتى أبواب منزل نتنياهو في مدينة قيسارية قرب مدينة حيفا.

المجتمع اليهودي على أرض فلسطين، يعيش لحظات قلقٍ شديد حتى في ظل طوفان حضور قوى اليمين واليمين الفاشي، والدعم المفتوح الذي تتلقاه "إسرائيل" من الولايات المتحدة مادياً بالمال والعتاد، وبالتغطية والحماية السياسية التي توفرها لها واشنطن لدرء مخاوفها من محاسبة المجتمع الدولي الذي ضاق ذرعاً مع استمرار حرب الإبادة الجامعية ومعاقبة شعب تحت الاحتلال.

نتنياهو وضع عدة أزمات داخلية تحت الضوء بغية الدفع بها نحو الذروة على ضوء ماينتظره بعيد خروجه من رئاسة الوزارة. وأبرز هذه الأزمات : أولا، الأزمة الناجمة عن أن استئناف الحرب يخدم غاية نتنياهو في البقاء السياسي، ويسعى لإحداث تراكم في اليقين بأنه يُمكن إسقاط الحركة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه، إطلاق "الإسرائيليين" الأسرى لديها، في حين أن الرأي السائد في أوساط مزيدٍ من "الإسرائيليين" يعتقد بأن الجمع بين هذين الخيارين مستحيلٌ. كذلك يسود بين غالبية اليهود في فلسطين أنه في ظل استمرار الحرب مقامرة علنية بمصير الأسرى، إلى درجة أن هناك من جزم بأن نتنياهو يفتح "بوابات جهنّم" عليهم.

مشكلة الطاقة البشرية

الخلافات والتباينات حول استمرار الحرب في "إسرائيل" لم تَعُد محصورة في الأوساط السياسية والشعبية، بل امتدت هذه المرة إلى داخل المؤسسة العسكرية نفسها حيث العشرات من الضباط وغير الضباط من مختلف صنوف الأسلحة باتوا يشكلون نواة ليست سهلة بالضغط على مراكز القرار لوقف الحرب، التي كلفت جيش الإحتلال بدوره خسائر فادحة في الطاقة البشرية والعدة والعتاد، لذلك بتنا نسمع الأصوات التي تنادي بتجنيد الشبان والشابات من طلاب المعاهد الدينية (الحريديين) لسد النقص، والذين كانوا ومازالوا في قوائم الإعفاء من الخدمة العسكرية. وفي هذا السياق، يواجه الجيش أزمة نقص في القوات غير مسبوقة منذ عقود، إذ توقف أكثر من مائة ألف جندي في الاحتياط عن أداء الخدمة، بينما يرفض بعضهم الانخراط في الحرب. ونقلت صحيفة يديعوت احرنوت بعددها الصادر يوم 12 نيسان 2025 عن مصدر مطلع أن نسبة جنود الاحتياط الذين يلتحقون في الوحدات القتالية تصل إلى ما بين 60% الى 70% في أحسن الحالات. وهو مادفع برئيس الأركان الجديد الجنرال (إيال زامير) للقول بأن "الالتزام بالتجنيد في صفوف جيش الاحتلال حتى ضمن الوحدات القتالية، بات منخفضاً بشكلٍ مُقلق".

قوائم التواقيع والقتال ... بالعرائض

وتُعَد التطورات إياها أول مؤشر علني هام وذي دلالة على وجود انقسام داخل مفاصل "الجيش الإسرائيلي" بشأن مواصلة العمليات العسكرية منذ اندلاع الحرب على القطاع. فوقع حتى يوم 13 نيسان 2025 على عرائض بهذا الشأن نحو 150 طبيباً بقوات احتياط "الجيش الإسرائيليّ"، و250 من متقاعدي الموساد يطالبون بإنهاء الحرب على غزة وحل الموضوع كله عبر المفاوضات، ولينضمّوا بذلك إلى مئات العناصر الآخرين، وإلى الموجة الآخذة في الاتساع ضمن صفوف "الجيش الإسرائيليّ"، مؤخّرا.

