Menu

أدب النكبة: سردية الوجع والهوية

د. ثائر يوسف عودة

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

شكّلت نكبة 1948 نقطة تحوّل جوهرية كبرى في التاريخ العربي الحديث، أسفرت عن تهجير أكثر من مليون فلسطيني من ديارهم إثر قيام الصهاينة بسرقة فلسطين واغتصاب أراضيها، وكانت واحدة من أخطر الأحداث التي غيّرت وجه التاريخ العربي، وأسّست لمأساة وطنية مستمرة حتى يومنا هذا، إذ أن تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم ترك أثراً عميقاً في الوجدان الجمعي الفلسطيني؛ وولّد حالة عميقة من الألم والمعاناة والحنين، انعكست بقوة على الأدب الفلسطيني والعربي بشكل عام الذي حمل رسالة الدفاع عن الهوية والثقافة والوجود.

 

أدب النكبة

أسهمت النكبة في انبثاق تيار أدبي خاص، عُرف بـ "أدب النكبة" وثّق الألم الفلسطيني، وخلّد الحنين للأرض، وأعلى من قيمة المقاومة الثقافية عبر مختلف الأجناس الأدبية. خاصة الشعر والرواية والقصة القصيرة، وسعى الأدباء إلى توثيق المعاناة، والحفاظ على الهوية، ومقاومة محاولات الطمس والنسيان. فأفرزت النكبة أدباً ذا طابع خاص، تميّز بمرجعياته الوطنية والإنسانية، وبمضامينه الغنية التي تدمج بين الحنين إلى الوطن، والشعور بالظلم، والدعوة للمقاومة، مما جعل "أدب النكبة" فرعاً أصيلاً في الأدب الفلسطيني المعاصر. وأصبح وسيلة للحفاظ على الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، ووسيلة مقاومة ثقافية موازية للمقاومة السياسية والكفاح المسلح. وأنتج هذا الأدب مجموعة كبيرة ومتميزة من الكتّاب الذين أسهم كلُّ واحد منهم وبطريقته في بناء خطاب أدبي يحمل الخصوصية ويعبّر عن النكبة بكل أبعادها.

لذلك تُعدّ النكبة حدثاً مؤسساً في الأدب الفلسطيني، فقبل النكبة، كان الأدب الفلسطيني يتشابه مع الأدب العربي المجاور له في موضوعاته، لكنه بعد النكبة أصبح يحمل طابعاً خاصاً، وتحوّل إلى أداة مقاومة، وسعى إلى إعادة كتابة التاريخ من منظور الضحية، وتوثيق المعاناة اليومية الناجمة عن النكبة في الشتات والمخيمات.

 

موضوعات أدب النكبة

أول موضوعة تطالعنا وبشكل صارخ ومستمر هي موضوعة الحنين إلى الأرض؛ إذ شكّل الوطن المفقود (الضائع) الثيمة الأساسية في أدب النكبة، وصوّرت الأعمال الأدبية الأرض المغتصبة بوصفها فردوساً مفقوداً، وصاغت مشاعر الشوق والحنين إلى ذلك الفردوس بطرائق جمالية عميقة. فبرزت المفردات الرمزية التي تعبّر عن المكان/ الوطن المفقود: القرية، البيت، الزيتون، البيارة، الأرض رمز الأم أو الحبيبة والوطن والهوية. وأفضى ذلك إلى الحديث عن الغربة والمنفى؛ حيث عاش الفلسطيني حالة اغتراب قاسية من النفي والشتات، انعكست بشكل مؤلم في نصوص الكتّاب التي جسدت معاناة اللاجئ في مخيمات اللجوء، والبحث عن الذات في عالم غريب، وتصوير شعور التيه والضياع بعيداً عن الديار. ولم يكتفِ بأن يكون ذاتياً يصوّر المعاناة الفردية بل صوّر المعاناة الجماعية، واعتنى بالمأساة الجماعية بدلاً من التركيز على الفرد، والحزن العميق، إذ امتلأت النصوص بمشاعر الفقد والقهر التي تعبّر عن مجموع المشردين.

يضاف إلى ذلك، الحرص على التسجيلية أو التوثيق الواقعي التاريخي للأحداث؛ إذ اعتمدت معظم النصوص على أحداث واقعية ومأساوية، ودمجت الأحداث التاريخية بكل تفاصيلها بالنص الأدبي لتوثيق النكبة، من خلال نقل معاناة الفلسطينيين إلى الأجيال القادمة، وسعى الأدباء لتوثيق النكبة بوصفها جريمة تاريخية وكارثة إنسانية ارتكبت ضد شعب أعزل.

