- مقدمة
في الحوار مع الأمين العام لحزب العمال الشيوعي التونسي الرفيق حمة الهمامي ثمة ما هو جدير بالانتباه على مستوى التحولات السياسية في تونس وعموم المنطقة، وبالأخص تفكيك سردية العدو ، نقف على فهم أوسع واشتغال عميق بتفكيك أنساق مضمرات الامبريالية وملحقاتها، وذهابا معرفيا لاستكشاف القوة الكامنة في الشعوب المقاومة والتي تضحي من أجل حريتها واستقلالها، حوار يتضمن رؤية جدلية لحقائق الصراع، قراءة واستشرافا بآن.
أجرى الحوار : محمد أبوشريفة – مدير تحرير الهدف
- أبرز طوفان الأقصى وحرب الإبادة طيلة هذه المدة أهمية خوض معركة الوعي، ما أهمية هذه المعركة بالنسبة لشعوب العالم وشعوب منطقتنا بوجه خاص؟ وما هي محاورها الأساسية وما هي وسائلها؟
إن الأفكار هي التي تشكّل وعي النّاس وتحرّكهم في هذا الاتّجاه أو ذاك. فلتأكيد الهيمنة المادية على المجتمع وتثبيتها تعمل الطبقات الرّجعية وتحديدا البورجوازية الاحتكاريّة العالميّة اليوم على الهيمنة على العقول لتقنع الأغلبيّة بـ"صحّة مشروعها" و"سلامة ممارساتها" وتقديمها على ألّا "بديل لها"، لـ"تحقيق الرفاه والسّلم للمجتمع والإنسانيّة". وهي تستعمل، من أجل تحقيق هذه الهيمنة، كافّة وسائل الدّعاية من وسائل إعلام واتصال ومؤسسات سياسية وتعليمية وبحثية وثقافية ودينيّة وغيرها. كما أنّها تستعمل كافّة الأساليب الخبيثة، وفي مقدّمتها الكذب والتّلفيق والابتزاز، لحشو العقول بما تريد حشوه بهدف كسبها وحشدها لصالح سياساتها وممارساتها الرجعيّة والوحشيّة وهي تخصص لذلك ميزانيّات ضخمة ممّا مكّنها من تطوير تقنيات الاتصال والبثّ بدرجة غير مسبوقة لترويج بضاعتها الأيديولوجيّة والسّياسيّة وضمان التحكّم في أنماط التّفكير وتكييفها وفق تصوّر البورجوازيّة للفرد والمجتمع في عصرنا الحالي.
وقد أكّدت معركة طوفان الأقصى هذه الحقيقة حيث تجنّدت ماكينة الدعاية الإمبريالية الصهيونية الرجعية بكلّ ما لديها من تقنيات متطوّرة لتبرير حرب الإبادة التي تشنّها ضدّ غزّة والضفة والشعب الفلسطيني عامّة وتشريعها عبر تقديم الظالم على أنّه المظلوم والمحتلّ على أنّه صاحب الأرض والوحشية على أنّها الحضارة والفاشية على أنّها الديمقراطية والباطل على أنّه الحق والعكس بالعكس الخ...وقد كان لهذه الدعاية مفعولها في الرّأي العام الغربي خاصّة الذي وقفت قطاعات واسعة منه، بناء على السرديّة المقدمة إليه، إلى جانب المجازر التي ارتكبها ويرتكبها الكيان النازي ضد الشعب الفلسطيني وكذلك إلى جانب دعم حكوماته المالية والحربية لهذا الكيان.
وما من شكّ في أن المقاومة كانت منذ البداية تدرك هذا الأمر فكان لها ذراعها الإعلاميّ والدّعائيّ الخاصّ. كما كان لها إعلاميون ينتصرون لها لم يتوانوا عن كشف الحقائق وإظهار الأباطيل سواء عبر وسائل الإعلام التقليدية أو عبر تقنيات الاتصال الجديدة التي تمكّن من مشاهدة المجازر على الهواء مباشرة. وقد ساهم ذلك تدريجيّا في إحداث تغيّرات ولو كانت نسبيّة في الرّأي العام العالمي والغربي خصوصا. إن جانبا كبيرا من الدعاية الصهيونيّة الإمبريالية الرجعية قد تعرّى وانكشف أمام العالم. ولكن ذلك غير كاف لأن معركة الوعي لا بد من مواصلتها وتعبئة كل الإمكانيات لكسبها مهما كان حجم إمكانيات الأعداء.
إنّ المحور الأساسي الذي ينبغي أن ينصبّ عليه الاهتمام في معركة الوعي هذه هو الطابع الوطني للقضية الفلسطينية، و إبراز أن المعركة القائمة هي معركة بين شعب محتل، شعب اغتصبت منه أرضه ويراد إبادته ومحقه وبين كيان استعماري، استيطاني، إحلالي، توسّعي مرتبط عضويا بالإمبريالية الغربية وعلى رأسها الامبريالية الأمريكية ومصالحها الهيمنية في المنطقة. في كلمة ينبغي أن ينصبّ على كشف طبيعة المشروع الصهيوني وتعريته. ولا بد في هذا الإطار من تعبئة كل الوسائل لشرح هذه المسألة من مؤسسات بحثية وفنون وآداب ومؤسسات إعلامية وأحزاب ومنظمات مجتمع مدني ونقابات وغيرها. ومن المهم في هذا المجال خلق الأطر التنسيقية واستثمار العلاقات بالحركات التّقدميّة والثّوريّة في العالم، وهو جانب يشكو من ضعف كبير اليوم.
- طيلة حرب الإبادة يمكن القول إن التضامن الشعبي على مستوى منطقتنا ظل متواضعا إذا ما استثنينا قلة من البلدان ما هو تقييمك لهذا التضامن بشكل عام وفي تونس خاصة؟ ما أسباب ذلك؟
فعلا، لقد ظلّ التضامن الشعبي في منطقتنا مع المقاومة ومع الشعب الفلسطيني عامة ضعيفا. فباستثناء بعض البلدان (اليمن، المغرب، الأردن وبشكل أقل تونس) لم نر تحركات ذات أهميّة في باقي البلدان العربية بدءا من الجزائر و مصر ولبنان وصولا إلى بلدان الخليج، وفي رأيي فإن الأسباب واضحة.
إن الحركة الاجتماعية والشعبية في الأقطار العربية تمرّ بحالة تراجع أو جزر فظيعة لم تمكنها من القيام بدورها في هذه اللحظة. فقد شهدت منطقتنا موجة من الثورات والانتفاضات والحراكات من المحيط إلى الخليج ما بين 2010-2011، لكن الرجعية المدعومة من قوى إقليمية ودولية إمبريالية تمكنت من إجهاضها وفي بعض الأحيان تحويلها إلى حروب أهلية وإقليمية مدمرة. ثم جاءت موجة ثورية ثانية في سنة 2017 طالت عديد الأقطار من الجزائر إلى لبنان والعراق و السودان وغيرها. ولكن هذه الموجة الجديدة تمّ إخمادها أو تحويلها إلى حرب أهلية جديدة كما هو الحال في السودان الآن وتعززت نتيجة ذلك غطرسة القوى الرجعية في المنطقة.
