Menu

نهار آخر شكرا "مادلين"..الرسالة وصلت..

رضي الموسوي

بوابة الهدف

"مادلين" اسم سفينة أبحرت مطلع الشهر الجاري من ميناء كتانيا بجزيرة صقلية الإيطالية وضبطت بوصلتها نحو غزة، حيث يُحاصَر أكثر من مليوني فلسطيني منذ عام 2007، ويتعرضون لإبادة جماعية وتطهير عرقي منذ السابع من أكتوبر 2023، وسط صمت وتواطئ عربي ودولي لم يشهد له التاريخ الحديث مثيلا. رجح القائمون على رحلتها أنها قد لا تصل، لكنهم تمسّكوا بالأمل والإرادة التي لا تقهر.

في الأصل "مادلين" هو اسم الفتاة الغزية "مادلين كُلّاب"، التي ركبت البحر عندما كانت طفلة صغيرة في السادسة من عمرها، لتكون أول وأصغر صيادة سمك تشق عباب بحر غزة المحاصر ببحرية الاحتلال الصهيوني طوال الوقت. كانت تساعد والدها في مهنته الخطرة، لكن شاءت الأقدار أن تبحر وحدها، وهي في الثالثة عشرة من عمرها، وترمي الشباك لتصطاد ما يسد رمقها وأشقاءها الصغار بعد أن أصيب والدها بمرض أقعده. انطلقت الصبية مادلين متحدية الاحتلال والزمن. علّمَت الفتيات فن الصيد وكيفية صناعة الشبك. قال واحد من أبطال سفينة الحرية التي قررت الإبحار إلى غزة: نطلق على السفينة اسم "مادلين".. وهكذا كان.

"مادلين" السفينة هي اليوم أسيرة في ميناء أسدود ب فلسطين المحتلة، بعد قرصنة صهيونية فاضحة في المياه الدولية وأسر طاقمها المتعدد الجنسيات. الشابة والناشطة البيئية السويدية "غريتا ثونبرغ" واحدة من الأبطال الأسرى الإثنى عشر الذين كانوا يحلمون بمعانقة بحر غزة ويكحّلوا عيونهم ببحرها وناسها الطيبين الذين يدفعون الدم ثمنا لكرامة أمة مترامية الأطراف تركتهم لهولاكو العصر يفتك بهم. قالت غريتا وهي تهم بصعود السفينة: "أياً كانت الصعاب التي سنواجهها، يتوجب أن نستمر في المحاولة، لأن لحظة توقفنا عن المحاولة هي تلك التي نفقد فيها إنسانيتنا. ومهما كانت خطورة هذه المهمة، فإنها لا تساوي خطورة صمت العالم بأسره إزاء إبادة جماعية تُنقل مباشرة على الهواء". أصاب قول الصبية غريتا كبد الحقيقة، وخصوصا إزاء أمة العرب. فقد نسى أغلب العرب العزة والكرامة التي كانت صفات لازمة للعربي الأصيل بجانب الشهامة والكرم. غريتا ومن معها سيطلق سراحهم بعد برهة من الزمن، وستبقى السفينة مادلين رهن الاعتقال شأنها شأن السفن التي قرصنتها واختطفتها العصابات المرفوع عنها قلم القانون الدولي. فهذا الكيان وُلِد نتيجة جريمة قبل سبعة وسبعين عاما، واستمر بجرائمه وجرائم داعميه وتخاذل بني جلدته.

وسط البحر تتصل مادلين الغزية بمادلين السفينة. تشد الأولى من أزر الثانية. تطلق ريما حسن، عضو البرلمان الأوروبي، وهي وسط البحر على ظهر مادلين السفينة، كلماتها مخاطبة مادلين الغزية: "انتو اللى عم بتساعدوا العالم". "ريما" هذه فرنسية من أصل فلسطيني هجّر الإحتلال أهلها في نكبة عام 1948. ترد عليها مادلين الغزية: "أنتم فخرنا".

حوار كهذا لا يفهمه شوفيني مثل عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن الحزب الجمهوري لندسي غراهام، الذي يعتبر صهيونيا أكثر من الصهاينة لشدة كرهه وحقده على الشعب الفلسطيني. غضب من مبادرة أبطال الحرية بالإبحار إلى القطاع المحاصر، وخاف أن يصلوا ليفضحوا ما خفي من جرائم لم تبث بعد على وسائل الإعلام. لم يتمالك نفسه فغرد على منصة (إكس): "نأمل أن غريتا وأصدقاءها يجيدون السباحة"، وكأنه يدعو البحرية الصهيونية إلى إغراق سفينة مادلين. هكذا ينظر غراهام واللوبي الصهيوني لحملات التضامن الأممية، بعد أن اطمأنوا لسطوة النظام الرسمي العربي على جمهوره.

"مادلين" هي السفينة السادسة والثلاثين من قوافل "تحالف أسطول الحرية". لم يكل القائمون على التحالف ولم يملوا من تجهيز السفن من مختلف الموانئ الأوروبية. بعض السفن خرجت من موانئ عربية مثل ميناء طرابلس اللبناني، حيث بادر نفر من المؤمنين بقضايا أمتهم وحتمية انتصارها وأبحروا صوب غزة. يعرف الاحتلال أن تمَكُّن أي سفينة من الرسو في بحر غزة يعني هزيمته في كسر الحصار. متطوعون نذروا أنفسهم للفعل النضالي الإنساني، لا تجمعهم مع الفلسطينيين روابط اللغة والدم والقربى، اللهم إلا ما ندر. لكنهم فعلوا ما لم يفعله مئات ملايين العرب والمسلمين. ببساطة، ينظر هؤلاء إلى غزة وعموم فلسطين نظرة إنسانية وقضية عادلة، وأن الاحتلال يرتكب كل أصناف الجرائم كونه نظام أبارتهايد يتصرف خارج القانون الدولي. هؤلاء ليس على أعينهم ولا على قلوبهم غشاوة الإيدلوجيا والحقد الأسود. إنهم يمتلكون قدرة كافية للنظر في قضايا البشر ويتخذون الموقف الذي تمليه عليهم ضمائرهم ويقفون في الجانب الصحيح من التاريخ.

"الحياة وقفة عز"، وقد فعلها أبطال سفينة مادلين، كما كان أبطال سفينة "الضمير" قد فعلوها مطلع شهر مايو الماضي رغم أنهم لم يتمكنوا من الإبحار، بعد أن هاجم الاحتلال سفينتهم بالطائرات المسيرة الصهيونية أمام شواطئ مالطا وقصفها بينما كانت تستعد للإبحار نحو غزة. كما ارتكبت بحرية الاحتلال الصهيوني جريمة قتل عشرة من أصل 600 شخص كانوا على ظهر السفينة مرمرة واقتادتهم الى موانئ فلسطين في 2010.

لقد وصلت رسالة سفينة مادلين لمن يعنيهم الأمر في كل الجهات، وفضحت التواطؤ المقزز والمقيت من المواقف التي لا تزال تمعن في المساعدة على حصار قطاع غزة وتجويع أهله وتعطيشهم وممارسة التطهير بحقهم، وكأن تبادل أدوار قد حصل بين الاحتلال وبين داعميه في حرب الإبادة الجماعية المتعددة الأشكال. "مادلين" عرّت مواقف الجميع أمام شلال الدم الذي يسفك في غزة.

شكرّا مادلين السفينة.. شكرا مادلين الغزية.