ولم يتخلَّ ذلك الأدب عن تكريس الكفاح والمقاومة، فتحول إلى أداة نضالية، سواء بالدعوة إلى الكفاح المسلح أو عبر تعزيز الهوية الوطنية. والإيمان بأن العودة قادمة رغم الألم. وفي محاولة مقاومة النسيان، حافظ على الهوية والثقافة الفلسطينية في وجه كل محاولات الطمس، بوصفه أداة مقاومة للحفاظ على الهوية والذاكرة.

وتمكن الإشارة هنا إلى النهج اللافت للنظر في هذا الأدب الذي تطوَّر لاحقاً، هو العالمية، الذي يعني بأبسط معانيه تبنِّي موقف تجاه قضية فلسطين، الذي لا يرى هذا الشأن من الناحية السياسية أو الدينية، بأنه صراع بين المسلمين واليهود، أو العرب وغير العرب، بل بأنه صراع بين الظالم والمظلوم، بين القاتل والضحية. وبالتالي لم تقتصر مهمة أدب النكبة على توثيق المأساة بل تجاوزت ذلك إلى مخاطبة الوجدان الإنساني العام، داعياً إلى إعلاء قيم الحرية والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والتأثير في الرأي العام من خلال نقل القضية الفلسطينية إلى العالم عن طريق الترجمة والنشر.

 

سمات فنية عامة لأدب النكبة

تميّز أدب النكبة بسمات فنية عدّة، أبرزها تلك اللغة المشحونة بالعاطفة التي مالت إلى التكثيف العاطفي العالي، وراوحت ما بين الحزن والغضب والأمل، واستخدام لغة غنية بالصور والتشابيه للتعبير عن الألم والحنين، فكانت قريبة من وجدان الناس وهمومهم. واتخذت من الرمزية في الأسلوب متكئاً رحباً للتعبير عن المعاناة، بالإضافة إلى تقنية اللعب بالزمن واستخدام الاسترجاع والاستذكار، والتداخل الزمني لربط الماضي بالحاضر والمستقبل. وتعدُّد الأصوات لإبراز وجهات نظر متعددة تسلّط الضوء على تنوع التجربة الفلسطينية.

النكبة شعراً:

لم يكن الشعر الذي كُتب عن النكبة مقتصراً على جيل محدود، بل كان مشروعاً ثقافياً ضخماً شارك فيه مئات الشعراء الذين جسّدوا الحنين والمقاومة والوجع في قصائد خالدة. والشعر الذي كتب عن النكبة لم يكتفِ بالبكاء على الأطلال، بل حمل في طياته مشروعاً تحررياً كبيراً، ومع الوقت تطوّر هذا الشعر ليعبّر عن تجارب المنفى الطويل والهوية الممزقة. وجميع القصائد كانت تُكتب وتُلقى في ظل الاحتلال والشتات، وكان لها دور تعبوي هائل بين الجماهير الفلسطينية والعربية. كما أن الكثير من تلك القصائد لُحّن وغُنِّي وأصبح جزءاً من التراث النضالي الفلسطيني.

وبرزت مجموعة من الشعراء الروّاد الذين شكّلوا النواة الأساسية لشعر النكبة، وكرّسوا أشعارهم في هذا الجانب، ونذكر على سبيل التمثيل لا الحصر أبرز المؤسسين لشعر النكبة وما تلاهم من أجيال متعاقبة: عبد الرحيم محمود، عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، يوسف الخطيب، حسن البحيري، هارون هاشم رشيد، محمود درويش، سميح القاسم، معين بسيسو، فدوى طوقان، توفيق زياد، راشد حسين وغيرهم كثير.

 

النكبة سرداً حكائياً:

على الرغم من أنّ الشعر كان أسرع الأجناس التي استجابت لأحداث النكبة، إلا أنّ الرواية سرعان ما أثبتت حضورها القوي، فغدت وسيلة للسرد، للتوثيق، وللتعبير عن الهوية والمقاومة. والرواية كانت وما زالت أحد أهم الأجناس الأدبية التي تناولت النكبة، لأنها استطاعت أن ترسم تجربة التهجير، واللجوء، والضياع بأسلوب سردي عميق ومؤثر، وأوصلت صوت الضحية إلى العالم بطريقة إنسانية وأدبية. والرواية التي تناولت النكبة لم تكتفِ بالسرد التاريخي التوثيقي للأحداث على أهمية هذه المهمة، ولكنها أنتجت أيضاً عملاً فنياً أدخل القارئ في تجربة نفسية واجتماعية وثقافية، تعبّر عن: الفقد والحنين والشتات والهوية والنفي والصراع الوجودي والأمل والعودة. بالإضافة إلى مخاطبتها للضمير الإنساني العالمي بأسلوب فنيّ راقٍ.

