Menu

الاستهداف المسموم خلف "التسريب" المزعوم!

أحمد بهاء الدين شعبان

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

لم تكن عملية النشر الواسع النطاق، وفي منابر إعلامية متعددة، داخل مصر وخارجها، في آن واحد، والتي سُميت "تسريبًا"، لحديث الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر"، عملية عشوائية أو محض صدفة، فالتوقيت المُختار بعناية، يكشف بوضوح عن مقاصدها والغايات المُستهدف تحقيقها، والتي تقف وراءها جهات لا تخفى على لبيب!

فهذه "الحملة" المُنظّمة، إضافةً لتلويث سمعة "الزعيم"، الذي لا زالت ذكراه وإنجازاته، الوطنية والقومية، مذكورة بالتقدير، حتى بعد رحيله عن دنيانا بخمسةٍ وخمسين عاماً، تسعى إلى تحقيق غايةً آنية، لها علاقة وثيقة بصمود الشعب الفلسطيني الباسل، وتحديه للعدوان الهمجي الذي فاق كل أشكال العنف وصور الإبادة المعروفة عبر التاريخ، ونشر حالة من اليأس والإحباط، وفقدان الثقة واليقين، في الماضي والحاضر والمستقبل، لإقناع فلسطينيي غزة، ومن بعدهم باقي أبناء الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، وسائر فصائل وشخصيات الحركات الوطنية المقاومة للإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني وأشياعهما، بألّا سبيل أمامهم إلا الاستسلام والركوع، والقبول بالشروط الصهيو ـ أمريكية، المُبَارَكة من الرجعيات العربية التابعة والعميلة، تماماً مثلما فعل (زعيمكم عبد الناصر!) وأشار إليه بالصوت والصورة، كما كشف التسجيل المُسرّب!

فمنذ "طوفان الأقصى" ومحطات تلفزيونية خاصة، تَبث من القاهرة ومواقع عربية وأجنبية أخرى، تمارس دور "الطابور الخامس" علناً، وتعمل، على التشكيك في جدوى المقاومة الفلسطينية، وتُحَمِّل شعب فلسطين وأهل غزة مسؤولية ما حاق بمواطنيهم ومدنهم من دمار وخراب، وتهاجم بضراوة كل من يقول "لا" للمؤامرة الصهيونية الأمريكية لتهجير أبناء الشعب الفلسطيني خارج غزة، بتهمة "التطرّف" و"استفزاز الطرف الصهيوني والأمريكي"، و"جر المنطقة وغزة للهلاك"، ... إلخ، وكأن الشعب الفلسطيني كان يحيا هانئاً مُنَعَّماً قبل "الطوفان"، وكأن السجون الصهيونية لم تكن مكتظة بآلاف الأسرى، وكأن البيوت لم تكن تُهَدَّم، والأرض الفلسطينية لم تكن تُنهب عياناً بياناً، تحت سمع وبصر العالم وأنظمة العرب، من المستوطنين المتطرفين... إلخ.

والمُغالطة الأولى في قضية التسجيل المُشار إليه، أنه لم يكن "تسريباً"، على الإطلاق، فمفهوم "التسريب" يفترض في المادة المُسَرَّبة صفة السريّة والكتمان، وهذا أمر عارٍ تماماً من الصحة، بينما الفيديو المُذاع كان تسجيلاً قديماً، موجوداً ومُتاحاً بأرشيف الرئيس الراحل بمكتبة الإسكندرية منذ عام 2004، ومتوفراً لكل من أراد الاستماع إليه، حسبما أوضح البيان الصادر عن المكتبة، وأحاديث مسؤوليها، بعد الجدل الدائر حوله.

أما المًغالطة الكبري، فتعود إلى عملية التدليس الواضح في قراءة وتفسير مضمون "التسجيل" المُذاع، وبالذات ما صدر عن "جمال عبد الناصر"، في تجاهل مقصود لوضع وحال مصر والنظام، الخارجين من هزيمة عسكرية خطيرة، وفي حالة سيكلوجية حرجة، يُضاعف منها تأثيرات اقتصاد مأزوم، والتزامات مُلحّة للملمة الجراح على كل المستويات لا تقبل التسويف أو التأجيل، وإنكار تفاعلات اللحظة التاريخية الفارقة التي صدر فيها تصريح عبد الناصر بتناقضاتها المؤثرة، مع التجاهل التام لما كان يتهدّد مصر من نتائج العدوان الصهيوني المُتصاعد دون رادع أو موانع!

