اليوم التالي للحرب في غزة يبدو كأنه يوم لا ينتهي، مشهد من الدمار والركام والدم، لكنه في الحقيقة ليس مجرد نتيجة لحرب، بل انعكاس لمخطط أعمق وأخطر: مشروع "الفوضى المنظمة".هذا المفهوم الذي نعرفه في العلوم السياسية والاجتماعية يشير إلى خلق حالة من الاضطراب الممنهج والمقصود، بهدف إعادة تشكيل المجتمعات والأنظمة وفقًا لمصالح الفاعل الأقوى.
وكأن الاحتلال الإسرائيلي، بالشراكة مع الولايات المتحدة، يطبقان عمليًا نظرية "نعومي كلاين" حول عقيدة الصدمة، حيث تُستخدم الكوارث الكبرى - سواء كانت طبيعية أو مصطنعة - كوسيلة لإعادة هندسة المجتمعات، عبر تفكيك بناها التحتية والاجتماعية والنفسية، لتصبح أكثر خضوعًا وتحكمًا.
في غزة، هذا النموذج حاضر بوضوح مخيف. الاحتلال لم يكتفِ بقتل الأجساد، بل سعى لاغتيال كل ما يمكن أن يمثل قوة اجتماعية أو فكرية أو حتى رمزية.اغتيال الأطباء لم يكن خطأً عسكريًا أو عشوائياً، بل كان اغتيالًا للقدرة على تقديم العلاج.
اغتيال الأكاديميين ليس مجرد استهداف فردي، بل هو محاولة لإطفاء شعلة العقل الفلسطيني، لأن الأكاديمي ليس فقط ناقلًا للمعرفة، بل هو حامل لفكرة المشروع الوطني وللأسئلة الكبرى حول العدالة والكرامة.
في كل قطاع، من الصحة إلى التعليم، من الثقافة إلى الإعلام، نجد أن الاحتلال يمارس سياسة انتقائية في الاغتيال، يقتل الرموز، يقتل الخبرات، يقتل من يمتلك القدرة على إعادة البناء.وهذا يتفق مع نظرية "أنطونيو غرامشي" عن الهيمنة: السيطرة لا تكون فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر تفكيك النسيج الفكري والثقافي، وكسر قدرة المجتمع على إنتاج المعنى، حتى يصبح جاهزًا لقبول حلول الاحتلال كقدر حتمي.
المشهد الاقتصادي والاجتماعي هو الآخر ليس أقل قتامة. الاحتلال يضرب البنية الاقتصادية بيد من حديد: يدمر المصانع والأسواق، يمنع دخول المواد الأساسية، يفرض حصارًا خانقًا، وفي ذات الوقت، يتحكم بالمساعدات الإنسانية لتصبح أداة ابتزاز، لا وسيلة حياة.
ومع تزايد الفوضى، تنتشر شبكات الفساد وسرقة المساعدات، وتصبح المقاومة هنا ليس فقط ضد الاحتلال المباشر، بل أيضًا ضد منظومة كاملة من التبعية والفساد واللعب على جراح الناس. هذا التعقيد يُعمق فكرة "الفوضى المنظمة" كأداة لإغراق غزة في مستنقع من اليأس، فلا يكون هناك وقت للتفكير في المستقبل أو في الحقوق الوطنية، بل فقط في كيفية البقاء على قيد الحياة.
سياسيًا، تبدو غزة وكأنها ساحة يتصارع فيها الجميع، ولا أحد يعرف من يحكم. هل هي السلطة الفلسطينية التي فقدت الشرعية؟ أم الفصائل التي تواجه تحديات هائلة؟ أم الاحتلال الذي يتدخل متى شاء؟ أم الهيئات الدولية التي تُمسك بملف المساعدات؟ هذا الغموض السياسي هو جزء أساسي من الفوضى المنظمة: خلق حالة من الضبابية تجعل القرار الفلسطيني مرهونًا بجهات خارجية، وتجعل الشعب الفلسطيني في حالة انتظار دائم، بين هدنة مؤقتة وصفقة محتملة، دون أي مشروع واضح يعبر عن إرادته الحرة.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل هذه الفوضى قدر لا يُمكن كسره؟
هنا يأتي دور الفلسفة الاجتماعية: إذا كانت الفوضى المنظمة تسعى إلى تفكيك المعنى والهوية والقدرة على الفعل، فإن مواجهتها تبدأ من استعادة المعنى.كما قال الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو: "التمرد هو فعل إثبات الذات ضد العبث".وفي حالة غزة، التمرد على مشروع الفوضى يبدأ من وعي الناس بأنهم ليسوا ضحايا صامتين، بل فاعلون قادرون على صياغة مصيرهم، حتى في أحلك اللحظات.
إفشال هذه الفوضى المنظمة يتطلب عدة مستويات متكاملة. أولًا، الوعي: يجب أن يُدرك الشعب الفلسطيني، ومعه العالم، أن ما يجري ليس صدفة أو نتيجة طبيعية للحرب، بل خطة ممنهجة. هذا الوعي يُشكل السد الأول أمام مخططات الاحتلال، لأنه يكشف زيف الرواية الإسرائيلية، ويعيد تعريف الصراع بوصفه صراعًا ضد مشروع استعماري يريد تحويل غزة إلى مساحة معطوبة وظيفيًا.
ثانيًا، المقاومة المجتمعية: بناء مبادرات التعليم الشعبي، حماية الأطباء والمعلمين والكوادر، إعادة تأهيل المستشفيات والمدارس حتى تحت الركام، تحويل كل بيت وكل شارع إلى خلية مقاومة للحياة. هذا الفعل البسيط – أن نُعلم طفلًا، أن نُعالج مريضًا، أن نُوزع الخبز – يصبح في ظل الفوضى المنظمة فعل مقاومة بامتياز.
ثالثًا، حماية القيادات والكفاءات: لأن الاحتلال لا يقتل الأفراد فقط، بل يقتل الأفكار التي يحملونها. دعم الأطباء، والمهندسين، والأكاديميين، وتوفير الحماية لهم ماديًا ومعنويًا، سواء داخل غزة أو عبر شبكات دعم خارجية، هو استثمار استراتيجي في قدرة غزة على الصمود.
رابعًا، الوحدة الوطنية: في مواجهة الفوضى المنظمة، الانقسام هو السلاح الأهم بيد العدو. لا بد من تجاوز الخلافات الفصائلية، والاتفاق على برنامج وطني موحد، يُعطي الأولوية لبناء مجتمع قادر على الصمود والبقاء.
وأخيرًا، التمسك بالأرض والهوية: لأن الفوضى تسعى إلى خلق بيئة طاردة، تجعل الناس يرون الهروب أو الاستسلام هو الحل. إفشال هذا المشروع يبدأ من قرار البقاء، ومن تحويل المعاناة إلى طاقة فعل إيجابي، والاستمرار في الحلم رغم كل شيء. كما قال إدوارد سعيد: "المقاومة ليست مجرد فعل سياسي، بل هي فعل ثقافي وروحي يربط الإنسان بأرضه وتاريخه".
هكذا، تصبح مواجهة الفوضى المنظمة ليست مجرد رد فعل، بل مشروع حياة. غزة ليست ساحة للانهيار، بل مختبر لصناعة المعنى والكرامة، والمقاومة فيها ليست خيارًا، بل ضرورة وجودية، لأن الإنسان حين يُحرم من كل شيء، يبقى لديه شيء لا يمكن لأحد أن يسلبه: إرادته الحرة.

