Menu

جریمة النكبة في نسختھا الجدیدة

حاتم استانبولي

nakba.jpg

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

٧٧ عاماً مرت على جریمة النكبة التي كنا نحاول أن نتعرف علیھا من خلال الأحادیث والشھادات والروایات والقلیل مما كتب عن تفاصیلھا ومدى عمق ومنھجیة عقلیة العدوان الصھیوني الذي جسد ھمجیة الفكرة الرأسمالیة الصھیونیة لكن ما نعیشه یومیاً وعلى مدى تسعة عشر شھراً یفسر لنا بالملموس ما جرى ما قبل جریمة النكبة وما بعدھا على مدى ٧٧ عاماً.

جریمة ارتكبت في وضح النھار ضد شعب أعزل سرقت أرضه وأملاكه وھویته وثقافته ودفع للھجرة من خلال ما ارتكب من عملیات قتل وتعذیب وتھجیر قسري.

ھذه الجریمة الموصوفة المكتملة الأركان المعلن عن منفذیھا وأدواتھا وأھدافھا والنیة المسبقة لدوافع مرتكبیھا الذين تعددت ھویتھم القومیة والفكریة والدینیة.

والیوم على مدار تسعة عشر شھراً تتكرر ھذه الجریمة بكافة فصولھا ودوافعھا وأطرافھا التي تعددت ھویتھم القومیة والفكریة والدینیة.

جریمة النكبة كانت جریمة تجاوزت حدود الإبادة الجماعیة لمجموعة بشریة الموصوفة في القانون الإنساني الدولي وھي تتطلب تمحص وقراءة واستخلاص المعطیات القانونیة التي تتلاءم مع ما جرى في جریمة النكبة عام ١٩٤٨وما یجري منذ ١٩ شھراً من حرب الإبادة المعلنة على الشعب الفلسطیني.

أثبت مرتكبو الجریمة أنھم وبخلاف انتماءاتھم وخلفیاتھم ومَواقِعِھم الرسمیة دولیاً وإقلیمیاً ومحلیاً أنھم عملوا منذ ٧٧ عاماً بشكل منھجي من أجل إبادة الشعب الفلسطیني.

الجریمة كانت فكرة صھیونیة عملت على تحویلھا من فكرة لمِجموعة رأسمالیة مُرابیة صھیونیة إلى فكرة لرأس المال عندما اندمج رأس المال المرابي الصھیوني في حركة رأس المال العالمي وأصبحت عقلیة المرابي الصھیوني ھي أيدیولوجیة وشكل للاستغلال الرأسمالي المالي الذي أصبح مسیطراً على حیاة الجموع البشریة في كل أصقاع الأرض.

وفي ھذا السیاق كان إعلان الرؤساء وأعضاء الحكومات والوزراء عن صَھیونِیَتِھم تعبیراً عن المدى الذي وصل إلیه نفوذ الحركة الصھیونیة.

عبر ٧٧ عاماً تحولت الفكرة الصھیونیة من فكرة تتداول بین القبائل الدینیة الیھودیة كان ینظر إلیھا على أنھا فكرة عنصریة یجب محاربتھا بقرار من الأمم المتحدة تحت رقم ٣٣٧٩ في ١٠ نوفمبر من عام ١٩٧٥ھذا القرار الذي قامت الولایات المتحدة بتقدیم نص لنبذه بمعنى إلغاء قرار الجمعیة العامة باعتبار الحركة الصھیونیة حركة عنصریة.

ھذا الإلغاء أعطى مشروعیة للحركة الصھیونیة وفكرھا العنصري التمییزي الذي یتلاقى مع الفكر النازي في ممارسته ونتیجة لھذا القرار اكتسبت الحركة الصھیونیة وفكرھا العنصري التمییزي زخماً رأسمالیاً وأصبحت الأیدیولوجیة الصھیونیة رسمیاً ھي أیدیولوجیة رأس المال بغض النظر عن ھویته القومیة أو الدینیة حتى أن بعض تیارات الیسار تأثرت بالفكرة الصھیونیة بعد أن استثمرت الحركة الصھیونیة بقانون معاداة السامیة الذي استخدم في إطار إعلان المُعاداة للصھیونیة وإسرائیل على أنه معاداة للسامیة ومن خلال ھذا القانون الذي أصبح أداة لقمع أیة تحركات معادیة للِممارسات الإجرامیة للحركة الصھیونیة التي أعلن عام ١٩٤٨ عن أول دولة تحمل ھذه العقیدة الأیدیولوجیة وھي دولة الإحِلال الصھیوني الإسرائیلي في فلسطین.

تشریع الحركة الصھیونیة وفكرھا وتمددھا في الحكومات والنظم حول الحركة الصھیونیة ومؤسساتھا المعلنة تحت اسم الجمعیات والنوادي والمراكز الدینیة الیھودیة في العدید من البلدان إلى أدوات ضغط داخلي لتحدید سیاسات الدول والحكومات التي شرعت وغطت وتغطي الجرائم الصھیونیة في فلسطین بشكل عام وفي غزة والضفة الآن تحدیداً.