لقد تراجعت القوى الثورية والتقدمية كما تراجعت النقابات ومنظمات المجتمع المدني والحركات النسائية والشبابية والثقافيّة التي اعتادت في السابق تعبئة الجماهير إلى جانب القضية الفلسطينية حتى في الظروف الصعبة. إن الشعوب التي لا تقدر على الدفاع عن أبسط حقوقها المادية والمعنوية لا تقدر على مساندة الشعب الفلسطيني بالدرجة المطلوبة لأنها هي في حدّ ذاتها في حالة كبيرة من العجز والإحباط، ومن واجب القوى الثورية والتقدمية في هذه الحالة خوض معركة الوعي والتنظيم للخروج بشعوبنا من حالة الجزر هذه.
وهذه المهمة طرحت علينا ومازالت تطرح في تونس. لقد ثار شعبنا ضدّ الدكتاتورية وأسقطها تحت شعار: "شغل، حرية، كرامة وطنيّة"، وتمكّن بعد أن أفتك حريته من تدشين مرحلة جديدة كان يأمل أن يحقق فيها مطامحه. لكن القوى السياسية، الدينية والليبرالية، التي تعاقبت على الحكم منذ الثورة أدارت ظهرها لمطالب الشعب وحصرت التغيير في مستوى سياسي وتحديدا في مستوى شكل النظام. إذ انتقلت بلادنا من نظام دكتاتوري إلى نظام ديمقراطي ليبرالي دون مساس بالقاعدة الطبقية للدكتاتورية بل إن البورجوازية العميلة التي شكلت تلك القاعدة تمكنت من التكيف مع الوضع الجديد ووضعت يدها على المكاسب الديمقراطيّة وربطت مع منظومة الحكم الجديدة لتؤمّن استمرار نفس الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الرجعية التي ثار ضدها الشعب التونسي. وهو ما فاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وعمق الفساد وعفّن الأوضاع الشيء الذي خلق ظرفا مناسبا لتنامي تيار شعبوي، فاشي لا يختلف في طبيعته عن التيارات الشعبوية الرجعية الفاشية التي نشهدها اليوم في العالم.
- استغل قيس سعيّد نقمة قطاعات واسعة من الشعب على الحكومات المتعاقبة على السلطة منذ الثورة لتصفية المكتسبات الديمقراطية وإرساء حكم فردي مطلق وشن حملة قمعية تستهدف الأحزاب والمنظمات والجمعيات والإعلام والفعاليات الشبابية والثقافية في نفس الوقت الذي تعمّقت فيه البطالة والفقر والبؤس وغلاء المعيشة والتبعية للخارج الخ... هذا الوضع كان وما يزال له تأثيره في حالة الحركة السياسية والنقابية والمدنية وكذلك في حالة الحركة الاجتماعية والشعبية التي تراجعت رغم أنّها لم تخفت تماما وهو ما يفسّر ضعف التضامن الشعبي هذه المرة مع القضية الفلسطينية. ولكن ينبغي القول إنّ الحركة تعيش بدايات إعادة بناء مع افتضاح منظومة الحكم واتساع رقعة معارضتها. وقد شمل هذا الافتضاح موقف سلطة الانقلاب من موضوع التّطبيع فبعد أن روّج قيس سعيّد في حملته الانتخابية أن التطبيع خيانة عظمى أوقف عملية التصويت في برلمانه على مشروع قانون لتجريم التطبيع معتبرا أنّ التصويت عليه يعدّ "مؤامرة ضد الأمن الخارجي للبلاد". وقد اتضح، حسب وسائل الإعلام، أن وقف عملية التصويت جاءت إثر تدخّل مباشر من السفير الأمريكي. يضاف إلى ذلك أنّ مظاهر التطبيع لم تتوقف حتّى اليوم.
- يروّج البعض أنّ حرب غزة حرب دينية، كيف تقرأ ذلك؟
هذه مغالطة كبرى تهدف إلى تشويه طبيعة القضية، ومن واجب القوى الثورية والتقدّمية التصدّي لذلك. إنّ الحرب الدائرة في غزّة ليست حربا دينيّة بين مسلمين من جهة ويهود من جهة أخرى وإنما هي حرب بين شعب فلسطيني بمختلف فئاته الاجتماعية وانتماءاته العقائديّة، يكافح من أجل تحرير أرضه المغتصبة من قبل كيان استعماري استيطاني يمثل رأس حربة الاحتكارات الرّأسمالية الامبريالية الغربية في المنطقة. ما من شكّ في أنّه توجد في حركة التحرير الوطني الفلسطيني فصائل لها خلفية إسلامية مثل حماس والجهاد الإسلامي وهي تقوم بدور متقدّم وأساسي في المقاومة إلى جانب قوى أخرى يسارية وتقدّميّة. وهذا طبيعي في حركة تحرّر وطني تشمل غالبية فئات المجتمع الفلسطيني بمختلف قطاعاته عدا القلّة القليلة من الخونة والمتواطئين. إن هذه الفصائل تناضل بخلفيّتها الأيديولوجيّة الدّينيّة من أجل تحرير الأرض ودحر الاحتلال وهذا هو الذي يحدد موقعها في المعركة. فحين يتعلق الأمر بمقاومة الاستعمار فإن المحدّد في موقع كلّ طرف سياسي واجتماعي موقفه من المستعمر، من التناقض الرّئيسي مع المحتلّ. زد على ذلك فإنّ الموقع الذي تحتله القدس في المعركة والذي تتبنّاه كل فصائل المقاومة ليس له طابع ديني مجرّد وإنّما له خلفية وطنية لأن الكيان الصهيوني لا يستهدف الأرض فقط وإنما يستهدف أيضا الأماكن المقدسة للشعب الفلسطيني والمسلمين كما أنّه يستهدف الثقافة واللغة والتراث والعادات والتقاليد بل كل ما له صلة بهوية الشعب الفلسطيني بهدف محقه، وفي هذا السياق فهو لا يستهدف كل ما هو إسلامي وإنما كل ما هو مسيحي أيضا. وبالتالي فإن أصوات رجال الدين الفلسطينيين المسيحيين التي تدين الاحتلال هي جزء من الحركة الوطنيّة الفلسطينية، وما يفعله الكيان الصهيوني من تدمير للمعالم الدينية والتراثية ليس بالأمر الجديد فهو لازمة من لوازم الاستعمار وخاصة الاستيطاني الإحلالي منه الذي يعمل على محق كل ما له صلة بأصحاب الأرض الأصليين بما فيها مقدّساتهم.
