مقدمة
أي متتبع لمشهد هجمات وتصرفات وتصريحات وتحركات وسياسة الاحتلال العسكري الاسرائيلي على ارض فلسطين؛ إذا كان في الضفة الفلسطينية وفي غزة الفلسطينية يتأكد بأن هذا الاحتلال يدفع باتجاه تهجير أهالي قطاع غزة ومواطني الضفة إلى خارج أرض فلسطين وخوض حرب مفتوحة مع المقاومة، وهو ما وضع "سؤال التهجير" عنوانا لمعظم التحركات الدبلوماسية، وموضوعا مفصليا في تحليل ذلك المشهد.
وتُظهر عمليات الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة وفي مخيمات الضفة، أن الاحتلال العسكري الإسرائيلي رغم مزاعمه المستمرة بالسعي لتحقيق ما جاء في اتفاقية أوسلو وتطبيق ما يُعرف بـ"حل الدولتين"، فإن ممارسته السياسية والعسكرية على الأرض تكشف عكس ذلك تماما، حيث يستمر في اقتطاع الأراضي الفلسطينية في الضفة وبناء المستوطنات فيها، وتطبيق سياسات ترحيل وتضييق على الفلسطينيين في كلٍّ من غزة والضفة و القدس ، لدرجة تبدو معها الضفة اليوم "إسرائيلية" أكثر مما هي فلسطينية. وتعكس هذه السياسات أن مشروع السيطرة على كامل الرقعة الفلسطينية هو الأكثر حضورا في مخيلة سلطات الاحتلال العسكرية.
ويمكن القول إن أحد أبرز تجليات استمرار حضور مشروع الإحلال في ذهنية الاحتلال هو التغير الكبير الحاصل في أعداد المستوطنين في الأراضي الفلسطينية من 40 ألفا عام 1977 إلى 604 آلاف عام 2017، إلى ما يقارب ال 900 الف في منتصف 2024؛ ويتوقّع أن يبلغوا قرابة 1.9 مليون في عام 2050 (هذا في حال استمرار الاحتلال)، أي ما يعادل 30% من سكّان الضفة حينها، وهو ما تعززه"سياسة الاستيطان الرعوي" وسياسات أخرى تمارسها حكومة هذا الاحتلال بلا هوادة.
ويظل موضوع التهجير على ما يبدو حُلما قائما في المخيال الإسرائيلي، والداعمين لهذا الكيان من غربيين وعرب رجعيين. وما زال الاحتلال ينتظر اللحظة المواتية للشروع في تطبيقه من خلال مؤسساته العسكرية والسياسية، وهذا ما ينعكس في الأفعال الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وإن تعددت المنطلقات في ذلك بين يسار إسرائيلي يرى في قيام الدولة الفلسطينية خطرا قوميا على كيانه، وبين تيارات اليمين ، التي تجد في هذا استحقاقا وواجبا دينيا لا بد أن يحدث على خريطة واسعة تتجاوز حتى فلسطين بأكملها، فالمقدس الأعلى عندهم يقبع في كلٍّ من أراضي السامرة -جبال نابلس- و القدس لتمثيلهما عاصمتين لممالك بني إسرائيل البائدة.
ومن هنا عادت حكاية الهجرة التي تُمثِّل هاجسا فلسطينيا، وفرصة وحلما للاحتلال، لتُطرح مرة أخرى على طاولات السياسيين والمحللين مع تطور المعركة على الأرض في غزة، وفي مخيمات الضفة خاصة أن الاحتلال وضع لحملته هدفا سياسيا وعسكريا بعيدا هو القضاء على المقاومة ووقف "التهديد" القادم من غزة، ومن مخيمات اللاجئين في الضفة، وهو ما يعني فعليا تطبيق سياسة "الأرض المحروقة" من أجل السيطرة على غزة والضفة.
ورغم كون فكرة التهجير تواجه مجموعة من التحديات على الأصعدة السياسية والعسكرية والاجتماعية، فإنها تظل الخيار المفضل عند الاحتلال الإسرائيلي على المدى الطويل، حيث يرى الاحتلال أن نموذج السلطة الفلسطينية، خيار لم ينجح تماما كما توضح تجربة "حفظ الأمن" في الضفة، كما أن نموذج التخلي عن الاحتلال ومغادرة الأراضي كما حدث في غزة لم ينجح أيضا، ما يُبقي خيار التهجير خيارا أخيرا ومفضَّلا للجانب الإسرائيلي، وهو خيار يواجه عوائق رئيسية.
عوائق التهجير
أول هذه العوائق من وجهة نظر الاحتلال هو التحدي الدبلوماسي العالمي، وهو يتعلق بتأثير هذه الخطوة على "شرعية إسرائيل" ومكانتها الدولية. فقد اكتسب الاحتلال الاسرائيلي بعد توقيع أوسلو المشؤوم شرعية لم تحزها سابقا، حيث كانت هناك مجموعة كبيرة من دول العالم قد ربطت اعترافها بدولة لهذا الاحتلال بتوصلها والفلسطينيين إلى اتفاق سلام، أي إن جزءا لا يتجزأ من شرعية دولة الاحتلال نابع من وجود وقيام دولة فلسطينية. وبهذا فإن الاحتلال عند التفكير في مشروع التهجير الذي يعمل على تصفية وإنهاء مشروع الدولة الفلسطينية والقضية الفلسطينية برمتها، فإنها تغامر بحجم الاعتراف الدولي بها، ويزداد هذا التحدي تبعا للطريقة التي ستتبعها في دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم وترك وطنهم.