الآثار التي ترتبت على إعلان أن الفكرة والأیدیولوجیة الصھیونیة ھي فكرة رأس المال العالمي وتمدد نفوذھا إلى في أوساط الأدیان الأخرى تحت مسمیات مختلفة واتفاقات متعددة أبرزھا اتفاقات كامب دیفید واتفاق أوسلو ووادي عربة وأبراھام جمیع ھذه الاتفاقیات كانت مدخلاً لتحویل فكرة التحرر الوطني الفلسطیني من فكرة تحرریة إلى فكرة إرھابیة وإضفاء طابع دیني على الصراع وتحویله من صراع وطني تحرري من أجل تحقیق العدالة الإنسانیة إلى صراع حول تحقیق الرغبة الإلھیة الموعودة في استحضار للمَقولات الدینیة حول تحقیق العدالة الإلھیة الذي حول الصراع بین الفئات الدینیة والعرقیة والقومیة من صراع على تحقیق العدالة الإنسانیة للجمیع بغض النظر عن خلفیاتھم الفكریة والدینیة إلى صراع بین الأدیان والمذاھب والأعراق والقومیات في منطقة تحمل كل ھذا الإرث الفكري الدیني المتعدد بھدف تشریع تحویل الفكرة الدینیة الیھودیة إلى فكرة قومیة ولكنھا تحمل الصفاء الدیني لتحقیق مقولة الأفضلیة الدینیة الیھودیة كمدخل لتحقیق الفكرة الصھیونیة التي تفسر أن العالم مُقَسم بین أسیاد ورعاع.

ونتیجة لھذا فإن تشریع ودعم وتغطیة حرب الإبادة على غزة من قبل الحكومات والدول الرأسمالیة ھي نتیجة لعمل قامت به الحركة الصھیونیة خلال ٧٧ عاماً أصبح فیھا نفوذھا السیاسي والفكري عابر للقارات والأدیان والأفكار في الدول والحكومات والمنظمات المساندة للفكر الصھیوني تحت مسمیات متعددة تتغلغل في المجتمعات تحت شعارات تكیل بمكیالین.

لكن في الوجه الآخر لا یمكن لأي فكرة أو مؤسسة أو قوة أن تلغي القانون الطبیعي الذي یعمل خارج الإرادة ویكتسب الصفة الموضوعیة وھو قانون التناقض الذي صعد وبین أن التناقض الرئیسي القائم بین العدالة الإنسانیة ونقیضھا یتمثل في الفكرة الصھیونیة وأدواتھا الرأسمالیة ومساندتھا وأتباعھا من جھة وبین القضیة الفلسطینیة ومناصریھا الذین خرجوا على مدى تسعة عشر شھراً في المیادین والساحات منددين بحرب الإبادة وكاشفين الجوھر الإجرامي والعنصري والتمییزي للفكر الرأسمالي الصھیوني وأدواته السیاسیة والإعلامیة والذي أصبح یھدد النفوذ الصھیوني في الدول والمؤسسات وأصبحت تشیر أن استمرار حرب الإبادة أصبح یكشف ویؤثر على النفوذ الصھیوني الرأسمالي في الحكومات وأصبحت حركة المناھضة للممارسات الصھیونیة تأخذ أبعاداً من الممكن أن تطال تأثیرھا قرارات الدول التي بدأت تتسارع فیھا حملات الإدانة والتندید.

الممارسات الممنھجة الإجرامیة في غزة التي فاقت ممارساتھا ما نصت علیھا قوانین الأمم المتحدة في وصفھا للإبادة الجماعیة وضعت كافة الحكومات بموقع الشبه المعلنة لدى جماھیرھا وخاصة جیل الشباب القادم الذي سیكون ھو الجیل الذي سوف یقوض نفوذ الرأسمالیة الصھیونیة وامتداداتھا.

الذكرى ال٧٧ لجریمة النكبة سیكون لھا وقع خاص وستكون نقطة تحول في الصراع ما بین تحقیق العدالة الإنسانیة وبین شرور نقیضھا المتمثل بالرأسمالیة الصھیونیة وأدواتھا.

ما یجري في غزة والضفة یعید لنا مشھد جریمة النكبة التي كانت تتویجاً للتآمر الذي أعلن في بازل سویسرا في مؤتمر الحركة الصھیونیة وإعلان بلفور الذي تطلب اتفاقیة سایكس بیكو وتقسیم المنطقة بین كل من بریطانیا وفرنسا وإيطالیا مراكز الحركة الصھیونیة في بدایات القرن الماضي ھذا التقسیم الذي أعطى مبررات إنشاء الوطن القومي حسب وعد بلفور الذي حولته الحركة الصھیونیة بغطاء استعماري بریطاني إلى دولة یھودیة وتقسیم فلسطین (الدولة) التي كانت حیزاً مكانیاً لكافة القومیات والأدیان إلى مكان للإِحلال الیھودي المستعمر الصھیوني والإلحاق الذي ألغى الھویة والشخصیة الوطنیة الفلسطینیة في حین بقیت غزة البقعة المكانیة الفلسطینیة التي تحمل عنوان الھویة والشخصیة الفلسطینیة والتي عانت وتعاني من ھذا الاستحقاق منذ ٧٧ عاماً.

ھذا ھو قدر غزة وجماھیرھا التي ھي طلیعة المدافعین عن فكرة التحرر الوطني الفلسطیني في ھذه اللحظة التاریخیة التي أصبحت فیه القضیة الفلسطینیة ھي معیار وناظم تحقیق العدالة الإنسانیة بِثلاثیتھا الحریة والعدالة الاجتماعیة والمشاركة.

دماء أطفال ونساء وشیوخ وشباب غزة ھو ثمن یدفعونه عن كل أحرار العالم.

والاحتلال الإحلالي یمارس جرائمه نیابة عن كل مراكز رأس المال الصھیوني وأدواته الممتدة في كل دول العالم بحیث أصبح الدم الفلسطیني عبئاً علیھا ملطخاً كل مراكز رأس المال الصھیوني وأدواته السیاسیة والإعلامیة والاقتصادیة وأتباعھم في المنطقة في صورة لتِكرار جریمة النكبة بعد ٧٧ عاماً.