إن استعمال اليهودية من طرف الصهاينة لا يغير من طبيعة الحرب الدائرة. فاليهودية توظف هنا كمرتكز للإيديولوجية الصهيونيّة لتبرير مشروعها الاستيطاني الإحلالي و توظّف الديانة اليهودية للإيهام بوجود شعب يهودي وأمة يهودية أرضهما فلسطين بناء على سرديات مزورة تستعمل غطاء لحرب الإبادة (العودة إلى أرض الميعاد) من جهة ولمحاولة خلق رابطة بين المستوطنين القادمين إلى فلسطين من أقطار عدة وشعوب عدة وقوميات وأجناس عدّة من جهة أخرى. إن عنصر الدين لا يكفي وحده لتكوين شعب أو أمة، إن الشعوب الكثيرة التي تنتمي إلى المسيحية لا تكون شعبا واحدا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأمم.
ومن حسن الحظ أن مجريات الواقع ما انفكت تؤكد الطابع السياسي الطبقي لحرب غزة وللقضية الفلسطينية عامة. ففي العالم وخاصة في الولايات المتحدة خرج يهود كثر ليتباينوا مع الصهيونية ويقفوا ضد حرب الإبادة ويسندوا الشعب الفلسطيني في نضاله الوطني. وفي المنطقة توجد أنظمة تدعي أنها تمثل الإسلام لكن هذه الأنظمة وقفت عمليا مع الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية لأن مصلحتها معهما وليس مع المقاومة. وهو ما يؤكّد أن الحرب في غزة ليست حربا دينيّة وإنما هي حرب تقابل بين شعب فلسطيني متمسّك بأرضه ووطنه وبين كيان غاصب، نازي خلقه الاستعمار في قلب المنطقة ليكون رأس حربته في الهيمنة عليها.
ألم يصرّح رئيس حكومة بريطانيا سنة 1907 في "مؤتمر الجبهة الاستعماريّة": "إن الخطر الذي يهدد الاستعمار يكمن في البحر الأبيض المتوسّط. ففي هذه المنطقة يقيم شعب واحد وهو الشعب العربي الذي يتميز بكل مقومات الوحدة (اللغة والدين والثقافة) وإذا اتحد سيمثل خطرا علينا في هذه المنطقة الاستراتيجية لذلك على القوى الاستعمارية العمل على تفكيكه وإقامة كائن غريب داخله يمكن استعماله لتحقيق أهدافها". هذا هو الأساس الاستعماري، الامبريالي، الرّأسمالي الذي انبنى عليه الكيان الصهيوني والذي ظلّ يؤكّده أقطاب الإمبريالية الغربيّة على الدّوام ("لو لم تكن هناك إسرائيل لكان على أمريكا خلقها لحماية مصالحها" قالها جو بايدن سنة 1986 وكرّرها أثناء رئاسته سنة 2022 حين صرّح: "لو لم تكن هناك إسرائيل لكنّا أوجدناها"). وما تبقّى فهو تركيبات دينيّة وتاريخيّة وثقافية زائفة لتمرير هذا الكيان وتشريعه.
4- ما هي توقعاتك للمشهد السياسي القادم في المنطقة بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ؟
انتهت زيارة ترامب للمنطقة العربية والإقليم. فعمّ أسفرت؟ لقد عاد "التاجر والمرابي" إلى الولايات المتحدة الأمريكية بثلاثة تريليونات ومئتي مليون دولار من السعودية و قطر والإمارات عدا الهدايا الشخصية. فماذا يعني ذلك؟ إنّه يعني أنّه جاء لنهب أموال بعض العائلات المالكة ، التي تدين ببقائها في الحكم للولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك فهي تدفع لها الأتاوات لضمان بقائها. في نفس الوقت تواصلت حرب الإبادة في غزة والضفّة الغربيّة بدعم مباشر من إدارة ترامب، وبالطّبع لم تكن هذه الحرب محورا من محاور اللقاء مع "الضّيف المبجّل" أوّلا لأنّ "مستضيفيه" يخشون إثارة غضبه وثانيا لأنّ القضية الفلسطينيّة لا تعنيهم بل إنّ مصلحتهم، وهو ما فضحه "طوفان الأقصى" على مدى 19 شهرا، في إنهاء المقاومة وقبر القضيّة لتشديد القبضة على شعوبهم والمضي قدما في التطبيع مع الكيان الغاصب تحت المظلة الأمريكية الواحدة التي تتولّى إدارة "المزرعة" طبقا لمصالحها الهيمنية الكبرى. في المحصلة جاء ترامب إلى المنطقة للنّهب وتعزيز حضور الولايات المتحدة في وجه روسيا والصين وحليفهما الإيراني. إن الإمبريالية الأمريكية كانت وما تزال العدوّ اللّدود والرئيسي لشعوب المنطقة.
إن مزيّة "طوفان الأقصى" أنّه عمّق الفرز في الساحة العربية والإسلاميّة ولم يترك أيّ مجال للتلاعب بالقضية الفلسطينيّة وتوظيفها ديماغوجيّا من قبل هذا النظام أو ذاك من الأنظمة العربية بل ومن أنظمة الإقليم. وهذا الفرز شمل الساحة الفلسطينية نفسها أيضا إذ نزع طوفان الأقصى ما تبقّى من ورقة التوت عن عباس وسلطته وأظهرهما على حقيقتيهما أي مجرّد أدوات بيد المحتل وأربابه في واشنطن والغرب، وقد تجاوز الفرز المنطقة حقيقة مواقف جميع الأطراف الدولية. فماذا فعلت الصين مثلا بالنظر إلى حجمها للمقاومة الفلسطينيّة والشعب الفلسطيني عدا التصريحات التي لا تغني ولا تسمن من جوع؟ هل أوقفت تعاملها المالي والتجاري والتكنولوجي مع الكيان علما أنها تمثل أكبر مصدّر له للسّلع منذ 2020 كما أن استثماراتها فيه تبلغ 19 مليار دولار وقد ذهب بعضه لميناء حيفا وبعضها الآخر للقطار الخفيف في "الخط الأحمر" الذي سيشقّ طريقه إلى مستوطنات السهل الساحلي الفلسطيني؟ هل أوقفت تزويده بالسّلع خلال حرب الإبادة هذه التي استعمل فيها الكيان التجويع سلاحا ضدّ أهالي غزّة؟ هل قامت حتى بحركة رمزية مثل استدعاء سفيرها لدى الكيان؟ بالطبع لا فالصّين لا تنظر إلى الوضع في المنطقة إلّا من زاوية مصالحها القومية كدولة احتكاريّة، امبرياليّة، عظمى ناشئة تبحث عبر مشروع "الطريق والحزام" عن استعادة مجدها الإمبراطوري القديم عبر إعادة اقتسام مناطق النفوذ في العالم. وروسيا ماذا فعلت أيضا عدا استغلالها للوضع لتخفيف الضغط عليها في حربها في أوكرانيا؟ هل ضغطت على الكيان أو أوقفت التعامل معه أو قطعت علاقاتها به؟ بالطبع لا فهي منقادة أوّلا وأخيرا بمصالحها القومية البورجوازيّة.
