في مدينة دورا جنوب الضفة الغربية، اختارت الطالبة بيان شرف، المتخصصة في الصحافة، أن يكون مشروع تخرجها فعلًا يحمل المعنى والموقف معًا. بدلًا من الدراسة النظرية أو التغطيات التقليدية، قدمت فيلمًا وثائقيًا بعنوان "حارس المخيم"، يعيد إحياء سيرة الشهيد عمر اللحام، من مخيم الدهيشة في بيت لحم، الذي استُشهد برصاص الاحتلال في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2023.
"حارس المخيم" ليس مجرد فيلم، بل محاولة لمقاومة النسيان، ولمواجهة المحو المستمر الذي يمارسه الاحتلال بحق الشهداء الفلسطينيين، ليس فقط بأجسادهم، بل بروايتهم وصورهم وحياتهم.
في زمنٍ تُختزل فيه حياة الإنسان الفلسطيني بعد استشهاده في جملة واحدة أو رقم، أرادت بيان أن تعيد تشكيل ملامح عمر كما عاشها بين أهله ورفاقه، لا كما ظهر في عناوين الأخبار. بحثت في أرشيف الصور، جلست مع والدته، استمعت إلى أصدقائه، ونقلت صورة فتى عاش كأنه يعرف أن مصيره سيكون شاهدًا آخر في ذاكرة شعب لا ينسى.
يمثل عمر نموذجًا للجيل الفلسطيني الجديد: حارس المخيم لا بالسلاح فقط، بل بالحب، بالمواقف، بالوعي، وبالإيمان الراسخ بأن" الحياة تحت الاحتلال لا تُعاش بلا مقاومة." وبعين صحفية شابة، التقطت بيان لحظات القوة والضعف، البطولة والإنسانية، لتحولها إلى سردية نابضة تخرج من حدود الشاشة إلى وجدان المشاهد.
الشهداء، والأسرى، والجرحى... هذا هو الثالوث الذي صنع وما يزال يصنع تاريخ فلسطين الحديث. وهؤلاء، كما تقول بيان، "لا يجب أن يُروَوا من وجهة نظر الضحية فقط، بل من موقعهم كمصدر قوة، كمحور للهوية الوطنية، وكجذور تمتد في ذاكرة هذا الشعب".
العمل على فيلم توثيقي في سياق فلسطيني ليس مجرد تمرين فني. إنه مواجهة مع الخوف، مع الوجع، مع ثقل الحكاية التي لا تنتهي. ولذلك، فإن "حارس المخيم" جاء كتجسيد لفكرة أن توثيق الشهيد هو امتداد لحياته، وأن الكاميرا قادرة على أن تصنع الخلود حين يتوقف الزمن عند لحظة الاستشهاد.
ولا تكتمل أهمية هذا الفيلم إلا إذا قُرئت في السياق الأوسع: حيث جاء إنجازه في ظل الذكرى الـ77 للنكبة الفلسطينية، في وقت لا تزال فيه سياسة الاحتلال تواصل الهدم والتهجير في الضفة و القدس ، وتحاول تفريغ المخيمات من سكانها، وتفريغ الذاكرة من مضمونها.
في هذا السياق، يصبح الفيلم أداة لإعادة رسم الوعي، وبناء جدار سردي في وجه المحو. فالتاريخ الفلسطيني لم يُكتب يومًا بالوثائق الرسمية فقط، بل بحكايات الأمهات، وشهادات الأصدقاء، وعدسات الشباب الذين قرروا أن يحملوا الرواية لا السلاح فقط.
تقول بيان في مقدمة مشروعها عن الشهيد عمر اللحام: ثناءٌ للشهيد، الحاضر في الغياب
هو ليس مجرد ذكرى…
بل حضورٌ يملأ الزوايا، وسكونٌ يزلزل الأرض تحت أقدام الخانعين.
هو الحقيقة حين تذوب كل الأقنعة،
هو الصدق حين تتهاوى الكلمات،
الشهيد… هو الحكاية التي لا تنتهي،
هو البداية التي لا تموت.
كان طيّبًا كنسمة الفجر،
صافيًا كوضوء الأمهات،
لكنه حين نادى النداء،
كان صخرًا، وكان نارًا، وكان وعدًا لا يُخلف..
وتُكمل بيان وهي تلامس وجع الحكاية: " منذ فجر النبوة، وهو الشعلة،
منذ أول صيحة للحرية، وهو النبض،
منذ أول حجر، وهو الفداء.
كم منّا قال: أريد أن أكون شهيدًا؟
لكن، من منّا تجرأ أن يدخل عقل الشهيد؟
أن يرى العالم كما رآه؟
أن ينظر في عينيه وهو يبتسم للموت كما لو كان يعانق حلمًا أخيرًا؟
أعزّائي…
هذا المشروع ليس أوراقًا وبيانات،
بل هو محاولة للإنصات إلى أولئك الذين ما زالوا يتحدثون من تحت التراب،
هو رسالة حُب، لا تُكتب بين عاشقين،
بل تُكتب بين إنسانٍ وأرض،
بين وطنٍ وجراح.
و"حارس المخيم"، بهذا المعنى، هو دعوة لكل صحفي وصانع أفلام وروائي وموثق أن ينحاز للضوء في مواجهة العتمة، للمعنى في مواجهة الضجيج، وللرواية في مواجهة الطمس. أنها تذكرة بأن لكل شهيد قصة، ولكل أسير حلم، ولكل جريح حق في أن يُرى، ويُروى، ويُحفظ.

