أي مراقب لتطور المواقف الأوروبية، سواء على مستوى الدولة الواحدة أو على مستوى المجموعة الأوروبية أي الاتحاد الأوروبي، يلاحظ تطوراً في هذه المواقف. كمراقب لهذا التطور، أستطيع القول إن مواقف الدول الأوروبية منفردة وكذلك الاتحاد الأوروبي مر بثلاث مراحل أساسية هي :
أولاً مرحلة هرعت بها الدول الأوروبية لدعم إسرائيل واعتبار أنها الطرف الذي وقع عليه العدوان، لذلك يحق لها الدفاع عن نفسها وأوروبا تدعمها بهذا الموقف، وهنا وإن عدنا للأسابيع التي تلت السابع من أكتوبر 2023, نرى العديد من الزيارات التي قام بها المسؤولون الأوروبيون كما هو حال الرئيس الأمريكي بايدن آنذاك .
ثانياً مرحلة توجيه انتقادات للممارسات العسكرية على الأرض بقطاع غزة وكذلك تصريحات مسؤولين في الحكومة الصهيونية وفي هيئة أركان جيش الاحتلال، مجمل هذه التصريحات أكدت أن الموقف الرسمي الصهيوني يعمل وفق مشروع مخطط سابقاً وهو تهجير أكثر من مليونين من قطاع غزة للخارج وبالتالي إحداث نكبة فلسطينية جديدة بعد ما عاشه الشعب الفلسطيني في عام 1948, وهنا مثلت مجزرة مستشفى المعمداني في قطاع غزة نقطة التحول في الشارع الأوروبي وكذلك عند العديد من المسؤولين الأوروبيين، من سياسيين وأحزاب وأعضاء برلمانات. في إطار هذه المرحلة جاء قرار محكمة الجنايات الدولية بإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس وزراء الكيان الصهيوني ووزير حربه قالنت ليعطي زخماً كبيراً باتجاه انتقاد إسرائيل ومطالبتها بالتوقف عن ممارسات الإبادة بحق المدنيين وكذلك تدمير كامل وممنهج للبنية التحتيّة في مختلف قطاعات الحياة الصحية والتعليمية والاقتصادية بقطاع غزة. لم توصل هذه الانتقادات لدفع الكيان الصهيوني للتوقف عن عدوانه والسماح بإدخال مختلف المساعدات الضرورية لسكان القطاع.
ثالثاً وهي المرحلة الحالية التي مثلت بداية تحول كبير في السياسة الأوروبية وكذلك في مواقف غالبية الدول الأوروبية، هذا التحول يجسد نفسه بالمطالبة بوقف العدوان فوراً والسماح بإدخال المساعدات والأهم الدعوة لتبني الاتحاد الأوروبي مواقف عملية تجاه إسرائيل وأهمها إعادة النظر باتفاق الشراكة الذي يربط الاتحاد الأوروبي بكيان الاحتلال، كذلك رأينا مواقف متقدمة من بعض الدول بمنع تصدير السلاح لإسرائيل وسحب بعض الاستثمارات خاصة من بعض صناديق الاستثمار الكبيرة التابعة لبعض الدول مثل النرويج.
خلال اللقاء الذي جرى مؤخراً على مستوى وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، لم يستطع الاتحاد تبني موقف واضح نحو إعادة النظر باتفاق الشراكة، حيث صوتت غالبية دول الاتحاد وعددها 17 لصالح إعادة النظر بينما عارضته 9 دول، وبما أن الاتحاد الأوروبي يعمل وفق مبدأ الإجماع في مواقفه السياسية، تم ترحيل هذا الموضوع للقاء قادم بشهر حزيران القادم .
التحول في سياسة العديد من الدول الأوروبية تجسد مؤخراً بإعلان بعضها عن عزمه الاعتراف بدولة فلسطين، وهذا موقف جديد في الساحة الأوروبية سيما وأن قضية الاعتراف بدولة فلسطين موضوع مطروح منذ عقود لكن لم تجرؤ الدول الأوروبية باستثناء النادر منها من تخطي حاجز عدم الاعتراف باتجاه الاعتراف .
كيف نفسر هذا التحول الكبير بالسياسة الأوروبية تجاه إسرائيل وهي التي أنشأت هذا الكيان ورعته ودعمته وغطت خلال كل المرحلة الماضية كل جرائمه؟ الجواب نجده بتوفر عدة عوامل تفسر هذا التحول وهي :
أولاً- بشاعة المشاهد القادمة من قطاع غزة، وحجم التوحش وأعداد الضحايا وحجم الدمار الناتج عن هذا العدوان المستمر.