إن الدّرس الأكبر الذي ينبغي للشعوب العربية استخلاصه من "طوفان الأقصى" هو ألّا خلاص لها إلّا بالتعويل على نفسها أوّلا وتعبئة صفوفها وتنظيمها لكنس أنظمتها العميلة المستبدة وكنس مصالح القوى الامبريالية المهيمنة عليها وفي مقدّمتها الولايات المتحدة والتكتل مع الشعب الفلسطيني لكنس الكيان الغاصب الذي يمثل رأس حربة تلك القوى. ولئن كانت مطالبة بالتركيز أولا على هذه المهمة فهي مطالبة بالانتباه إلى صراع القوى الكبرى في المنطقة من أجل الهيمنة عليها حتى لا تقع ضحية الأوهام ويُغدر بها وتستبدل استعمارا باستعمار. وما من شكّ في أن مهمة التحرير شاقة وهي تطرح في موازين قوى صعبة وفي غير صالح الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة لكن لا مفرّ من تحمل المسؤولية فالشعوب لا تختار الظروف التي تناضل فيها وإنما تفرض عليها ومن واجبها أن تُجِيدَ التعاطي معها. وفي هذا السياق فإن المهمّة التي تطرح اليوم على القوى الوطنية المعادية للإمبريالية والصهيونية والرّجعية هي التفكير بجدية في تكتيل صفوفها على قاعدة برنامج يستجيب لمهمات المرحلة.
5-هناك مخطط تهجير واقتلاع تعد له سلطات الاحتلال الإسرائيلي لاجتثاث كل فلسطيني في غزة ما هو استعداد الجهات الرسمية والمؤسسات العربية والدولية لمثل هذا المخطط؟
إن مخطط تهجير أهالي غزة وربما الضفة واقتلاعهم من أرضهم موجود وواضح وعبّر عنه قادة الكيان كما عبّر عنه فاشيو الإدارة الأمريكية الجديدة وعلى رأسهم دونالد ترامب. التهجير هو من البداية جزء لا يتجزّأ من المشروع الصهيوني الامبريالي، مورس منذ اليوم الأوّل واستمرّ على مدى عقود. وفي اعتقادي من الوهم التعويل على "الجهات الرسمية والمؤسسات العربية والدولية" لمواجهة هذا المخطط.
إن هذه الأطراف التي لم تتحرك لمدة 19 شهرا لوضع حدّ لحرب الإبادة، لا ينبغي الاعتقاد أنّها ستتحرك اليوم لإيقاف ذلك المخطّط. إن المجازر الأخيرة في غزّة بيّنت أنّها قد تحرج بعض الحكومات الغربية التي كان بعضها يدعم بشكل مباشر الكيان في حربه لكنّها لا تحرج أنظمة العمالة والخيانة العربية والإسلامية التي تنتظر متى ينهي الكيان وراعيه الأمريكي بؤر المقاومة في المنطقة سواء في فلسطين أو في اليمن الأبي أو في لبنان. إن المقاومة أساسا هي التي ستتصدّى لهذا المخطط وستفشله والواجب كل الواجب أن تتحرك قوى الإسناد في المنطقة والعالم لدعم مقاومة الشعب الفلسطيني وتكثيف الضّغط على الدول الداعمة للكيان كي تكف عن دعمه بالسلاح والمال وعن توفير الغطاء السياسي له.
إن الضغط الذي مورس طوال المدة الفارطة نتيجة الاحتجاجات في البلدان الغربية وحملات الفضح والتوعية التي قامت بها القوى التقدمية مضافا إليها إمعان العدو الصهيوني في مجازره بشكل فج وغير مسبوق تم نقله للمشاهد مباشرة هو الذي يدفع اليوم ببعض الحكومات إلى التذمر من الناتن يهو وتهديده بالعقوبات. ومن شأن تواصل حركة التضامن في العالم أن تحرج أكثر العديد من الحكومات خاصة في ظل الخلافات التي ولّدها مجيء ترامب إلى البيت الأبيض.
6- البعض يقول مستنكرا ماذا حقق صمود أهل غزة لعموم الفلسطينيين والعرب سوى الدمار ووقوع مئات الآلاف من الجرحى والشهداء والمهجرين؟ برأيكم هل نحن أمام استحقاق إمكانية زوال المحتل وتحرير فلسطين أم أن التحرير أصبح صعب المنال ارتباطا بالأقوال آنفة الذكر؟
هذه المواقف الإنهزامية ليست جديدة بل إنّها رافقت كل الحركات الثورية والتحرّرية وهي عامّة ما تشتغل عليها القوى المعادية للثورة داخل المجتمع إضافة إلى العنصر البورجوازي الصّغير المتذبذب وضيّق الأفق كما يشتغل عليها العدوّ. وتهدف هذه المواقف إلى زرع الإحباط والتشكيك في قدرة الشعوب وقواها الحيّة على المقاومة والانتصار وحملها على الإستكانة وقبول الواقع المرّ، وفي قضية الحال فإن الهدف من تلك المواقف لا يعني غير الرضوخ للاحتلال وشروطه بذريعة أنّه "قويّ" وبأنّ "موازين القوى لصالحه" وأنّه " مدعوم من القوى العظمى وأنّ محاربته تعني محاربة هذه القوى ممّا يجعل الانتصار عليه مستحيلا" إلى غير ذلك من "التخاريف" السّخيفة التي يستند إليها للدعوة إلى التعويل على الأساليب "السلمية" و"التفاوضية" وعلى "الشرعية الدولية" والقبول بـ"الفُتات الممكن" تحت غطاء أنّ "السياسة فنّ الممكن"، كلّ ذلك في تغييب كامل لعنصر الإرادة ولدور العامل الذّاتي في تحريك موازين القوى وحلحلتها وتغييرها عبر مراكمة القوى. ومن المعلوم أنّ تجارب الشعوب والثورات وحركات التحرر الوطني بيّنت خور هذه "التخريفات" وعدم جدواها بل إنّ تاريخ الشعب الفلسطيني ذاته بيّن أنّها تشجّع الاحتلال على المضيّ قدما في ارتكاب جرائمه وفي تحقيق أهدافه، وأكبر شاهد على ذلك اتفاقية أوسلو والنهج الذي يسلكه محمود عبّاس منذ أكثر من عقدين من وجوده في رام اللّه تنفيذا لتلك الاتفاقية التي مكّنت العدو الصهيوني من تحقيق ما لم يحققه بالحرب من توسّع مستمر في الضفّة وحماية للمستوطنات برعاية أمن "السلطة". وبالمقابل فقد بيّن ذلك التاريخ أنّ ما من مكسب حقّقه الفلسطينيون إلّا وكان نتيجة صمودهم ومقاومتهم.