في الوقت نفسه، فإن أي عملية تهجير واسعة لا بد لها من حملات سياسية وإعلامية كبيرة وممتدة لإقناع الرأي العام العالمي بها، وبأنها الحل الوحيد المتبقي لـ"استقرار المنطقة" حسب المزاعم الإسرائيلية، وهي العملية التي يأمل قادة هذا الاحتلال ومن يدعم مشروعهم في المنطقة أن تُفضي إلى بناء دولة يهودية موحدة على كامل الأرض الفلسطينية. وعموما، يبدو هذا عرضا صعب الترويج له، وسيصعّب عملية اتصال دولة الاحتلال مع باقي دول العالم التي تحترم القانون وتقف مع القضية الوطنية الفلسطينية ومع الفلسطينيين.
لذلك، يُمثِّل تهجير الفلسطينيين لهذه الدول قضية سياسية واجتماعية واقتصادية مركبة، تضعها في تحدٍّ صعب أمام قدراتها وأمام مجتمعاتها.
يضاف إلى ذلك الأزمة التي ستواجهها شرعية هذه الدول أمام شعوبها إن هي سمحت بتصفية القضية الفلسطينية، بل سيعتبر شعوب هذه الدول بأن قادة دولهم يشاركون الاحتلال الاسرائيلي بالعمل على هندسة عملية الهجرة مع الاحتلال العسكري الاسرائيلي. ويجعل هذه الدول - حال قبوله - شريكة فعليا في عملية التهجير. ونتيجة لذلك، فإن بعض دول العالم أبدت مواقفَ واضحة تعارض هذه الفكرة.
وهناك؛ عائق مهم جدا في موضوع التهجير المطروح؛ وهو خبرة غالبية الشعب الفلسطيني وخصوصاً الذين هُجّروا أو هجر أجدادهم واباءهم من فلسطين في نكبة 1948 ، تثبت عدم قبول الفلسطينيين لفكرة التهجير من ارضهم، وهو ما حوّل الفلسطينيين إلى العنصر الأهم اليوم في إجهاض أي محاولة تهجير.
فمعظم أهالي غزة هم لاجئون فلسطينيون من اراضي فلسطين 1948؛ عايشوا الهجرة بحد ذاتها، بما هي فعل ترك الأرض والممتلكات ومغادرتها، أو السياقات المعيشية الصعبة التي أنتجتها بعد ذلك. من هنا يجدر القول إن الوعي الذي طوره أهالي غزة بالأحداث التاريخية ودورها في التهجير، مضافاً إليه خبرتهم الذاتية بخصوص الهجرة، تبني ما يشبه نظام مناعة تجاه مشروع التهجير وخصوصاً ما ينبني منه على أسس نفسية، وهو ما يجعل تهجير المهجرين معادلة تحتاج إلى جهود مضاعفة على رأسها القتل والمجازر التي يحاول الاحتلال أن ٤يأخذها إلى أقصى مدى ممكن منذ بدأت حرب طوفان الاقصى ولم تجدِ إلى الآن.
كما أن اهالي غزة عايشوا خبرةً وطنية فلسطينية لم يعايشها سواهم، من خلال حروب متكررة واشتباكات قبل تحرير القطاع، والتي تطورت لتأخذ شكل حروب دامية بعد تحريره، وهو ما بنى لديهم حالة من البناء النضالي المقاوم لذهنية هذا المجتمع بكليته، وعلى مستوى الوسائل والأدوات، وعلى مستوى التوقعات وعلى مستوى الأفكار أيضاً.
إن الحالة النفسية والذهنية التي يمتلكها أهالي غزة ومخيمات الضفة يضاف إليها تلك الصلة بين بنيتهم الاجتماعية وحركات المقاومة، وهي بنية غاية في التشابك، ذلك أن عشرات الآلاف من المقاومين الفلسطينيين المنتسبين للأجنحة العسكرية المختلفة هم أبناء ذات المجتمع، بل إن أجيالاً من الفلسطينيين في الكفاح المسلح بدأت تسلّم أجيالاً بعدها في غزة، وفي مخيمات الضفة، ما يعني أن الصلة بين الاجتماعي والسياسي والعسكري هناك لا يمكن فضّها بسهولة، فحين يتم الحديث عن تهجير الفلسطينيين اذا كان في الضفة أو في غزة لا بد من فهم هذا الترابط العميق بين المقاومين والمجتمع، والتي تصعّب من حالة التهجير وإنهاء الحالة والفكر النضالي.
كل هذه المعطيات تحكي أن الاحتلال يواجه ظروفاً صعبة ومعقدة في وجه مشروعه للتهجير، لا يجد من حلٍ أمامها سوى الاستمرار في المجازر والقتل والإبادة وهدم البيوت على اصحابها، وسياسة التجويع والترويع والاستمرار بالضغط على العالم وعلى بعض دول المنطقة للقبول بمشروعه، وهو الذي قد يأخذ كامل المنطقة إلى الانفجار.