فقد خرجت القوات المُسَلّحة من وقائع الخامس من يونيو / حزيران 1967، بحالة لا تُحسد عليها، فاقدةً لأغلب أسلحتها وعدداً لا يُستهان به من كوادرها وجنودها، وبتحطيم أسطولها الجوي بالكامل على الأرض، والأخطر تداعيات اهتزاز صورتها وانحطاط مكانتها من جراء الهزيمة النكراء في الحرب التي لم يُتح لجيشنا أن يخوضها بسبب رعونة القيادة العليا، ما أدّى إلى وجود قوات الاحتلال الصهيوني فوق ضفة قناة السويس، على مرمى حجر من القاهرة، وكانت عملية إعادة بناء القوات المسلحة المصرية أسطورة حقيقية للبطولة والعطاء، خاصةً في ظروف انفجار الحركات الشعبية والطلابية التي عبّرت عن غضبها من الهزيمة، ومطالبتها الحادة بإعداد البلاد للحرب والثأر، فضلاً عن الصراعات داخل المؤسسة الحاكمة لإزاحة عبد الحكيم عامر عن مواقع القيادة العسكرية بعدما ترتب على سلوكها من كوارث.

وقد قادَ تَحَطُّم الطيران المصري في قواعده الأرضية إلى تعرية مصر من أية قدرة لمواجهة العربدة الصهيونية في السموات المصرية، فراح طيران العدو يستبيح البلاد، يضرب المدن، ويقذف المصانع، ويجتاح مدارس الأطفال، ويدك المواقع العسكرية بلا رادٍ أو مُمانعة، فيما وقفت الظروف الاقتصادية الصعبة حائلاً دون القدرة على التعويض السريع للخسائر الفادحة وتلبية الاحتياجات المُلحّة!

وفي هذه الظروف كان النظام الناصري أمام تحديات هائلة على كل الجبهات، جميعها واجبة الإنجاز عصيّة على التأجيل، وفي مقدمتها تلبية الحاجات المعيشية لملايين المصريين، في ظل تعطُّل قناة السويس، وانشغال كثير من المصانع المُنتجة في تأمين حاجات المجهود الحربي الأساسية، ومواجهة تبعات ساحة الحرب المُشتعلة، وأهمها تحديات بناء "حائط الصواريخ" لاعتراض الطيران الإسرائيلي، ومنعه من استباحة البلاد، حيث "أُلحقت بمصر خسائر فادحة، وبلغت الخسائر والأضرار المادية والمعنوية التي سببتها غارات الفانتوم الإسرائيلية على مصر حداً هائلاً فاق كل تصور".(1)

وقد بذل القادة العسكريون المصريون جهداً فائقاً لتذليل العقبات التي واجهت عملية "إعادة بناء الجيش المصري"، وإعداده تقنياً ونفسياً في أعقاب هزة الهزيمة، واستُشهد بعض أبرز وأكفأ قيادييهم، في هذه المرحلة العصيبة، في مقدمتهم "الجنرال الذهبي"، الفريق أول عبد المنعم رياض، قائد الأركان، ولجأت القوات المسلحة إلى تطوير "نوعية" المقاتل المصري، بتجنيد نحو مئة ألف شاب من خريجي الجامعات لكي يكونوا مؤهلين للتعامل مع الأسلحة والمعدات الإليكترونية المعقدة، وقدّم السوفييت لجمال عبد الناصر مُساعدات بالغة القيمة: أسلحة وذخيرة، ومئات الدبابات، والصواريخ، والطائرات، وطيارين، ومدربين، وخبراء، ومُعلمين، واقتضى بناء حائط الصواريخ، القادر على التصدي لهجمات الطيران الصهيوني، استشهاد المئات من العمال والعسكريين المصريين بل وعشرات من العسكريين والخبراء السوفييت، الذين كانوا يعملون في العراء بلا ساتر يحميهم من القصف الإسرائيلي الوحشي، في ملحمة بطولية عز نظيرها!

لكن الوضع كان بحاجة إلى المزيد من الوقت لاستكمال بناء الجدار الصاروخي القادر على وضع حد للعربدة الإسرائيلية، وهو ما اقتضى قبول "عبد الناصر" لمبادرة "روجرز"، وزير الخارجية الأمريكي، التي تضمنت هدنة من الزمن، كان الجيش المصري أحوج ما يكون لها، للانتهاء من بناء قواعد الصواريخ ونصبها وتجهيزها للمواجهة وإكمال شبكة الدفاع الجوي، وهو ما أُنجز، بسرعة وكفاءة فائقة، بمجرد وقف إطلاق النار ليلة 7 و8 أغسطس 1970، حيث تم تحريك حائط الصواريخ الذي كان على مبعدة 40 ـ 50 كيلومتراً من قناة السويس، إلى مدى لا يبعد عنها إلّا 12 كم، وهو ما سمح بتوفير الحماية للجيشين الثاني والثالث، اللذين لعبا دوراً كبيراً فيما بعد، في عملية "العبور" يوم السادس من أكتوبر عام 1973 وتجاوز عائق القناة المنيع!