إن المقاومة تقتضي تضحيات كبيرة خاصة في حالة الاستعمار الإستيطاني الإحلالي المرتبط عضويا بالمشروع الإمبريالي الأمريكي الغربي في المنطقة الذي يجعل من المواجهة مع الكيان مواجهة مع "أولياء أمره"، زد على ذلك اختلال موازين القوى الكبير في اللحظة الراهنة لصالح أعداء الشعب الفلسطيني كيانا صهيونيّا وقوى إمبريالية ورجعية عربية وإسلاميّة وهذا معطى موضوعي لا يمكن القفز عليه بل ينبغي مراعاته في التقييم. وبالتالي لا بدّ من النظر إلى طوفان الأقصى في هذا الإطار الملموس وليس بشكل مطلق للوقوف عند ما أحدثه من تغييرات في المعادلة القائمة حتى لو كانت هذه التغييرات جزئيّة. ومن الخطأ كلّ الخطأ حصر النظر إلى طوفان الأقصى فيما أحدثه المحتل من دمار وخراب وارتكبه من مجازر على حساب المدنيين والنساء والأطفال فذلك من طبيعة العدو النازي من جهة ولا يمكن إدراجه في خانة "المكاسب" و"النجاحات" من جهة ثانية. إن زاوية النظر ينبغي أن تكون سياسية عسكرية ملموسة، وبناء على ذلك فإنّ طوفان الأقصى زعزع الكيان وألحق به هزائم معنوية وعسكرية استراتيجية، وليس أدل على ذلك من عجزه عن تحقيق أهدافه المعلنة بعد 19 شهرا من إطلاق حربه الإبادية ضد غزّة التي استعمل فيها كل الأساليب الوحشية التي يمكن أن يتصورها أو لا يتصورها العقل ومع ذلك فإنّ المقاومة لم يقض عليها بل مازالت صامدة وقادرة على إيلام العدو وهي تكتسب خبرة أكثر فأكثر في كافة المستويات باعتراف جنرالات الكيان ذاته. ومازال أهل غزة المراد تهجيرهم قسرا متمسكين بأرضهم. في حرب جوان (حزيران) عام 1967 هزم الكيان جيوش ستّة أقطار عربية مدججة بالسلاح وفرض عليها الاستسلام واحتل أجزاء هامة من أراضيها. صحيح أن المقاومة خسرت الكثير من قادتها ومن عتادها. كما أن أهالي غزة فقدوا عشرات الآلاف من أبنائهم وبناتهم كما فقدوا بيوتهم ومستشفياتهم وهم عرضة للتجويع الممنهج والحرمان من الماء والدواء والكهرباء لإخضاعهم وكسر إرادتهم. لكنّ ذلك كلّه لم يثنهم عن مواصلة المقاومة والصمود، وفوق ذلك كلّه منذ متى كان للاستعمار أساليب أخرى غير هذه الأساليب الوحشية التي أنتجتها الرّأسماليّة المجرمة؟ وهل أنّ الشعب الفلسطيني هو أوّل من يتعرّض لمثل هذه الأساليب؟ لنتذكر الجزائر وفيتنام وغيرهما من البلدان. الجزائر دفعت ثمن استقلالها مليون ونصف المليون شهيد، وفيتنام 4 ملايين شهيد أي ما يعادل ثمن سكّان البلاد.
التحرر سيرورة فيها تراكم، تتخلله انتصارات كما تتخلله هزائم وانتصارات وهكذا دواليك حتى تحقيق النّصر التام والحاسم.
إن تحرير فلسطين يتطلّب في كل الحالات ومن باب أولى وأحرى حين تكون موازين القوى مختلة بالكامل لصالح العدو تضحيات كبيرة، وهذه التضحيات ينبغي وضعها في الحسبان ولا ينبغي أن تكون ذريعة للتخلي عن النضال والمقاومة. فما هو المطلوب من غزّة المحاصرة برا وجوا وبحرا منذ 16 سنة غير المقاومة؟ وما هو المطلوب من الشعب الفلسطيني الذي تقضم أرضه قطعة قطعة في إطار اتفاقية أوسلو المهينة وهو يشرّد ويقتل ويعتقل أبناؤه وبناته بالآلاف منذ 70 سنة غير المقاومة وتقديم التضحيات؟ هل كان عليه أن ينتظر حتى يمسح وطنه من الخريطة ويهوّد بالكامل؟ ما ينساه أو يتناساه الإنهزاميون وقصيرو النظر أنّه حتّى إن لم يتم "طوفان الأقصى" كان سيحصل نفس الشيء وفقا لما كشفته أوساط صهيونيّة. فالناتن ياهو ووزراؤه من اليمين المتطرّف كانوا بصدد إعداد هجوم على غزّة من بين أهدافه احتواء الأزمة الداخلية في الكيان علاوة على تدمير مقدرات المقاومة وقطع خطوة أخرى نحو تحقيق "حلم إسرائيل الكبرى" الذي يبدأ بإفراغ فلسطين من الفلسطينيين قبل المرور إلى أقطار أخرى في المنطقة.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الحرب ليست من مصلحة الكيان فقط بل من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين الذين يخشون تطور مصالح الصين وروسيا الرأسمالية الاحتكاريّة في المنطقة وتعزّز قوة إيران وحلفائها في بؤر المقاومة. كما أن الحرب من مصلحة أنظمة العمالة والخيانة العربية والإسلاميّة التي كانت تستعد قبل طوفان الأقصى لتدشين صفحة جديدة من صفحات التطبيع المظلمة في إطار "صفقة القرن" و"الاتفاق الإبراهيمي".
- كان من مصلحتهم جميعا شنّ الحرب لكسر المقاومة في فلسطين وتحييد حزب الله في لبنان والتصدّي للتّمدّد الروسي (العسكري أساسا) والصّيني (التجاري والمالي أساسا) في المنطقة وتحقيق مشروع "الشرق الأوسط الجديد" القائم على تفتيت شعوب المنطقة على أسس دينية وطائفية وعرقية وإدخالها في أتون حروب أهلية لا تنتهي.
وفي المحصلة فإن طوفان الأقصى حلقة في غاية الأهمية من حلقات نضال الشّعب الفلسطيني من أجل تحرّره. فبالإضافة إلى صمود المقاومة والأهالي في غزة (والضفّة) رغم الخسائر البشرية والدمار المادّي فإن طوفان الأقصى أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام باعتبارها قضيّة تحرّر وطني بعد أن كادت أن تقبر، وساهم بشكل واضح في فضح طبيعة الكيان النّازيّ وتعرية وجهه القبيح أمام شعوب العالم التي خرجت إلى الشّوارع للتضامن مع الشعب الفلسطيني في هبّة مناهضة للإمبريالية تذكّرنا بما حصل مع فيتنام في ستينيات القرن الماضي. ورغم أن وضع المقاومة الفلسطينية صعب للغاية اليوم بعد الذي حدث في لبنان وسورية خاصّة وبعد تراجع حركة التضامن العالمي فإنّنا واثقون بأنّها ستصمد وأنّها ستراكم على ما كسبته وتعلّمته من "طوفان الأقصى" فالشعوب لا تتعلّم من انتصاراتها فقط بل إنها تتعلم أحيانا من هزائمها أكثر مما تتعلم من انتصاراتها. وما طوفان الأقصى ذاته إلا امتداد وتطوير لكل المعارك السابقة لتي خاضها الشعب الفلسطيني وسيكون إيذانا بمعارك أخرى مستقبلية أقوى وأنجع. وإذا كان لنا من رأي نريد التعبير عنه في هذا السياق فهو يتمثل في جملة من الملاحظات أوّلها أنّه بات من الملح أن تنتهي مرحلة "الفصائل" في فلسطين لبناء جبهة وطنية جامعة على أساس أرضية برنامج تحرر وطني وثانيها التوجه نحو تكوين جيش تحرير وطني جامع وثالثها وضع خطة تكتيكية تراعي خصائص الواقع الفلسطيني المعقّد يكون فيه لكلّ "قطاع" (غزة، الضفّة، القدس، الداخل المحتل سنة 1948، الشتات) الدور المناسب في إطار تيّار تحرّري جامع. أمّا القوى الثورية والتقدمية والمعادية للإمبريالية في الأقطار العربية والمنطقة فهي مدعوة إلى العمل الجاد والحثيث من أجل إسناد المقاومة الفلسطينية ووقف حرب الإبادة فورا مع ما يقتضيه ذلك من تنسيق، على أن تجعل من مهمّة التحرّر من الصهيونيّة والإمبريالية مهمّة شعوب المنطقة بأسرها لأنّ هذه الشعوب تواجه عدوّا مشتركا يمثّل أكبر خطر على مصالحها وأمنها حاضرا ومستقبلا.