ثانياً- وصول السياسيين لقناعة أن استمرار مشروع الإبادة والهادف للتهجير لا أفق له: ما لم يستطع ناتنياهو خلال أكثر من سنة ونصف السنة من تحقيقه سياسياً، لن يستطيع فعله خلال الشهور القادمة، لذلك حان الوقت للتوقف والذهاب لبدائل أخرى .
ثالثاً - وجود رغبة عند العديد من الدول الأوروبية بضرورة تميز السياسة الأوروبية عن السياسة الأمريكية، وهنا لا بد من ذكر أن مواقف ترامب الأخيرة سواء في الموضوع الأوكراني أو في ملف زيادة الضرائب على البضائع المستوردة ومنها الأوروبية، دفع بهذه الدول للتفكير بمقاربة جيوسياسية جديدة، ترى ضرورة التميز عن السياسة الأمريكية في العديد من المناطق ومن بينها منطقة الشرق الأوسط وفي قلبها القضية الفلسطينية.
رابعاً- وهذا عامل مهم جداً وهو موقف الشارع الأوروبي، حيث ما يزال زخم رفض هذا الشارع لاستمرار العدوان على قطاع غزة، الشارع الأوروبي خرج ومازال يخرج بأعداد ضخمة للتعبير عن رفضه وإدانته لحرب الإبادة المستمرة بقطاع غزة، هذا الشارع يطلب من أحزابه ومن حكوماته للتوقف عن دعم إسرائيل وتقديم السلاح لها ويرفض منحها غطاء سياسياً لما تقوم به، هذا التحول نراه كذلك في أوساط جمعيات يهودية في العديد من الدول الأوروبية وهذا يعبر عن نفسه عبر شعار ليس باسمنا، أي أن إسرائيل ليس من حقها القول إنها تمثل اليهود في العالم أو أنها المدافعة عن مصالحهم في الدول الأوروبية وأخيراً ليس من حقها القول إنها وريثة ما تعرضت له الجاليات اليهودية في العديد من الدول الأوروبية خاصة خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية وما قام به نظام هتلر ومن وقفوا معه ضد الجاليات اليهودية الأوروبية.
نعم نحن أمام تحول كبير وأمام مقاربة جديدة تستحق الدراسة وتستحق التحليل لنرى ما يمكن عمله باتجاه معاقبة إسرائيل على جرائمها وفرض العزلة عليها.
علينا أن نكون واعين أن موقف الشارع الأوروبي لا يلغي وجود لوبي فاعل يدافع عن السياسة الإسرائيلية رغم وحشيتها، وهنا يتم استخدام أسطوانة قديمة جديدة وهي توجيه التهمة للنشطاء، لسياسيين أوروبيين، لأحزاب أوروبية وكذلك لدول أوروبية أحياناً بأن مواقفها هي مواقف معادية للسامية ، هذا السلاح الذي استخدم كثيراً بدأنا نراه بقوة في الآونة الأخيرة، قضايا رفعت ضد نشطاء، تهم وجهت لسياسيين معروفين، وجود تساوق عند بعض الدول الأوروبية بإعلان منع وحظر نشاطات لجمعيات ناشطة في العمل التضامني مع فلسطين، هذا المسعى من قبل أوساط اللوبي الصهيوني يهدف أولاً لتجريم حركة التضامن الأوروبية واعتبار نشاطها يصب في معاداة السامية، وثانياً هدف ترهيب نشطاء عبر رفع دعاوى ضدهم بسبب نشرهم على صفحاتهم محتويات منتقدة لسياسات الكيان الصهيوني واعتبار ذلك ترويجاً للفكر المعادي للسامية.
إذاً نحن أمام مرحلة فيها أفق جديد لم نعرفه سابقاً وفيه الكثير من الجوانب الإيجابية وكذلك فيه بعض المخاطر، غياب عامل عربي فاعل من جهة واستقالة الشارع العربي من التعبير عن رفضه لما يتعرض له الشعب الفلسطيني من حالة تدمير وإبادة وخطر التهجير من أرض فلسطين، إن أضفنا عامل الانقسام المدمر الذي تعرفه الساحة الفلسطينية وفقدان الوعي عند الأطراف الفلسطينية أننا أمام مرحلة وجودية لذلك حان الوقت لتجاوز حالة الانقسام والذهاب نحو تقوية العامل الذاتي الفلسطيني.

