يوم 4/3/2025 انعقدت القمة العربية الطارئة في القاهرة, ويوم 17/5/2025 انعقدت القمة العربية العادية في بغداد, وبين القمتين القمة الخليجية بمشاركة الرئيس الأمريكي ترامب الذي استحوذ على " 4 " تريليون دولار " خاوة " من ملوك النفط وأمراء الغاز في الخليج !..
لقد كان المأمول من هذه القمم الخروج بخطة بديلة للخطة الصهيو أمريكية التي تقضي بالاستيلاء على كامل فلسطين التاريخية وتهجير الشعب الفلسطيني, وتصفية قضيته الوطنية !..
إن خطورة التحديات التي تواجه النظام الرسمي العربي تملي على دول المنطقة وقادتها إدراك أن ما هو مطلوب منها ليس مجرد الحديث عن " خطة لإعمار قطاع غزة " التي تكررت في القمّتين " الطارئة والعادية " فهذه مسألة عربياً ميسورة من الناحية الفنية, لكن بطريقة لا تؤدي إلى تهجير أهله وسكانه, ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية المرابطة فيه!, ف مصر والأردن أعلنتا رفضهما تهجير الشعب الفلسطيني سواء من الضفة أو القطاع " قسراً " وأيدت جميع الدول العربية هذا الموقف نظرياً, وأكد الشعب الفلسطيني رفضه القاطع مغادرة أرض وطنه طوعاً أو قسراً .. وعليه أصبح النظام الرسمي العربي مطالباً بالرد على كرة النار التي قذف بها ترامب إلى ملعبه بالتنسيق والمشاركة الكاملة مع مجرم الحرب نتنياهو, وبدعم مطلق من اليمين القومي الديني الأكثر تطرفاً في تاريخ هذا الكيان الصهيوني !..
تدّعي إسرائيل أن لدى قادة النظام الرسمي العربي دوافع سياسية وأيديولوجية للتخلص من " المقاومة " وأن رفض بعضهم تهجير الفلسطينيين, لأسباب أمنية لا يحول دون ترحيبهم بالقضاء على المقاومة ونزع سلاحها, غير أن هذا الادّعاء يبدو أقرب إلى البروبوغاندا الإعلامية أو الحرب النفسية, لا يستند إلى وقائع ملموسة, صحيح أن لدى أطراف من النظام الرسمي العربي خلافات سياسية حادة مع حركة المقاومة أو نزع سلاحها , قبل إنجاز " حل الدولتين "!
في جميع الأحوال فالنظام الرسمي العربي يعرف أن المقاومة هي السبيل الأكثر نجاعة لحماية حقوق الشعب الفلسطيني, سواء في القطاع أم الضفة الغربية , ولولا وجود المقاومة لتمكنت " إسرائيل " من سياسة الاقتلاع والتهجير كما حصل عام 1948, وبالتالي تعريض أمن الدول العربية المجاورة لمخاطر جمّة.. وقد أعلنت حركة " حماس " عن استعدادها " الانسحاب من المشهد " في حال توقف العدوان على غزة, وانسحاب إسرائيل منها, عندها تسلّم سلاحها لسلطة فلسطينية منتخبة من الشعب الفلسطيني, إذا تمكن هذا الشعب من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ..
وعليه فإن النظام الرسمي العربي مدعو حين يشرع بطرح رؤيته لإعمار قطاع غزة, أن ينتبه إلى أهمية الربط بين مصير القطاع والضفة الغربية و القدس , وأن يؤكد بشكل قاطع أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم هو السبيل الوحيد لإقناع حركة المقاومة الفلسطينية بأنه حان الوقت لوضع السلاح جانباً, والتحوّل إلى أحزاب سياسية تتنافس للوصول إلى السلطة عبر الآليات الديمقراطية والوسائل السلمية !.