7- يعيش العالم أزمات اقتصادية بسبب توحش الرأسمالية وتهديد مستقبل الشعوب، خاصة بعد أن أقر الرئيس الأميركي رفع التعرفة الجمركية، كيف يمكن لقوى اليسار العربي والأممي أن تقوم بدورها في مواجهة السياسات الإمبريالية؟
علينا أن ندرك أنّ عالمنا اليوم بما فيه منطقتنا قد دخلت طورا جديدا من الصراعات الحبلى بالمخاطر و أدّت كل أزمات النظام الرأسمالي العالمي الكبرى إلى تغيرات في العالم. إن الدول الإمبريالية تعمل جاهدة في كل مرة على حل أزمتها على حساب الطبقة العاملة والشعوب التي تجد نفسها عرضة للقمع والتفقير من جهة وعلى حساب بعضها البعض من جهة أخرى، وما الحرب التجارية الضروس التي أطلقها ترامب ضدّ منافسي الولايات المتحدة الآخرين سواء كانوا من حلفائها التقليديين (أوروبا، كندا...) أو من القوى الرأسمالية الاحتكارية الأخرى الصّاعد منها مثل الصّين أو العائد من بعيد مثل روسيا، بالتزامن مع تصعيد وتيرة التسلّح في كافة هذه الأقطاب المتصارعة إلّا إيذانا بمواجهات لا هدف منها سوى قلب موازين القوى صلب العلاقات الدولية. وتجدر الملاحظة في هذا السياق إلى أن ما يميز اللّحظة الراهنة، ليس الخروج من/ أو القطع مع/ طور النيوليبرالية المتوحشة التي دشنتها الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي واستمرت حتى بعد سقوط الإتحاد السوفياتي في ظل سيادة العولمة الرأسمالية وإنما الاستمرار في نفس النهج مع إعادة صياغة هذه العولمة وفق مصالح كل طرف من الأطراف التي تعمل على أن تكون هي المستفيد الأول من الوضع. فإذا كانت العولمة في صيغتها السابقة تخضع على العموم لقواعد يطرح على مختلف القوى المتصارعة احترامها بشكل أو بآخر لتنظيم تنافسها في إطار منظمات دولية وإقليمية يساهم الجميع في دعمها فقد أصبح الوضع اليوم مختلفا. لقد دفع احتداد الأزمة إلى صعود قوى قومية شوفينية فاشيّة وعدوانية إلى الحكم في أهم المراكز الامبريالية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي ظلّت لمدّة تهيمن على العالم دون منازع. إن هذه القوى لم تراجع أسس العولمة الرأسمالية وإنّما هي بصدد مراجعة الشروط التي تحكمها فالمصالح القومية الشوفينية تدفع بكل دولة من الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة إلى أن تكون المستفيد الأول من هذه العولمة على حساب البقية ولا يضيرها في شيء التنصل من كل الإلتزامات والاتفاقات السابقة التجارية والمالية والعسكرية وغيرها من الإلتزامات في مجالات الصحة والبيئة الخ.... ومن البديهي أن يقود هذا السلوك إلى مزيد التوتر والإضطراب في الساحة الدولية بل في كافة مناطق العالم التي تمثل ميدانا لصراع أقطاب الرأسمالية الإحتكاريّة قديمها وحديثها. وفي هذا السياق فقد أصبحنا نستمع بوضوح إلى قادة الدول الرأسمالية في أوروبا يدعون إلى "التقليل من دولة الرعاية وبناء دولة الحرب" ولا يتردد بعضهم في الإدعاء بأن صناعة السلاح ستكون محركا للنمو وهو ما يذكرنا بما حصل مع النازية فيما بين الحربين الأولى والثانية في القرن العشرين. ويقدم البعض ذلك بعنوان "الكينزية العسكرية" بمعنى أن الإنفاق العسكري يمكن أن يساعد على الإنعاش الاقتصادي ومعالجة الأزمة (توفير الشغل، دفع الطلب...). كما أصبحنا نستمع إلى تصريحات من مسؤولين روس يتحدثون فيها بكل بساطة عن إمكانية استعمال السلاح النووي. ومن الجهة الأخرى ما تنفكّ الصّين تعلن من وقت إلى آخر عن صنع سلاح جديد تفوق فعّاليته سلاح "الآخرين" بحثا عن تسويقه.
لقد بلغ الإنفاق العسكري اليوم في العالم 2400 مليار دولار (تتصدّر القائمة الولايات المتحدة وتليها الصين عن بعد في المرتبة الثانية) وهو ما يعادل المنتوج الوطني لـ80 بالمائة من بلدان العالم. وبالإضافة إلى ذلك فإن مبلغ الـ800 مليار يورو التي قررتها دول الاتحاد الأوروبي أخيرا للرفع في مصاريفها العسكرية يمثل ما بين 20 و30 مرة ما تحتاجه أوروبا لتحقيق الانتقال الإيكولوجي.
إن المرحلة الجديدة التي يعيشها العالم هي مرحلة حبلى بالمخاطر على الطبقة العاملة والشعوب كما سبق أن ذكرنا فالعالم تحكمه أكثر فأكثر قوى قومية شوفينية فاشية تردّد شعارات ديماغوجية مضلّلة كتلك الشّعارات التي رُفعت قبل الحربين العالميّتين الأولى والثانيّة.
إنّ كل حكومة من الحكومات الرّأسمالية وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية تعِدُ شعوبها بحماية مصالحها وتحقيق الرفاه وهي في الواقع تعدّ لاستعمالها حطبا في الصراعات القائمة التي يمكن أن تتحول إلى حرب كونية تهدد الوجود البشري. ولا غرو في أن مثيري الحروب يستعملون اليوم أدوات دعائية رهيبة لا مثيل لها في السابق ونعني التقنيات الرقمية بما فيها الذكاء الإصطناعي للسيطرة على العقول وتوجيهها نحو الأهداف الإجرامية التي يخططون لها. ولا يمكن بأي حال من الأحوال وقف السير الحثيث نحو الحروب إلا من قبل الطبقة العاملة والشعوب المحبة للسلام بكادحيها ونسائها وشبابها ومثقفيها ومبدعيها. إن القوى الفاشية والقومية الشوفينيّة الزاحفة على العالم تستغل سلبية العمال والشعوب وضعف القوى الثورية لتسير إلى الأمام نحو تحقيق أهدافها. ولكن ذلك لا يمنع من تأكيد أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستكانة إلى هذا الوضع وقبوله وترك مجرمي الحرب يتصرفون كما يشاؤون.