وقد بدأت حملة العرائض، بعريضة وقّع عليها الكثيرين، على رأسهم رئيس "أركان الجيش الإسرائيلي" الأسبق، الجنرال دان حالوتس، وتلتها عريضة نشرها ضباط وجنود احتياط ومتقاعدون في سلاحي البحرية والمدرعات، ثم تلتها عريضة وقع عليها مئات الضباط والجنود في الاحتياط في شعبة الاستخبارات العسكرية. كما شدد رئيس الأركان على أن إنجازات الجنود في ساحة القتال بدأت تتآكل نتيجة غياب الدعم السياسي الفعال، محذرا من أن استمرار الجمود في البحث عن بديل لحكم حماس في غزة من شأنه أن يقوض أي مكاسب ميدانية.

وفي اطار تلك العرائض بل وحذّر أطباء الجيش في العريضة التي بعثوا بها إلى رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزير أمنه يسرائيل كاتس، من أن "استمرار القتال، يهدف في المقام الأول إلى خدمة مصالح سياسية وشخصية، لنتنياهو وزمرته وليس غرضًا أمنياً". واختتم عناصر سابقين من ضباط الموساد (المخابرات الخارجية) السابقون العريضة، بقولهم، إن "قدسيّة الحياة، يا سيادة رئيس الحكومة (بنيامين نتنياهو)، تسبق "إله الانتقام". وكان نتنياهو قد هاجم، عرائض الاحتجاج التي وقع عليها "ضباط وجنود إسرائيليون" في قوات الاحتياط ومتقاعدين تطالب بوقف الحرب على غزة وبتبادل أسرى، عادّا أنها تأتي بمبادرة جمعيات تتلقّى تمويلاً أجنبياً، وهدفها إسقاط حكومته.

وعملياً شهد الأسبوعين الأخير وقبل الأخير توقيع عدد من جنود الاحتياط في سلاح الجو (طيارين : نحو ألف طيّار حربي في الاحتياط ومتقاعدون) والبحرية والخدمات الطبية على رسالة طالبوا فيها بوقف القتال، محذرين من تعريض حياة الأسرى "الإسرائيليين" للخطر، وداعين إلى التوصل إلى صفقة تبادل أسرى.

وفي خطوة تهدف إلى احتواء هذه الظاهرة، شرع "الجيش الإسرائيلي" بإجراءات تهدف إلى إنهاء خدمة هؤلاء الجنود، في محاولة لمنع انتشار المعارضة داخل صفوفه. تصاعدت وتيرة الاحتجاجات في إسرائيل ضد استمرار الحرب، مع توقيع جديدة من أكاديميين، وقادة عسكريين سابقين على عرائض تطالب بوقف العمليات مقابل الإفراج عن الأسرى. وفي القوائم ايضاً قضاة وسفراء وموظفين السابقين في وزارة الخارجية، ونحو 1,500 من جنود سلاح المدرعات، وجميعها طالبت بوقف العمليات العسكرية في قطاع غزة

وجاء في عريضة العاملين السابقين في "الخارجية الإسرائيلية" أن "استئناف القتال لم يسفر عن تحرير أي أسير. نحن نطالب بتحرك فوري من أجل الإفراج عن جميع الأسرى دفعة واحدة، حتى وإن كان الثمن وقف الحرب" التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

عريضة المخابرات والسايبر ووحدة البحرية

وهاجم الموقعون على عريضة عناصر الوحدة الخاصة في شعبة الاستخبارات العسكرية (آمان)، حكومة نتنياهو بشدة، وكتبوا في العريضة: "جرائم نتنياهو لا تُعدّ ولا تُحصى، لكن الخلاصة واضحة : نتنياهو يمثل خطراً على حياة الأسرى، وعلى أمن الدولة، وعلى ديمقراطيتها". وشددوا على أن الحرب المتواصلة لا تخدم إلا المصالح السياسية لرئيس الحكومة "المتهم جنائيًا"، وتؤدي إلى "تثبيت واقع من الحرب الدائمة"، دون أن تحقق أهدافها. وفي عريضة أخرى منفصلة وقّع عليها ضباط وجنود سابقون في وحدات السايبر الهجومي التابعة للجيش والشاباك والموساد، جاء: "نحن الذين خدمنا الدولة في مواقع تكنولوجية حساسة، نرى أن نتنياهو أعاد إشعال الحرب فقط لحماية بقائه السياسي". وأضافوا: "الاستمرار في الحرب يهدد حياة الأسرى، والكثير منهم قُتلوا فعلا، فيما يواصل نتنياهو تجاهل معاناتهم اليومية في الأسر من تعذيب وتجويع". أما عريضة من مقاتلي الكوماندوز البحري فقد طالبت بعودة المختطفين على حساب وقف الحرب.