• الأهداف الحقيقية لحرب الإبادة :
لم يكن بمقدور " حركة حماس " أن تحقق كل ما تمكنت من إنجازه حين قررت القيام ب " طوفان الأقصى " لولا نجاحها في خداع العدو وأجهزته الاستخبارية, التي ادّعت أنها قادرة على " سماع دبيب النمل " في أنحاء البلاد العربية ,فما بالك بقطاع غزة الملاصق, والمحاصر من الجهات الأربع, ولكي يتمكن السفاح نتنياهو من ستر سوءات أجهزته الأمنية التي ضبطت عارية وعاجزة, قرر شن حرب إبادة شاملة على الشعب الفلسطيني, حدد لها أهدافاً معلنة هي: "القضاء على حماس , واستعادة الأسرى الإسرائيليين", أما أهدافها الحقيقية فهي "تهجير الفلسطينيين من كامل القطاع , وإعادة احتلاله’ وكذلك كامل الضفة الغربية تمهيداً لضمّها, كما أبدى نتنياهو استعداداً للتضحية بالأسرى جميعهم في سبيل تحقيق أهدافه المعلنة والخفية, لكنه وبعد مضي ما يقارب عشرين شهراً على حربه الدموية فشل في تحقيق أي منها, فلا هو استطاع القضاء على " حماس" , ولا الشعب الفلسطيني هاجر من القطاع والضفة, وعندما بدأ الداخل "الإسرائيلي" يحاصره من أجل استعادة أسراه, لجأ إلى أسلوب الخداع والتضليل , فأعلن وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2023, إلا أنه عاد إلى إطلاق النار بعدما تمكن من استعادة بعض الأسرى عبر المفاوضات.. وعندما ارتفع صراخ أهالي الأسرى, تقدم باقتراحات بنى عليها الرئيس الأمريكي السابق بايدن خطة لوقف إطلاق النار, أعلن عنها في أيار 2024, معتقداً أن المقاومة الفلسطينية سترفضها, وعندما فوجئ بموافقتها على الخطة, عاد نتنياهو إلى استخدام المناورات والحيل كلها إمعاناً منه في شراء الوقت اللازم لتحقيق " الانتصار المطلق " وبانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية , التي توقّع أن يفوز فيها ترامب , صحيح أنه كسب رهانه.. مما اضطره لقبول ذات الخطة التي سبق لبايدن أن تقدم بها لوقف إطلاق النار قبل ثمانية أشهر, وذلك قبل يوم من دخول ترامب إلى البيت الأبيض , ثم لم يلبث أن عاد وانقلب عليها !.
• متى يدرك النظام الرسمي العربي مصالحه؟
يبدو النظام العربي غير مدرك للآفاق التي فتحها صمود الشعب الفلسطيني وتشبثه بأرضه , كما لم يدرك أهمية استثمار الزخم الشعبي الإقليمي والدولي سياسياً ودبلوماسياً , حيث يملك هذا النظام اليوم فرصة نادرة قد لا تتكرر قريباً, تمنحه القدرة على تعزيز حضوره الإقليمي والدولي , إلى جانب تعزيز مصالحه الضيقة منها – مصالح النظام المسيطر - , والوطنية كذلك , إذ يمر النظام الدولي بمرحلة عدم استقرار على خلفية تصاعد الصراعات والخلافات الدولية, خصوصاً بين المعسكرين الغربي " أمريكا و أوربا " من جهة والشرقي "الصين و روسيا " من جهة أخرى , والتي أفضت إلى أزمات اقتصادية متعددة, فضلاً عن التنافس على الأسواق , كذلك التمويل والاستثمار والاستدانة!
إن منطقتنا الإقليمية وموقعها الجيوسياسي وثرواتها الباطنية والبشرية تمنحها ميزة مؤثرة على كل ما سبق , مما يمكّن دولها من لعب دور حاسم , أو على الأقل فاعل , في الصراع الدولي المحتدم اليوم وهو ما يمكنها من فرض رؤيتها بل إرادتها السياسية – إن وجدت – نلاحظ أيضاً بُعدين مهمين على الصعيد الدعائي والشعبي , إذ طالما استثمرت الدول الكبرى مواقف شعوبها من النظام الرسمي العربي , بل يمكن القول إنها ساهمت في تكوين نظرة شعبوية سلبية تجاهه , وذلك عبر الترويج للرؤى الاستشراقية الفوقية تجاه مجمل الإقليم على اعتبار أنه " خارج التاريخ والحضارة ", من ناحية أخرى تراجعت ثقة شعوب المنطقة بالأنظمة المسيطرة, وهو ما انعكس من خلال توالي الأزمات الاجتماعية والانتفاضات الشعبية !.
