يتباهي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحصاده صفقات مالية يدّعي أنها بلغت 5.1 تريليون دولار في جولته التي قام بها لثلاث دول خليجية هي السعودية و قطر والإمارات. ولم يتردد في القول إن المبلغ قد يرتفع إلى 7 تريليونات دولار "بحلول الوقت الذي نتوقف فيه"، وفق تصريحه قبل اجتماعه مع أعضاء مجلس النواب الجمهوريين. ومع أنه أعلن في ختام جولته عن حصاد بلغ 4 تريليونات دولار، أي ما يشكل ضعف الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي الست والبالغ 2.1 تريليون دولار، إلا أن ترامب الذي يهوى المبالغات التي تقود إلى الإشادة الداخلية الأمريكية به، ربما تعمد إغاظة خصومه الديمقراطيين وكذلك دول الاتحاد الأوروبي التي يسيل لها لعاب مسؤوليها وشركاتها بغزارة بحثاً عن حصة، ولو ضئيلة، من عائدات النفط الخليجية، تأكيداً لقول ترامب أمام القمة الخليجية الأمريكية عندما لفت فيها إلى أن "العالم يراقب الفرص المتاحة في هذه المنطقة الحيوية".
لا شك أنها حصيلة تاريخية تلك التي حصدها ترامب في جولته الخليجية. فهي أولاً أعادت تموضع الولايات المتحدة وقواتها العسكرية في منطقة الخليج العربي وتحميل دولها جزءاً لا بأس به من تكاليفها تحت يافطة الحماية الأمنية والعسكرية. وثانياً استمرار التحكم في تدفق النفط من هذه المنطقة الحيوية للاقتصاد العالمي، حيث تنتج 20 مليون برميل يومياً، نصفها من السعودية. وثالثا أدخلت الجولة ونتائجها تأثيراً على الحضور الصيني المتنامي، وتتحفز الإدارة الأمريكية لمواجهة الصعود المدوي للتنين الصيني عبر فرض المزيد من التعرفات الجمركية الكبيرة رغم الهدنة التي أعلنها ترامب مؤخراً بتخفيض تسبة التعرفة، وقطع الطريق على تمدد بكين في الأسواق العالمية وعرقلة طريق الحرير الجديد وتأمين سلاسل الإمدادت للعالم تجسيداً لحالة "الصين مصنع العالم"، وبالتالي ترجمة سعي البيت الأبيض لتحجيم الدور الصيني في منطقة الخليج عبر محاصرتها بالصفقات الكبرى وسحب الاموال لصالح الولايات المتحدة ومشاريعها. فضلاً عن كل ذلك فإن صفقات ترامب في الخليج قدمت خدمات كبرى للشركات الأمريكية العملاقة التي كانت تتحسس تحت اقدامها من المنافسة الصينية، فجاءت الصفقات وانتشلتها من حالة التوتر التي تعيشها.
لم ينسَ ترامب وهو يتباهى بصفقاته التاريخية توجهاته العسكرية ونزوعه للسيطرة على العالم، تنفيذاً لإستراتيجيات واشنطن بأن يكون القرن الواحد والعشرون، أيضاً، قرناً أمريكياً مثلما كان النصف الثاني من القرن العشرين، فكان لحرب النجوم الجديدة وقبتها "الذهبية" حيزاً في أولى تصريحاته عندما عاد إلى واشنطن. ففي كلمة له في "مركز كينيدي" قال ترامب إن "تكلفة بناء نظام الدفاع الصاروخي "القبة الذهبية" لا يمثل إلا جزءاً صغيراً من تلك العوائد.. وأن هدف القبة الذهبية حماية أمريكا من كل الصواريخ حتى لو جاءت من الفضاء بما فيها الفرط صوتية". وقال أيضاً إن "كل شيء في القبة الذهبية سيكون مصنوعاً في أمريكا، ولا أحد يقترب مما تمتلكه أمريكا في التكنولوجيا الصاروخية، وسنحمي البلاد بنسبة 100%، وأن تكلفة القبة الذهبية ستبلغ 175 مليار دولار"، وهذه تشكل فعلاً نسبة ضئيلة من إجمالي الصفقات التي حصدها ترامب في الخليج. لم يطل رد روسيا والصين على "حرب النجوم الجديدة" فأصدرت الدولتان بياناً صريحاً أكدتا فيه أن هذه الخطوة "تقوض الاستقرار العالمي"، بينما وجد بعض الخبراء العسكريين الأمريكان أن القبة الذهبية لن تحمي أمريكا كما يروج ترامب.
طبيعة الصفقات
حضّر ترامب بشكل جيد لجولته الخليجية بملفات واضحة لتحريك الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من منافسة شديدة مع الصين، ويواجه وضعاً مالياً حرجاً يتمثل في الدين الفيدرالي الذي بلغ 34 تريليون دولار في 2024 تشكل 36.4 بالمئة، وفق بيانات الخزانة الأمريكية. كان التسلح هو الملف الأول فحصد صفقات كبرى وصفت بأنها "تاريخية" حيث وقع اتفاقيات مبيعات دفاعية في السعودية وحدها بنحو 142 مليار دولار. كما تعهدت الرياض بضخ استثمارات تبلغ قيمتها 600 مليار دولار في أربع سنوات، علماً أن عدد الاتفاقات التي وقعتها الرياض مع واشنطن في هذه الزيارة بلغت 145 اتفاقاً غطت عدة قطاعات منها الذكاء الاصطناعي والنفط والطاقة المتجددة والاتصالات وغيرها. وكانت السعودية قد تعهدت قبل عدة أشهر بضخ مئات المليارات من الدولارات في الأسواق الأمريكية.