ايال زامير وعدم جر الجيش

في هذا السياق، كانت حساسية الجنرال (إيال زامير) رئيس الأركان الجديد لجيش الإحتلال، وخشية من فشله في بداية عمله وتسلمه رئاسة الأركان، فدعا الوزراء "التخلي عن أوهامهم"، كما وصفها، نظراً لواقع النقص العددي الخطير في القوات. ووصل الأمر برئيس شعبة العمليات السابق بجيش الاحتلال يسرائيل زيف للقول : "رسائل جنود الاحتياط تعبر عن انعدام الثقة بنتنياهو. وقوات الاحتياط لا ينخدعون بشعارات جوفاء مثل النصر الكامل. والحرب غير شرعية ولا تهدف فعليا إلى استعادة الرهائن".

 

 

الذي اشار يوم الثلاثاء 15 نيسان 2025، وفي جولته شمال القطاع في جباليا، إن "الجيش لن يسمح بانزلاق الخلافات السياسية إلى صفوفه"، مشدّدًا على أن "مهمة الجيش في غزة هي حماية الدولة، استعادة الأسرى، وهزيمة الإرهابيين" ويقصد المقاومة الفلسطينية. وهو ماكرره نتنياهو في زيارة تالية مباشرة لنفس المكان برفيق وزير حربه يسرائيل كاتس، وأردف زيارته بتصريحات عالية التسخيم من نمط "الفصائل الفلسطينية ستتلقى المزيد من الضربات".

خلاصات واستنتاجات

ما أوردناه اعلاه، يلخص الى حد ٍكبير التطورات الجارية في "إسرائيل" بشأن الحرب على قطاع غزة، وقد بدأت تلك التطورات منذ الأشهر الأولى للحرب عبر المظاهرات اليومية الإحتجاجية التي ملأت كيان الإحتلال، من تل ابيب امتداداً للقدس المحتلة، وكانت عملياً نتيجة عدة عوامل :

أولها الموقف المتعاطف اممياً الهائل لصالح الشعب الفلسطيني ونبذ صورة "إسرائيل" وهزيمة سرديتها الواهمة، وانتصار السدرية الوطنية الفلسطينية.

ثانيها، الخسائر التي تم انزالها بجيش الإحتلال في الطاقة البشرية والعدة والعتاد.

ثالثها، أن انها الحرب الأطول في تاريخ الكيان الذي اعتاد على الحروب الخاطفة مع البلدان العربية واستراتيجية الردع المباشر والسريع.

رابعها، الأفق المكفهر للمرحلة التالية بعد فشل تهجير الفلسطينيين من القطاع بالرغم من الجراح والألآم المثخنة التي أصابت ابناء ومواطني فلسطين في القطاع وعموم فلسطين بالداخل.

خامسها، تماسك المجتمع الدولي وراء الحل الذي يرفض تهجير الفلسطينيين ويدعو لدولة فلسطينية مستقلة.

سادساً، تبيَّنَ بشكلٍ صارخ أن للقوة مهما بلغ بطشها مفاعيل لن تصل الى حدود هزيمة وإبادة شعب بأكمله ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين. وخاصة أن صاحب القوة كيان طافر وطارىء وغريب عن المنطقة، ويبقى منبوذاً حتى لو ركع له النظام الرسمي العربي الغارق في سباته العميق.

سابعاً، إن عوامل الإهتزاز، لابد ستطفو على السطح يوماً بعد يوم في بنية هذا الكيان الذي لن يكون كياناً ساكناً استاتيكياً بل متحركاً على ضوء حركة وكفاح شعوب المنطقة الأصيلة ومنها الشعب الفلسطيني الذي (لاكل ولامل) وهو يواصل كفاحه وعطاءه.