تختلط الأفكار والاستراتيجيات، وربما استدعاء الأمور إلى أصلها (مصاصها ) ، وحتى التأكيد على جذورها والتحقق منها بالبعد الأعمق والأشمل، عند الحديث عن الظاهرة أو الشغل الشاغل للمفكرين والشُرّاح، وأقصد في هذا السياق، الكيان الصهيوني من حيث النشأة، وحتى يومنا هذا،إذ يعتقد البعض أن إسرائيل أصبحت بحكم الواقع بالرغم من تاريخها الدموي والوحشي، ومجازرها وعدوانيتها على فلسطين وبعض الدول العربية ، وممارستها الإبادة الجماعية في ظل صمت دولي مريب ومحير .
بينما يعتبر الكثيرون أن الكيان الصهيوني، عبارة عن حالة مقطوعة ومفصولة عن الجذور، وبالتالي فإن البناء وضخامته مهما أغرى واستطال فإنه أقرب إلى السقوط من الثبات. وأن الذين يدافعون عن بقاء إسرائيل كدولة موجودة ضمن الأمم المتحدة طبقا للقرار 273 عام 1949، هم يدافعون عن الإنجازات والمغريات الحالية وجعل فلسطين المحتلة، واحة بما تحمله من معنى لجهة السياحة واستقطاب العالم، وأنها حالة اقتصادية نشطة .
إن التاريخ الحديث يقول، إنشاء جسم غريب وسط الوطن العربي له أهداف وغايات استعمارية قديمة كلاسيكية، يرفع الغطاء وينيط اللثام عن حق إسرائيل المزعوم بقيام دولة يهودية حسب تفسيراتهم ومخيلاتهم.. وبالتالي هو ضرب من الجنون والمجون، إذ لا يوجد في العالم دولة قامت على أساس ديني. ولو فرضنا ذلك، فكيف ستكون الدولة المسيحية وجغرافيتها؟
حتى الحروب الصليبية لم تخرج باسم الصليب أو المسيحية، إنما بدافع استعماري واحتلال الدول الفقيرة ونهب ثرواتها وطاقاتها، ليعم الرفاه ورغد العيش لسكانها، لأن هذه الدول انكوت بنار الحروب، الحرب العالمية الأولى والثانية، والخوف من إعادة الأسباب التي قامت عليها الحربين المذكورتين .
إسرائيل منجز قريب إلى «نظرية القرود»، وهذه تجربة معروفة، ومفادها التقليد الأعمى وعدم وجود الوعي، حيث تقول النظرية، إن خمسة من القرود وضُعت داخل حجرة أو غرفة وفيها سلّم، وفوق السلّم مربوط بعض من الموز بسقف الغرفة، وعند محاولة أي قرد أن يتناول الموز يبدأ رش الماء بغزارة عليه وعلى جميع القرود مما يؤدي الحؤول دون الوصول إلى الموز، وما أن ينزل القرد عن السلّم ينقطع الماء، وهكذا تبقى المحاولات والنتيجة واحدة، ثم تأتي مرحلة تبديل قرد بقرد آخر( جديد ) من الغرفة حتى لا يبقى من القرود الذين عرفوا وخبروا التجربة وبالتالي فإن التجربة تلقى نجاحاً طالما تلقفتها القرود الجدد عن الأولين، وهكذا.
الذين جاؤوا بكذبة إسرائيل والوعد الإلهي، هم أدوات الاستعمار الكلاسيكي القديم، ( السكسون – اللاتين ) بريطانية وألمانية والولايات المتحدة الأمريكية وهولندا لجهة السكسون. وفرنسا وإيطاليا والبرتغال واسبانيا للاتين. حيث خبروا مكرهم ومؤامراتهم وفتنهم، وحتى قتلهم لبعض الملوك والأباطرة، شارلس الأول الذي قُتل بالبلطة على وجهه في هوايتهول بلندن لأنه قرر التعرف على الذين يديرون البلاد والعباد بالمال والاقتصاد..
