مقدمات زيارة ترامب... وقمة بغداد
انعقدت قمة بغداد العربية الــ 34 في 17 أيار/مايو 2025 وليومٍ واحد بعد تحضيرات وزارية مكثفة من دول الجامعة العربية، وبُعيد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعدد من دول المنطقة، حين زارها قبل قمة بغداد بأيام، حاملاً معه أجندة مُتعددة العناوين، لم تكن فلسطين ووقف القتل والإبادة ضد شعبنا في القطاع عنواناً رئيسياً فيها، بل عنواناً فرعياً جداً، ولم تنل الاهتمام الملحوظ لموقف سفك الدم الفلسطيني على يد جيش الاحتلال وحكومة القتل الفاشية في كيان الاحتلال، اللهم سوى بعض الكلام المعسول من قبل المبعوث الأمريكي للمنطقة (ويتكوف) الذي أطلق أكثر من تصريح عن اقتراب وقف النار في قطاع غزة والوصول إلى صفقة تبادل شاملة بعد إطلاق الجندي الأمريكي "الإسرائيلي" عيدان إلكسندر.
القمة العربية في بغداد، وإن كانت مطلوبة، وعلى غاية من الأهمية، لكنها لم تستطع أن تدفع الطرف الأمريكي للضغط على كيان الاحتلال لوقف حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ووقف الحرب ورفع الحصار عن القطاع وتحرير المعابر وتدفق المساعدات ومواد الحياة وإعادة الإعمار. فكانت كأنها قمة مستعجلة ومسلوقة، دون آليات عمل تتمخض عنها كما يجب.
فكانت القمة العربية في بغداد، وبالرغم من بيانها العام الإيجابي وبعناوينه الرئيسية بالنسبة لفلسطين ووقف الحرب على القطاع، ووقف مشاريع التهويد على امتداد الضفة الغربية خاصة في محيط وريف مدينة القدس ، وحتى في مناطق النقب بالداخل المحتل عام 1948، عاجزة عن دفع الولايات المتحدة للتدخل الحقيقي بالضغط على "إسرائيل" من أجل وقف كل ما يجري في فلسطين. فالقمة العربية وببيانها الختامي لاقت وحظيت بترحيب عالمي، بما في ذلك من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وعدد من الدول الأوربية التي أعلنت موقفاً متميزاً بهذا الشأن وعلى رأسها إسبانيا والنروج وإيسلندا ...
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان قد هيأ لزيارته لبعض دول المنطقة، بسلسلة تصريحات صدرت عنه وعن بعض المصادر الأمريكية، حول إمكانية وقف إطلاق النار في القطاع، وإنجاز خطوات سياسية ملموسة وذات معنى في المنطقة تخص الشعب الفلسطيني بالدرجة الأولى، إلاً أن الأمور راوحت مكانها، بعد أن كانت قد تعددت التقديرات بشأن الخطوات المتوقعة في هذا المجال من قبل المتابعين والمراقبين من المحللين السياسيين وكتاب الأعمدة في الصحف العالمية والمنابر المرئية قبل وصول ترامب للمنطقة.
الإفراج عن عيدان إلكسندر
في هذا، تم إنجاز لقاءات بين حركة حماس والوفد الأمريكي برئاسة الموفد (ويتكوف) إلى المنطقة قبل وصول الرئيس ترامب، وذلك برعاية وإشراف الدوحة، وهي اللقاءات التي كانت تهدف الى "تطرية وترطيب الأجواء" مع قدوم الرئيس دونالد ترامب للمنطقة، رغم التحفظ "الإسرائيلي"، لكن إرادة واشنطن هي التي تُقرر وليس حكومة نتنياهو أو دولته فواشنطن صاحبة القرار أولاً وأخيراً. ومع هذا فإن مبعوث الرئيس ترامب للشرق الأوسط، (ويتكوف) باع "الإسرائيليين" كلاماً حين قال: "نتنياهو والإسرائيليون حلفاء مخلصون للولايات المتحدة، والعكس صحيح. وجميع التقارير عن جمود في العلاقات بين نتنياهو والرئيس ترامب غير صحيحة".
هذه الخطوة (أي الإفراج عن الجندي الأمريكي الإسرائيلي المزدوج الجنسية عيدان إلكسندر) تأتي بعد اتصالات مهمة أبدت فيها (من المرجح) حركة حماس مرونة هنا أملاً بدور أمريكي موعود عبر الدوحة لوقف النار ومستتبعات الأمر.