وقد احتاج النجاح في هذه الخطوة الفاصلة إلى جهدٍ جهيد، على أعلى درجة من الكتمان والحرفية، الأمر الذي فاجأ العدو مُفاجأة كبيرة، وأتي أُكله سريعاً بتكبيد سلاح الجو الصهيوني المتفوق، ومنعه من اجتياز السموات المصرية مُجدداً، ولإيقاع خسائر فادحة بين صفوفه وطائراته وطياريه، إلى حد دفع "عزرا وايزمان"، قائد القوات الجوية الإسرائيلية آنذاك، للاعتراف بأن "حرب الاستنزاف" التي استُئنفت فور استكمال بناء الجدار "هي أول حرب تخسرها إسرائيل". (2) وهي خطة كانت تقتضي درجة عالية للغاية من الاحتياط والسريّة، ولم يكن مًمكناً لعبد الناصر التصريح بها، وإلا سترفض أمريكا طرح هذه المبادرة، ولن تقبلها إسرائيل، وستستمر في استباحة الأرض المصرية وتدمير كل مقومات ردع العدوان عليها!

وبالطبع، وكما هو معروف، فقد رُفضت مبادرة "روجرز" من دول وفصائل عديدة، اشتدت في معاداة هذه الخطوة التي رأت فيها تنازلاً غير مقبول، بينما هي لا تدري شيئاً عن خلفيات ودواعي قبول عبد الناصر لها، وفي نفس الوقت لم يكن من الممكن ولا المُتاح أن يصرح الرئيس المصري بالسبب الحقيقي وراء قبولها!

وقد زايدت بعض الأطراف على عبد الناصر وقتها، وراحت تُطالبه بخوض حرب شاملة لتحرير فلسطين، كل فلسطين، المُحتلة منذ عام 1948، من النهر إلى البحر، وكافة الأراضي المحتلة بعد 1967، دفعة واحدة، دون أدنى اعتبار لقدرات النظام الناصري المطعون بعد كارثة 5 يونيو/ حزيران 1967، والمجتمع المصري المصدوم لكن المُصر على حرب استعادة الشرف والكرامة، ولا ظروفهما المادية والموضوعية، وهو ما جعل عبد الناصر، يُطالب مُنتقديه، والذين رماه بعضهم بالهزيمة والخيانة، بالذهاب وحدهم إلى الحرب التي يتصورونها، وهو أمر لم يجرؤ أيٌ منهم على الإقدام عليه بالطبع! فقد كان همّه الأول ـ في تلك اللحظة بالذات ـ هو بناء الجدار المانع لتغوُّل الطيران الصهيوني، واسترداد الجيش المصري لعافيته، قبل الزج به في معركة تحرير الأرض المحتلة عام 1967، وهي معركة كان عبد الناصر يدرك أن دون الفوز فيها أهوال كبيرة وتضحيات لا سابق لها، والذي كانت ملحمة بناء حائط الصواريخ المصري العظيم، خطوة أساسية في مسارها البطولي، والتي لولاه ما كان لمصر أن تعبر القناة يوم 6 أكتوبر/ تشرين أول 1973.

.....................

*الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري.

(1) أ. د. جينادي جورياتشكين، ذكريات مُترجم سوفييتي على الجبهة المصرية، دار أنباء موسكو، القاهرة، الطبعة الأولى، 2014، ص: 51.

(2) د. أحمد زكريا الشلق، مقدمة كتاب حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل (1967 ـ 1970)، للباحثة إنجي محمد جنيدي، دار الكتب والوثائق المصرية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2013، ص:10.

ويُمكن الرجوع إلى مصادر أخرى عديدة لدراسة مرحلة بناء حائط الصواريخ المصري: أهميتها وملابساتها، ومن أبرزها مذكرات الفريق أول محمد فوزي، وزير الحربية الأسبق، في جزأين: الأول بعنوان "حرب الثلاث سنوات (1967 / 1970)، دار الوحدة للطباعة والنشر، 1988، والجزء الثاني بعنوان: إستراتيجية المصالحة، دار الفالوجة للنشر، القاهرة، 2019.