والمرأة سبيلهم الأسرع للوصول لمبتغاهم الخبيث، لذلك نجد أن لغة القوادين في القارة الأوروبية فيها من العبارات العبرية . وعلى اعتبار أن العالم الغربي يدّعي الحضارة والتطوير المستمر بكافة المجالات، إلا أنه يعُتبر فقيراً من الناحية الروحانية، وهذا ما أكده صاحب المذهب الوجودي جون بول سارتر، لذلك وجدت «الشوفينة» طريقها كالنار في الهشيم، فكانت الحربين العالميتين والذي راح ضحيتهما أكثر من
100 مليون قتيل، ليجدوا أن هاتين الحربين قد أتت على الحرث والنسل، وأنه لا بد من وقفها وتغيير الخطط وحتى العدو قبل أن تأكل الحرب البشر والشجر والحجر، مع الاعتراف المبطن بأن اليهود وراء هاتين الحربين سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر .
الدعم الغربي المطلق لإسرائيل ليس عن قناعة بمظلوميتها أو أحقيتها بدولة، أو ما يشاع عن عداوة العرب وعنفهم لليهود، بل نتيجة للتاريخ الذي انكوت به القارة من مخططاتهم الجهنمية التي تستهدف بالدرجة الأولى الأديان ومن ثم الفتنة التي دأبوا عليها وأصبحت ديدنهم، والتي راح ضحيتها الكثير من الشخصيات كما ذكرنا، وليست صدفة أن يموت الرئيس الأمريكي الثاني والثلاثين ثيودور روزفلت 1933 – 1945 في منزل اليهودي باروخ ؟!
العالم الحديث كـ (الصندوق) الذي يحتوي على ما اتفقت دول العالم من قوانين وعادات وتقاليد، لما فيها الخير للجميع، مع العلم أن الولايات المتحدة مرّ عليها رؤساء كانوا يفكرون لصالح العالم كـ الرئيس الأمريكي الثامن والعشرين توماس وودرو ويلسون من عام 1913 إلى 1921.
ومبادئه الأربعة عشر، وبعض المحاولات من بعض الرؤساء الذين اصطدموا باللوبي الصهيوني الذي رأى في الولايات المتحدة بالفرصة الذهبية التي من خلالها الوصول لمبتغاهم الشيطاني وإحكام السيطرة على العالم .
إسرائيل الحالية ممثلة بالمجرم بنيامين نتنياهو، الأكثر حكما 17 عام، استطاع أن يصدر قراراً من المحكمة الإسرائيلية بيهودية الدولة، رافعا سيفهُ مهدداً الفلسطينيين بالاعتراف بها كدولة يهودية لاعتبارات الأهداف النهائية وطرد جميع الفلسطينيين وتطهيرها حسب زعمه، وبالتالي ما عجزعن إنجازه بالآلة العسكرية والتوحش، قد يناله بالقرارات التي تبدو متسارعة في هذا السياق، لذلك تبنّى الكنيست قرارا يرفض قيام الدولة الفلسطينية 17يوليو/تموز 2024 .
العالم يدرك مظلومية الشعب العربي الفلسطيني، ولكنه عاجز أمام التهديدات الأمريكية التي تلوّح بمتلازمة ‘‘لاهاي’’، وهي ملاحقة ومحاسبة وفرض العقوبات على الذين يحاولون محاسبة إسرائيل ومساءلتها، ناهيك عن البوارج والغواصات النووية التي تجوب البحار السبعة، فالقناعة راسخة بعدالة القضية الفلسطينية التي تأتي بمؤشرات التصفيق الحاد بأروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة والقرارات التي تخرج بالإجماع لصالح القضية الفلسطينية، وها هو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينوي الاعتراف بدولة فلسطين بحلول يوليو / تموز المقبل، وأعتقد أن قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيما يخص الرسوم الجمركية على دول العالم وعدم استثنائه لأحد، وبعد توجيه كلامات نابية لماكرون، والتخلي عن أوكرانيا، كلها أسباب جعلت ماكرون يلعب على الوتر الذي يزعج ولا يؤلم الصهيو- أمريكية .