على كل حال، إنَّ المعلومات المتوفرة تُشير إلى وجود 58 "إسرائيلي" بيد كتائب القسام وسرايا القدس وغيرهما من قوى المقاومة في القطاع، يُعتقد بأن 23 منهم مازالوا على قيد الحياة. وبالتالي فإن المسألة مازالت في استعصاء وفي مناخ لا يُبشّر بالانفراج وخلاص شعبنا من هذه الحرب التي أكلت الأخضر واليابس في القطاع.
ترامب وديدنه البزنس... أولاً وأخيراً...
إذاً، جعبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في زيارته الأخيرة للمنطقة، كانت تضم عناوين وأجندة هامة بالنسبة له ولإدارته، وعلى رأس تلك الأجندة (بزنس اقتصادي) + بيع وتسويق سلاح أمريكي لدول الخليج بأرقام مالية ضخمة + تهدئة نسبية للحالة المشتعلة في فلسطين وقطاع غزة (دون اهتمام كافٍ).... وصولاً لإعلانه رفع العقوبات عن سوريا كخطوة لترضية دمشق وتجديد العلاقات معها ودفعها للقبول بالاتجاه العام نحو معاهدة "تاريخية" بينها وبين "إسرائيل" مع حل وسط لقضية الجولان. معتبراً أن مشروع صفقة القرن في ولايته الأولى عام 2017 يتم الآن ترجمته على الأرض.
وفي عملية (البزنس) فإن أميركا و السعودية بحثتا احتمال شراء الرياض طائرات (إف 35) المقاتلة. والبيت الأبيض يُعلن بأن السعودية ستستثمر 600 مليار دولار في الولايات المتحدة، والأسهم الأميركية تواصل المكاسب، ومؤشر ناسداك يصعد.
وبالفعل، وقعت الولايات المتحدة والسعودية أكبر اتفاقية مبيعات دفاعية في التاريخ (تصوروا في التاريخ) بنحو (142) مليار دولار. الاتفاقية تتضمن تزويد السعودية بمعدات وخدمات حربية متطورة من أكثر من (12) شركة دفاعية أمريكية. وسلسلة اتفاقيات تتضمن: اتفاقية الشراكة الإستراتيجية. مذكرة تفاهم في مجال الطاقة. التعاون الدفاعي. مذكرة تفاهم لتطوير القوات المسلحة في السعودية. اتفاقيات في مجالات الجمارك والنقل. اتفاقيات في مجالات الطب والصحة والعلوم.
فلسطين الغائبة تماماً
وخلاصة القول، وفي جولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخليجية، بدت فلسطين ومسألة وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ووقف حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، كعنوان فقط في الأجندة الفرعية الثانوية للرئيس ترامب، الذي كانت أجوبته فضفاضة عند توجيه أي تساؤل بشأنها، كما عند طباخي وصانعي القرار في سراديب الدولة الأمريكية العميقة، بينما تطرق البعض من وفده بتقديم تصوّر بشأن مستقبل قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، وبرنامج إيران النووي كملفات السياسة الخارجية الأمريكية بعد الجولة الخليجية والعودة لواشنطن وبقاء الموفد (ويتكوف) في الدوحة لقيادة مفاوضات بشأن غزة.
لقد كان الرئيس ترامب قد صدم العالم، بعد أيام من بدء ولايته الثانية، بحديثه عن أن الولايات المتحدة تريد السيطرة على غزة لتحولها إلى "ريفيرا الشرق الأوسط" وتارة بنقل مواطني القطاع إلى جزيرة غرينلاند... إلخ. لكن الأمور تحوّلت وطرأت عليها مُتغيرات عدة في أداء الرئيس ترامب ذاته، لتجد الآن أن واشنطن أمام انعطافة أكثر تميزاً في علاقاتها الخليجية، وقد تُقدم على خطوات ما من أجل استرضاء السعودية أكثر فأكثر على وجه الخصوص، والتي كانت سخية جداً جداً مع الرئيس ترامب بكل ما تقدم به، وناله بالنسبة للقضايا الاقتصادية، وصراعاته الكبرى مع روسيا وجمهورية الصين الشعبية ودول بريكس عموماً.
فلسطين لن تبقى غائبة، وليست غائبة أصلاً. ففي فلسطين يتم صناعة الوقائع، والأحداث، وفي فلسطين يدور الصراع من أجل الحق والعدالة، التي لا يُمكن أن تنتهي دون تقديم الحد الأدنى من الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني والتي توافق العالم عليها، وعلى رأسها حقه بتقرير مصيره بدولة مستقلة لكل الفلسطينيين فوق الأرض المحتلة عام 1967، دولة لكل الفلسطينيين بمن فيهم فلسطينيي الشتات في دول الطوق الذين حملوا على أكتفهم عبئاً كبيراً جداً من مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.