وفي قطر كشف المسؤولون الأمريكيون عن التزام الدوحة بضخ 1.2 تريليون دولار، بما فيها صفقة 210 من طائرات البيونغ بمبلغ 96 مليار دولار، توفر 154 ألف وظيفة أمريكية سنوياً وبما مجموعة أكثر من مليون وظيفة في أمريكا في فترة إنتاج وتسليم الطائرات ومعداتها، حيث تعتبر هذه أكبر صفقة على الاطلاق لطائرات الركاب من طراز بوينغ787 ، بينما أكدت الإمارات التزامها باستثمارات تبلغ قيمتها 1.4 تريليون دولار في السنوات العشر المقبلة، من بينها استيراد 500 ألف وحدة سنوياً من الرقائق الأكثر تقدماً في الذكاء الاصطناعي. ويفترض أن تعزز هذه الصفقة مكانة الإمارات في هذا الحقل الواعد وفي قطاع الطاقة المتجددة.
نشير هنا إلى أن حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والخليج بدوله الست قد بلغ في العام 2024 نحو 120 مليار دولار بما فيها القطاع النفطي، مقارنة بنحو 93.6 مليار دولار في العام 2023، وقد شكل النفط نسبة بلغت نحو 45 بالمئة. ويبدو أن حجم التبادل سوف يقفز مع هذه الصفقات الكبرى في السنوات المقبلة.
وبالمقارنة فإن التبادل التجاري بين دول الخليج والصين، وبحسب بيانات مجلس التعاون الخليجي، بلغ نحو 287 مليار دولار في 2023، تشكل السعودية ما يقرب من 40% من حجم التبادل التجاري منها، وقد زاد أكثر في العام 2024، بينما بلغ التبادل التجاري بين دول المجلس ودول الاتحاد الأوروبي نحو 170 مليار دولار في العام 2023.
تهميش القضايا الكبرى
تعمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم الخوض في القضايا التي تقلق المنطقة وتشكل هاجساً لدى دولها، وعلى رأس هذه القضايا حرب الإبادة الجماعية التي تشنها قوات الاحتلال الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وعموم فلسطين منذ السابع من أكتوبر 2023، محاولاً عزل المنطقة وإبعادها عن همومها. وقد مر على هذه القضايا مرور الكرام بعد توقيعه على الاتفاقيات والصفقات، حيث أعاد إنتاج مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة وزاد عليها بأنه يريد تحويل قطاع غزة إلى منطقة حرة بعد أن تسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية. ويؤكد ترامب أنه "إذا لزم الأمر، أعتقد أنني سأكون فخوراً بامتلاك الولايات المتحدة للقطاع، واستلامه، وتحويله إلى منطقة حرة (..) لم يتم حل مشكلة غزة قط، وإذا نظرتم إليها، أعني أنه لا يوجد أي مبنى قائم تقريبًا. يعيش الناس تحت أنقاض المباني المنهارة، وهو أمر غير مقبول، إنه موتٌ هائل. وأريد أن أراها منطقةً حرةً". يقول ترامب ذلك وإدارته هي التي تشارك في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وتقدم الدعم المطلق لجيش الاحتلال في عدوانه!!
أما الملف النووي الإيراني، فقد كان حاضراً على استحياء في جولة ترامب، ذلك أن الإدارة الأمريكية تلعب وفق المعطيات الناتجة عن العدوان على غزة ولبنان و اليمن والتطورات في سوريا بعد سقوط نظام الحكم فيها. ترى الولايات المتحدة أن إيران تعاني من ضعف شديد بعد انكشاف ظهرها، وأن الوقت قد حان لمضاعفة الضغوطات عليها من أجل تسليمها بشروط واشنطن إزاء الموضوع النووي. لذلك فإن جولات المفاوضات التي تخوضها واشنطن مع طهران تنطلق من هذا المبدأ، ويبدو أنها أرادت تهدئة الجانب الخليجي قبل وأثناء الصفقات، لكنها تسير باتجاه عدم رفض تحضير الكيان الصهيوني توجيه ضربة استباقية للمفاعلات النووية الإيرانية، إن لم يكن ذلك بالتنسيق مع رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو.
يمكن القول إن جولة ترامب الخليجية حققت الكثير من أهدافها التي رسمت في واشنطن من حيث تجميع تريليونات الدولارات لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي الذي يرزح تحت وطأة الدين الفيدرالي وتمدد الصين والخلاف مع أوروبا. والجولة الخليجية ربما بطأت اندفاعة الصين وروسيا نحو تطوير العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي، حيث شهدت السنوات الأخيرة تقارباً كبيراً وسعياً حثيثاً لتتويج هذه العلاقة بتهيئة الظروف لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة بين بكين والعواصم الخليجية، وهي الاتفاقية التي بدأت محادثاتها قبل أكثر من 20 عاماً. وأن لروسيا طموحات الوصول لمياه الخليج الدافئة عبر صفقات تسليحية ربما يشجعها عرقلة بعض الصفقات الأمريكية مع دول الخليج. كما أن السلاح الصيني في الاشتباك الأخير بين الهند والباكستان قد أثبت فعاليته، ما يشجع دول المنطقة للتوجه إليه.
لكن القضية المحورية التي تقلق واشنطن هي المنافسة مع الصين وتقديرات مراكز الأبحاث الدولية وبينها المراكز الأمريكية، بأن الاقتصاد الصيني سيكون الأول عالمياً مع منتصف هذا القرن ويزيح الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي لا تريد الإدارات الأمريكية أن تتخيله، حتى وإن تطلب ذلك افتعال المزيد من الحروب وخصوصاً في شرق آسيا. القلق الأمريكي يتحول إلى توتر شديد يصل حد الهستيريا.