إن القوى الثورية والتقدمية في العالم وفي مقدمتها الأحزاب والتنظيمات اليساريّة الجذريّة ودعني أقول الماركسية ال لينين ية مطالبة ببذل أقصى الجهد للتصدي لهم عبر مختلف الواجهات السياسية والنقابية والثقافية والنسائية والشبابية. إن بعث جبهة عالمية معادية للإمبريالية والفاشية والحرب تطرح اليوم كمهمة عاجلة، ومن واجب الأحزاب اليساريّة وفي مقدّمتها الأحزاب الماركسية اللينينية ألّا تدّخر جهدا للتحرك في كل الاتجاهات من أجل المساهمة في إنجاز هذه المهمة.
وفي هذه الإطار ودرءا للمخاطر المحدقة بشعوب منطقتنا فإن الواجب يدعو إلى التحرّك بسرعة لتحويل شعار الجبهة العربية المعادية للإمبريالية والصهيونية والرجعية إلى مشروع للتنفيذ. وعلينا في هذا السياق إدراك أن أوضاع المقاومة صعبة وخطيرة للغاية سواء كانت في غزة أو في الضفة أو في لبنان مقارنة حتى باللحظة التي تمّ فيها الاتفاق مع المقاومة في غزة وفي لبنان وهو ما يقتضي التحرّك بسرعة حتى لا تتعمّق حالة الإنكسار التي تعيشها شعوبنا وعلينا بالتالي ألّا نتوقف عن مساعي التنسيق في المستوَيَيْن الأممي والعربي- الإقليمي من أجل التصدي لحرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني والاعتداءات والتدخّلات الأجنبيّة التي تستهدف لبنان وسوريا واليمن و ليبيا والسّودان.
إن إفشال مشروع تفتيت دول المنطقة ضمن إعادة صياغة مشروع سايكس- بيكو وفق معطيات الساعة لا مناص منه لوضع شعوبنا على سكّة التحرر الوطني والانعتاق الاجتماعي، وما من شك بأن الأوضاع مليئة بالصعوبات على الصعيدين العربي والعالمي ولكن هذه الصعوبات ينبغي أن تكون حافزا لبذل مجهود أكبر والتسلّح بإرادة ثورية لا تقهر.
8- ما تقييمك لتجربة الائتلاف السياسي اليساري التونسي المعارض الذي عرف باسم " الجبهة الشعبية" بتونس؟
ائتلاف "الجبهة الشعبيّة" هو من أهمّ التجارب السياسيّة في تونس، تأسست "الجبهة" في أكتوبر 2012 لتجميع قوى اليسار أحزابا وشخصيات مستقلّة لمواجهة مهامّ المرحلة التي تلت إسقاط الدكتاتورية وتجذير الثورة التونسيّة في مواجهة القوى الرجّعية، دينيّة وليبراليّة، التي هيمنت على السّاحة وسعت إلى إجهاض هذه الثورة وحصرها في مجرّد تغيير لشكل النظام السياسي من دكتاتورية إلى ديمقراطية بورجوازية ليبرالية دون المساس بالقاعدة الطبقية القديمة لهذا النظام.
لذلك سمّي الائتلاف "الجبهة الشعبيّة لاستكمال مهامّ الثورة"، وقد تعرّضت الجبهة مذ انطلاقها لحملات شيطنة من القوى الظلاميّة المسيطرة وقتها (حركة النهضة وحلفاؤها من تيارات "الإسلامي السياسي" المتطرّف أي "أنصار الشريعة"، حزب التّحرير...). وقد تحوّلت هذه الحملات إلى تهديدات جدّية بالتّصفية، وفي هذا السياق امتدّت يد الغدر الإرهابي لاغتيال رمزين أساسيّين من رموز "الجبهة" وهما الشّهيدان شكري بلعيد (الأمين العام لحزب الوطنيّين الديمقراطييّن الموحّد) الذي اغتيل يوم 6 فيفري 2013 والحاج محمّد البراهمي (الأمين العام للتيّار الشعبي، القومي النّاصري) الذي اغتيل يوم 25 جويلية 2013. يضاف إليهما الشهيدان محمد بلمفتي ومجدي العجلاني وهما من مناضلي الجبهة الشعبية في الداخل التونسي وقد استشهدا في مواجهات مع قوّات الأمن أثناء تحرّكات احتجاجيّة.
لقد تحوّلت الجبهة الشعبية إلى فاعل سياسي هامّ بل إلى القوة السياسيّة الثالثة في تونس بحصولها على 15 مقعدا في البرلمان وعلى المرتبة الثالثة في الانتخابات الرئاسية لسنة 2014. ولكنّ مشكل الجبهة التي دامت تجربتها 7 سنوات (وهي مدة هامة مقارنة بتجارب تاريخيّة أخرى فالجبهة الشعبية الفرنسية في ثلاثينيات القرن العشرين لم تعمّر أكثر من ثلاث سنوات) هو أنّها لم تكن تمتلك برنامجا واضحا وملموسا بل كانت أرضيّتها تصطبغ بالعمومية والضّبابيّة فلا الأفق كان واضحا ولا الخطّة كانت مبلورة بما فيه الكفاية ولا أدوات التنفيذ كانت جاهزة. لم تكن الجبهة جسما مهيكلا ومنظّما تنصهر فيه كافة القوى المؤسّسة وتعمل على توسيع تأثيره في كافّة أنحاء البلاد فقد ظلّت العقلية الحزبيّة الضيّقة مسيطرة.
وأخيرا كان نشاط الجبهة ضعيفا ثم كاد ينحصر شيئا فشيئا في نشاط كتلتها البرلمانيّة، زد على ذلك الضغط الدائم والمساعي التّخريبية من التحالف اليميني الحاكم وأدواته الإعلاميّة. هذه العوامل، خاصّة منها الذّاتي، لم تساعد الجبهة على التطوّر وعلى استثمار ما حصل من التفاف شعبي حولها على إثر الاغتيالات. زد على ذلك ما دبّ في صلبها من خلافات جوهريّة في فترة مبكّرة من تأسيسها بين نهج ثوري، وطني، ديمقراطي، تقدّمي كان ينادي بتجذير الجبهة في الطبقات والفئات الشّعبيّة على أساس برنامج مشترك يحقّق أهداف الثورة، وبين نهج إصلاحي، انتهازي كان همّه الوحيد دفع الجبهة الشعبيّة إلى المشاركة، من موقع متذيّل، في الحكم ضمن التحالف اليميني، "الإخواني- الليبرالي" الذي كان يكرّس خيارات اقتصادية اجتماعيّة نيوليبرالية متوحّشة ويدير الظّهر لمطالب الشعب كما كان يعرقل الإصلاحات السياسيّة الواردة في دستور 2014 والتي كان من شأنها توسيع دائرة المكاسب الديمقراطيّة للشعب.
