بعد السابع من أكتوبر 2023، ومع انطلاق عملية" طوفان الأقصى"، لم يبق شيء على حاله في المشهد الفلسطيني-الإسرائيلي، لا في الميدان ولا خلف القضبان. غير أن ما حدث داخل السجون الإسرائيلية، والتي لطالما شكّلت مرآة مصغّرة لصراع الهيمنة والكرامة بين المُستَعمِر والمُستَعمَر، يستدعي تحليلًا خاصًا.
فقد شهدت المنظومة السجنية تحوّلًا وظيفيًا وهيكليًا، تجاوز الممارسات اليومية إلى تغيير عميق في فلسفة العقاب والسيطرة، يمكن فهمه عبر عدسة فوكو في "المراقبة والمعاقبة"، واستحضار تجارب كافكا ودوستويفسكي في تعرية آليات السجن كأسلوب للقتل الرمزي.
أولًا: السجن كأداة سيادية بعد طوفان الأقصى
السجون الإسرائيلية، ومنذ عقود، ليست مؤسسات إصلاحية، بل آليات هيمنة سياسية تمارس من خلالها الدولة الإسرائيلية سيادتها على الأجساد والعقول. ولكن بعد 7 أكتوبر، تغيّرت قواعد الاشتباك.
فإدارة السجون، بإيعاز سياسي وأمني مباشر، شنّت حملة ممنهجه على قيادات الحركة الأسيرة، كان أبرز ضحاياها أحمد سعدات، وعاهد أبو غلمة، وعباس السيد، وعبد الله البرغوثي، ومروان البرغوثي.
لم يعد الهدف فقط تقويض التنظيم الداخلي للحركة الأسيرة، بل استباق أي احتمال لتحوّلها إلى مركز قرار بديل، أو حتى محرّك ميداني – كما حصل مع الشهيد يحيى السنوار.
هذه الحملة تُقرأ على مستويين: تكتيكي واستراتيجي.
ثانيًا: الأهداف التكتيكية: كسر التراتبية وضرب الروح المعنوية
الاستهداف التكتيكي يتمثّل في ضرب الرموز داخل السجون بهدف خلق فراغ قيادي وتعطيل الهيكل التنظيمي الداخلي. من المعروف أن الحركة الأسيرة كانت، تاريخيًا، تدار وفق تسلسل قيادي داخلي صارم، يتم من خلاله تنظيم الحياة اليومية، التعليم، الانضباط، وحتى التفاوض مع إدارة السجون. بعد7 أكتوبر، سعى الاحتلال إلى تفكيك هذا النظام عبر إجراءات عقابية جماعية: العزل الانفرادي، منع الزيارات، مصادرة الأدوات، تقليص الطعام، وتعمد الإذلال.
هنا تظهر أطروحات فوكو بوضوح: فالسجن لم يعد مكانًا للعقوبة بل فضاءً للمراقبة المطلقة وإنتاج الطاعة. لم تعد المراقبة من برج المراقبة (Panopticon) مجرد فرض للنظام، بل صارت وسيلة لإعادة تشكيل الذات المسجونة ضمن شروط القامع.
لكن ما يغفل عنه الاحتلال أن هذه الإجراءات، كما كتب دوستويفسكي في مذكرات من البيت الميت، قد تؤدي إلى" خلق ذوات جديدة داخل السجن أكثر صلابة مما كانت خارجه"، وأن الألم لا يميت فقط، بل أحيانًا يولّد المعنى.
ثالثًا: الأهداف الاستراتيجية: منع تكرار نموذج السنوار
في البعد الاستراتيجي، يبدو واضحًا أن إسرائيل لا تريد تكرار ما تعتبره "خطأً" استراتيجيا: صعود شخصية مثل يحيى السنوار من داخل السجن إلى رأس هرم المقاومة.
هذا التغيير في فهم العلاقة مع الحركة الأسيرة قاد المؤسسة الأمنية إلى تعديل منهج إدارتها بالكامل. لم تعد تعتبر الأسرى السياسيين مجرد محتجزين، بل مخزونًا بشريًا قد يفضي إلى خطر وجودي.
من هنا يمكن فهم استهداف الأسرى القادة ليس كإجراء تأديبي بل كعملية إجهاضية مبكرة لمنع تشكّل قيادات جديدة قد تفرز، بعد سنين، استراتيجيات مشابهة أو أكثر خطورة من التي فجّرت7أكتوبر.
رابعًا: رسائل كافكا والسجن كميتافيزيقيا للعبث
إن قراءة السجن بعد أكتوبر عبر رسائل كافكا من السجن تكشف جانبًا آخر: العبث والإلغاء الرمزي للفرد. فاستهداف القيادات ليس فقط بوصفهم فاعلين سياسيين، بل بوصفهم رموزًا، يشي بمحاولة إفراغ الذات من أي قدرة على التأثير. هذا ما يشبهه كافكا بـ"السجن الذي لا تُعرف له جدران، لكنك دائمًا تحت المراقبة".
فالسجن الإسرائيلي اليوم، وبعد تغيّر بنيته، لم يعد مكانًا للعقاب فقط، بل لبناء نموذج سجين جديد: مُطوَّع، معزول، منزوع المعنى.
خامسًا: هل يسعى الاحتلال لإنهاء الحركة الأسيرة؟
بمقارنة ما قبل وما بعد 7 أكتوبر، يمكن القول إن الاحتلال يسعى لإعادة هيكلة العلاقة مع الأسرى الفلسطينيين على مستوى فلسفي. لم تعد الإجراءات فقط لمنع"العصيان"، بل لضمان ألا يتحول السجن إلى مؤسسة مقاومة بديلة. أيّ محاولة لتسييس المعتقل، أو لخلق نظام ذاتي داخله، تُعتبر تهديدًا للسيادة، ما يفسر الحملة المكثفة والممنهجة.
لكن، كما أثبتت التجارب، فإن المراقبة الكاملة لا تلغي المقاومة. بل ربما - وهنا المفارقة الفوكوية - تؤدي شدّة القمع إلى ولادة مقاومة أكثر مرونة، وأكثر ذكاءً، وأكثر قدرة على إعادة إنتاج ذاتها.
يأتي استهداف قيادات الحركة الأسيرة في هذا الظرف المفصلي كمحاولة منهجية لشلّ النواة الصلبة التي حافظت على تماسك الأسرى لعقود، إذ يُدرك الاحتلال أن هذه الشخصيات ليست فقط رموزًا تنظيمية بل خزّانًا معرفيًا وتجريبيًا للمقاومة داخل جدران السجن.
فمثلما كان السجن، كما وصفه فوكو، أداة لإنتاج الانضباط والطاعة، تحوّل في الحالة الفلسطينية إلى فضاء لإنتاج الذات المقاومة. ولهذا يسعى الاحتلال إلى تصفية هذا المخزون القيادي إما بعزلهم أو بنزع قدرتهم على التأثير، ضمن تصور استراتيجي طويل الأمد يمنع تكرار نموذج السنوار.
غير أن التاريخ يُشير إلى أن القمع لا يُلغي الفكرة، بل يدفعها إلى التجذّر، وأن العزلة لا تعني الصمت بقدر ما تُنذر بولادة سرديات مقاومة جديدة. فالحركة الأسيرة، رغم كل محاولات الأسر والتفكيك، ظلت تُعيد تعريف ذاتها من داخل الجدران، وتبني الوعي في أشد أماكن السيطرة عنفًا.