وثمة خصائص ميّزت الرواية عن غيرها من الأجناس الأخرى، منها: التوثيق الذي يمزج بين السرد الحكائي والوثائق الحقيقية. وتسليط الضوء على الشخصيات المهزومة/المقاومة وكيفية تحوُّلها من اللاجئ الضحية إلى المقاوم. واستخدام الرموز المعبرة من مثل الخزان، المفتاح، البيوت، الأشجار... وكذلك اللجوء إلى البنية المتقطعة/ الزمن المكسور لتجسيد حالة الشتات. فأصبح للرواية دور مهم في بناء الوعي بالقضية، لأنها كانت وما زالت أداة فاعلة في إيصال الرواية الفلسطينية للعالم، وكسر السردية الصهيونية المهيمنة، وزرع الإحساس بالتاريخ والانتماء في أجيال ما بعد النكبة. فتحولت رواية النكبة إلى شهادة إنسانية حيّة تتوارثها الأجيال، وهي مرآة للمنفى، وتعبير عن الحق في الأرض، ووسيلة لإحياء الذاكرة في وجه النسيان. وفي ظني أنّ الرواية الفلسطينية ستبقى نبضاً حياً يروينا بالحقيقة، ويدفعنا نحو الأمل والعودة، مهما طال اللجوء. ومن أبرز المؤسسين لرواية النكبة وما تلاهم من أجيال متعاقبة، نذكر: غسان كنفاني ، جبرا إبراهيم جبرا، إميل حبيبي، إبراهيم نصر الله، إلياس خوري وغيرهم كثير.

كما أنّ القصة القصيرة رافقت الرواية في تصوير النكبة والحديث عنها، فكانت وسيلة فعالة لتوثيق اللحظات اليومية والمعاناة الفردية على الرغم من عدم اعتنائها بتفاصيل النكبة الكثيرة كما فعلت الرواية. ومن أبرز الكُتّاب الذين تناولوا النكبة في قصصهم الكاتبة المتميزة سميرة عزام التي تناولت في قصصها وخاصة مجموعة "الساعة والإنسان" معاناة الفلسطينيين بعد النكبة، مركزة على الجانب الإنساني والاجتماعي. والصراع الداخلي للفلسطيني المهجّر، وتشتته بين الماضي والحاضر.

مع تطور الزمن، لم يعد أدب النكبة يركز فقط على الحنين والمعاناة، بل أصبح أكثر انفتاحاً على قضايا الهوية العالمية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان. وبرز جيل جديد من الأدباء الذين دمجوا بين الهم الفلسطيني والقضايا العالمية، في نصوص ما بعد حداثية تمزج بين المحلي والعالمي. فتطورت الموضوعات والأساليب مع الجيل الجديد من الأدباء الفلسطينيين، لكن موضوعة النكبة لم تغب عن كلّ السرديات الفلسطينية وإن تراجعت في الحضور فإن ظلّها لم يتراجع.

كما أنّ تأثير النكبة لم يقتصر على الأدب الفلسطيني فقط، بل أثّر في الأدب العربي بشكل عام، حيث ألهم الكثير من الكتاب العرب للتعبير عن قضايا التحرر الوطني، وأعاد تشكيل الأدب السياسي والاجتماعي في العالم العربي، وأسهم في تطوير الأدب السياسي المقاوم في الأدب العربي.

خلاصة القول، يظلّ أدب النكبة شهادة حية على واحدة من أكبر مآسي القرن العشرين، ومرآة تعكس معاناة الشعب الفلسطيني، وركيزة أساسية في الحفاظ على الذاكرة الوطنية والقومية، ومخزوناً ثقافياً لا ينضب. ولقد نجح هذا الأدب في أن يحوّل المأساة إلى فعل مقاومة ثقافية، حافظ على الهوية الوطنية، ولعب دوراً محورياً في الحفاظ على الذاكرة الجمعية، وأوصل صوت اللاجئ إلى أقاصي العالم. فأصبح كثير من نصوص أدب النكبة يُدرّس في جامعات دولية، ويُترجَم إلى لغات عديدة. ومع استمرار الاحتلال والشتات، يظل هذا الأدب شعلة متقدة، تذكّر العالم بوجود شعب لن ينسى قضيته، وستبقى مهمة هذا الأدب مستمرة ما دامت النكبة قائمة، وما دام هنالك فلسطينيون يصرخون: نحن هنا... ولن ننسى.