إن واقع اليوم أشبه «بصندوق باندورا»، الذي فيه من الشرور والعواقب التي لا يحُمد عقبّاها، أما عن الإجماع الدولي وقراراته بخصوص الأمن والسلم الدوليين، ذهب مع الريح، لأن الجديد هو خارج الصندوق أي صندوق العالم وقراراته التي مزقها الكيان الصهيوني وداس عليها وعلى مجلسها المسمى مجلس الأمن، بل ذهب أبعد من ذلك بتهديد الأمين العام للأمم المتحدة البرتغالي أنطونيو غوتيرس واصفين إياه بفاقد للأهلية والتوازن غداة تصريحاته وسؤاله عن الدوافع من وراء الهجوم الأسطوري للمقاومة الفلسطينية في السابع من اكتوبر 2023 .
واشنطن حالها اليوم كحال الدول الغربية إبان الحربين العالميتين، ووقوعها تحت تأثير الضغط الصهيوني الفاعل والمشغل لكل مرافق الدولة والمتحكم بالدولار، وفرض الرسوم الجمركية وربما قادم الأيام قرارات أخرى، هي بداية الاشتباك الاقتصادي العالمي، وهذا هو ميدان اللوبي اليهودي، الذي يضرب الدول ببعضها حتى لو كانت الدولة التي تحميها وتزودها بالسلاح، أليس هي من فككت الاتحاد السوفييتي أول دولة أوروبية اعترفت بكيانها؟
وربما شعرت الخلايا الصهيونية الفاعلة في واشنطن بتغيير موازين القوى، وكراهية معظم دول العالم للسلوك الأمريكي الجديد، واعتبرتها دولة شائخة، آفلة، ومن الضروري البحث عن دولة فيها الأمن والاستقرار، وربما يتم نقل الثروات وأرصدة البنوك، كما حصل قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، والأهم، أن تكون الدولة القوية مؤمنة بإسرائيل، وبالمشاريع الفتنوية التي تزعزع الاستقرار في كافة الكرة الأرضية، لأن من خلال الأزمات والاضطرابات تنشط هذه الفئة وتسيطر على طاقات العالم.
مؤشرات انهيار الولايات المتحدة بدأت، وعلى الساديين وبارونات الأرض الاستعداد للمرحلة المقبلة، وإحكام السيطرة على المستحدثات التكنولوجية الجديدة، الذكاء الاصطناعي، وشراء، وربما تهديد الشخصيات البارزة بالسير وفق الرؤية الموسوية، الحالمة بالتربّع على بحر التناقضات والاضطرابات الدولية، حيث لا يهمها الاستقرار في أي بلد مهما تربطه به علاقة، لأن شعارها الرئيس، النزاعات والصراعات من أجل البقاء .
العالم يسير على حبل مشدودٍ، والحذر والحيطة من السقوط، مناخ لا تحبذه أي دولة، لأن الاستقرار وطلب العيش من أجل إنسانية الإنسان أجندة وطنية وغالية على كل دولة في العالم، ونبذ العنف والقتل، والحلم بالأمان والسلم الدوليين، عاملان مهمان، بينما يُعتبران منفذان رئيسيان تستثمرهما هذه الثلة الفاسدة الحاقدة على الأديان، وعينها على تجريد الإنسان من إنسانيته وتحويله إلى وحش كاسر يخشى الاقتراب من أخيه والتعايش بأمن وأمان.
الدول المرشحّة لقيادة العالم، وبالتالي نقل القوة المالية، والمال والأعمال والأبناك كثيرة، ربما دولة بحد ذاتها، أو دولتان تجتمعان وتندمجان لتشكلان الهدف المزمع صهيونيا.. الهند، الصين وروسيا معا، وغالب الظن عودة الاتحاد الأوروبي الأكثر ترجيحاً لأن الشيء من مأتاه لا
يُستغرب.