هذه الخلافات بدأت تبرز منذ 2014 وتعمّقت سنة 2016 وخطأنا أنّها بقيت محصورة في مستوى قيادات الجبهة ولم يفتح حولها نقاش عام داخلها وحتّى داخل الفضاء العام وهو ما سمح للتيّار الانتهازي من الإمعان في تفتيت صفوف الجبهة، وحين جاءت انتخابات 2019 كانت الجبهة قد انقسمت وانتهت. وهو ما فسح المجال للشّعبوية اليمينيّة المتطرّفة من الصّعود إلى الحكم (في غياب بديل ثوري للتحالف الديني الليبرالي الفاسد والفاشل الذي أجهض كل محاولات تحقيق الحدّ الأدنى من مطالب الثورة) مستعملة بصورة ديماغوجيّة العديد من شعارات الجبهة (السيادة الوطنيّة، العدالة الاجتماعية، الديمقراطية الشعبيّة...) وتوظيفها في مشروع استبدادي يكاد اليوم يصفّي مكاسب الثورة الديمقراطية وهو يغرق البلاد في أزمة اقتصادية وماليّة واجتماعية خانقة يدفع العمال والكادحون والفقراء فاتورتها بطالةً (نسبة بطالة بـ16 بالمائة) وفقرًا وبؤسا (أكثر من ثلث السكان في خالة فقر مدقع) واتساعا لدائرة الأمية (17.2 بالمائة مقابل 1.9 بالمائة في غزّة المحتلّة) وتدميرا للخدمات العامة. وليس من الغريب أن نجد اليوم أولئك الذين زرعوا الانقسام في صفوف الجبهة خدمة لبعض أجنحة الرجّعيّة (الجناح الليبرالي خاصّة) في صفّ انقلاب 25 جويلية 2021 يدعمون تصفيته مكاسب الثورة الديمقراطيّة وتركيز حكم فردي مطلق ما انفك يشنّ الحملات القمعيّة التي طالت السياسيين من مختلف المشارب والإعلاميّين والنقابيّين والمحامين والقضاة والمشاركين في الحركات الإحتجاجيّة وينتهك حقوق النّساء ومكاسبهنّ إلخ...
- "الفاشيون الجدد" الذين نراهم يحرّضون مع خدم الدكتاتورية الآخرين على أحزاب المعارضة والمنظمات النقابيّة والحقوقيّة والثقافية مستعملين بشكل خاص الشبكة الاجتماعية وبعض المنابر في وسائل الإعلام العموميّة التي أصبحت خاضعة بالكامل للسلطة ووسائل الإعلام الخاصّة المدجّنة.
ولكنّ الأعمال المشتركة والمساعي إلى بعث أطر لها لمواجهة الدكتاتورية الجديدة متواصلة رغم صعوبة الظّرف وخاصّة حالة الجزر التي تعيشها الحركة الاجتماعية والشعبيّة نتيجة عاملي الإحباط والخوف الذي عاد بقوة داخل المجتمع.
لقد كانت "الجبهة الشعبيّة" فرصة لتونس كي تنتقل إلى مرحلة جديدة في تاريخها تقطع فيها مع التبعية والاستبداد السياسي والاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، لكنّ المهمّة كانت أكبر من حجم الجبهة التي كانت ضعيفة فكريا وسياسيّا وتنظيميّا مقابل أعداء وخصوم مدعومين إقليميا ودوليّا من دول وقوى ليس لها من هدف سوى إجهاض الثورة التونسيّة في المهد. لكنّ القوى اليسارية الثورية التونسيّة تعمل اليوم على النّهوض من جديد وهي تتعلّم من تجاربها كي تكون قادرة على وضع حدّ لمنظومة الاستبداد وقيادة المجتمع التونسي نحو مرحلة جديدة من تاريخه يتحقق فيها ذلك الشعار المركزي الذي التفّت حوله جماهير الشّعب في ثورة 2010-2011 وهو شعار: "شغل، حرّية، كرامة وطنيّة".
9- ماذا بشأن حمة الهمامي القارئ النهم .. هل ما زال الإنتاج الفكري يحظى بالوقت الكافي رغم ازدحام النشاطات والأولويات السياسية والاجتماعية لديكم ؟ وما هي آخر إصداراتكم؟
لا يمكن الاستغناء مطلقا عن القراءة ومتابعة الإنتاج الفكري والسياسي والاقتصادي والعلمي والأدبي في البلاد العربيّة والعالم...هذا أمر في غاية الأهميّة ليقدر المناضل على مواكبة المستجدات وفهم التطوّرات المختلفة وإدماجها في تحاليله لواقع الصراع الطبقي والوطني في الوطن العربي والإقليم والعالم. السياسة هي بمعنى ما علم العلوم...لا يمكنك بلورة وجهة نظر أو رؤية أو تحديد أهداف أو صياغة برنامج عمل يشمل كافّة مجالات الحياة دون معرفة واطّلاع على أهمّ المستجدّات والتطّورات.
القراءة والمشاركة في النّشاط السّياسي والاجتماعي يولّدان الحاجة إلى الكتابة أيضا، وفي هذا السّياق فإنّني لم أتوقّف عن الكتابة خلال السنوات الأخيرة. وبالإضافة إلى الكتابة السياسيّة فإنّ مرض زوجتي المحامية والمناضلة الحقوقية راضية النّصراوي أعادني إلى الكتابة الأدبيّة شعرا ونثرا (الخاطرة) بعد انقطاع دام عقودا...من آخر ما نشرت: الشعبوية في تونس: ثالوث الاستبداد والتّفقير والتّبعيّة (2022)، الفاشية الزّاحفة (2024)، إلى راضية (نصوص 20121)، قصائد حبّ إلى راضية (2024)، إلى الحرّية...إلى السّماء نساء تونس (2025)، من يحاكم من؟ (طبعة ثالثة 2025).
10 - بمناسبة ذكرى النكبة الـ 77، هل من كلمة أخيرة توجهها لجماهير شعبنا الفلسطيني الصامد في غزة والضفة والقدس وكل فلسطين والشتات حول الوضع الراهن؟
إلى أحبّتي وحبيباتي في فلسطين الأبيّة أقول:
"لَسْتَ مَهْزُوما إذا كُنْتَ تقاوم..."
"لَا كَرَامَةَ دُونَ أَلَمْ"
"الإنسَانُ يُمكِنُ أَن يُدمَّرَ لكِنَّهُ لا يُهْزَمْ"
إنّ الشّعب الفلسطينيّ شعب حيّ. ومقاوم. لذلك لن يهزم. وسينتصر. ويستردّ أرضه. كاملَ أرضِه التّاريخيّة. منَ النَّهْرٍ إلى البَحْرِ.