بالرغم من سيطرة قوى الثورة المضادة على زمام الأمور في السنوات الأخيرة, فإن قدرتها على ضبط الشارع في المنطقة العربية تثير شكوكاً عديدة, خصوصاً بعد عملية " طوفان الأقصى " وتحديداً في الدول المطبّعة مع الاحتلال الصهيوني , أو المتقاربة معه , وعليه لا يزال النظام الرسمي العربي يملك أربع أوراق ضغط قوية :
- الأولى: الورقة الاقتصادية التي تشمل وارداته وصادراته , إذ يمكن استخدامها بقطع العلاقات الاقتصادية مع كيان الاحتلال كلياً بداية , ومع داعميه الغربيين تالياً , مما يهدد بارتفاع أسعار المشتقات النفطية , ويضع أمريكا وأوربا تحت ضغط أزمة طاقة يصعب تداركها, كما يؤدي قطع العلاقات الاقتصادية إلى خسارة دول المعسكر الغربي للسوق الإقليمية الكبيرة والمهمة, في حين يمكن لدول الإقليم تعويض تلك الصادرات من مصادر بديلة صينية وأفريقية وبرازيلية , وهو ما يعزز تباطؤ النمو الاقتصادي الغربي , ويرفع معدلات التضخم بشكل قياسي !.
- الثانية: الورقة الدبلوماسية, إن إقدام النظام الرسمي العربي على قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول الداعمة والمشاركة في حرب الإبادة والإرهاب الصهيوني, يعني تحوّل نوعي في التوازنات الدولية, بين المعسكرين المتصارعين, وهو ما يعني تداعيات نوعية على المدى القريب والمتوسط, وربما المدى البعيد أيضاً, فضلاً عن تداعياته السريعة على كيان الاحتلال الصهيوني, ودوره المفترض غربياً باعتباره عضواً مرافقاً في الاتحاد الأوروبي !.
- الثالثة: الورقة الجيوسياسية, من خلال استثمار موقع دول الإقليم المركزي في الصراع الجيوسياسي العالمي, على طريق التجارة البرية والبحرية والجوية, وهو ما يمنح النظام الإقليمي القدرة على استثمار هذه المصالح الحيوية للاقتصاد العالمي عبر تحويلها إلى أوراق ضغط, يمكنها أن تفرض رؤية تحررية وتطور بنيوي يلبي حقوق الشعب الفلسطيني, وطموح شعوب المنطقة التحررية والتنموية والنهضوية !.
- الرابعة: الورقة الإستراتيجية, تمتلك دول الإقليم بحكم أهميتها الاقتصادية والجيوسياسية خيارات إستراتيجية متنوعة وعديدة في الوقت الراهن," صينية وروسية وأوروبية وأمريكية " أيضاً إذا أحسن استخدامها أو التلويح بها في ظل الصراع والتنافس الدولي المتصاعد اليوم .
وعليه, يملك النظام الرسمي العربي فرصة نادرة قد تمكنه من تحقيق تحوّل نوعي في مكانته الدولية , قد تساهم في معالجة أزماته الوطنية , وربما القومية, وتمكنه من تحقيق نهضة حضارية على مختلف الأصعدة , اقتصادية وسياسية وثقافية , تنعكس إيجاباً على مكانة شعوب المنطقة ودولها وقيمها .. كما قد يتعرض النظام الإقليمي / في حال تردده وامتناعه عن ذلك / إلى تحديات إستراتيجية كبرى, داخلية وخارجية, ربما يصعب تدارك تداعياتها المحتملة لاحقاً !..

