تزامنت الذكرى ال77 للنكبة الفلسطينية 1948 مع نكبة جارية في فلسطين قد تكون أخطر من نكبة 1948 وتتمثل في حرب الإبادة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني وامتداداتها في لبنان وسوريا و اليمن وإيران, بمشاركة أميركية وغربية وقد تجاوزت الشهر العشرين دون أن يلوح في الأفق نهاية لأبشع الحروب في هذا العصر. وتستهدف النكبة الجديدة استكمال نكبة 1948 بإبادة أكبر عدد من الفلسطينيين وإجبار من تبقى منهم على النزوح من فلسطين وبالتالي استكمال السيطرة الصهيونية على كامل فلسطين وتهويدها.
لكن ما يميز هذه الذكرى أيضاً المقاومة الباسلة للشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه رغم حرب الإبادة وتفوق العدو عسكرياً والدعم اللامحدود الذي لا سابق له من قبل حلفائه والعجز العربي وشلل المجتمع الدولي .
وبالمقابل فإن ما يميز إحياء هذه الذكرى هذا العام حركة التضامن العالمية الأهلية التي أطلقتها عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 وبالمقابل مقاومة الدول الكبرى (باستثناء الصين وروسيا) والعديد من الدول الغربية وغيرها لإرادة شعوبها ومقتضيات القانون الدولي والقيم الإنسانية البديهية. وللتنويه فقد ترسخت حركات مقاومة للصهيونية والكيان الصهيوني وحرب الإبادة للشعب الفلسطيني وتواطؤ دولها في حرب الإبادة والمشروع الصهيوني, إلى حد التطابق كما في الحالة الأميركية.
وعلى وقع حرب الإبادة "الإسرائيلية" والتي تصاعدت بشكل مخيف في قطاع غزة, وتزامنت مع غزوة ترامب لمجلس التعاون الخليجي حيث من أهم تجلياتها شيطنة المقاومة الفلسطينية والعربية وتبرير الجريمة الصهيونية والترويج للاتفاق الإبراهيمي والتطبيع مع الكيان الصهيوني والشرق الأوسط الجديد. فقد مثل التعاطي مع ذكرى النكبة دلالات مهمة في مسار الصراع ما بين التحرير والاستعباد.
ذكرى النكبة وحقيقة الكيان الصهيوني
حلت ذكرى النكبة في ظل حراك دولي أطلقه طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 وما تلاه من حرب الإبادة الصهيونية على الشعب الفلسطيني, وما ترتب عليها من شراكة غربية في الحرب وصراع سياسي وإعلامي وقانوني وفكري. من أهم جوانب هذا الصراع هو استعادة حدث النكبة في 1948 بأنها تأسيس لنكبات متتابعة للشعب الفلسطيني والأمة العربية والبشرية, وأن ما يجري الآن هو نكبة أخطر من نكبة 1948. وإذا كان جوهر نكبة 1948 هو اغتصاب الحركة الصهيونية 78% من فلسطين من خلال الاستعمار الاستيطاني والمجازر وإجبار الفلسطينيين على النزوح عن وطنهم. وقيام دولة "إسرائيل“ على أنقاض دولة فلسطين, وإضفاء الشرعية عليها بقرار من الأمم المتحدة ودعم واسع من قبل الدول الغربية بقياده أمريكا. ومن حينها انطلق المشروع الصهيوني, لإقامة "إسرائيل" الكبرى, وإحباط المشروع الوطني الفلسطيني والقومي العربي بتحرير فلسطين ,وإنهاء الاستعمار في الوطن العربي وتوحيد الأمة العربية وتقدمها.
من هنا فإن وظيفة الكيان الصهيوني أن يكون قاعدة متقدمة للغرب وحاجزاً يحول دون تواصل الأمة العربية ووحدتها, وأداة الغرب لإقامة الشرق الأوسط الجديد على أنقاض الوطن العربي. وهكذا فإنه في ذكرى النكبة وفي غمار حرب الإبادة الجارية يجري الترويج لهذا المشروع بالتسليم بشرعية "إسرائيل" في حدود مفتوحة, وإقرار الدول العربية واعترافها "بإسرائيل" وتطبيع العلاقات معها. في إطار شرق أوسط جديد تحت الهيمنة الغربية والدور القيادي للكيان الصهيوني .
مقاومة المشروع الصهيوني الغربي
في ذكرى النكبة وفي خضم الحراك الدولي لمواجهة المشروع الصهيوني الغربي, اتخذ الحراك أبعاداً سياسية وفكرية وأيديولوجية, وشارك فيه في البداية الطلبة الجامعيون وتوسعت لتضم جماهير واسعة ساحاتها الجامعات والميادين والشوارع. ونهضت أحزاب وشخصيات معارضة حكوماتها في تحالفها ودعمها للكيان الصهيوني, حيث شهدت البرلمانات والفعاليات السياسية هذا الصراع. كما أن شخصيات أكاديمية بارزة ومنهم يهود معادون للصهيونية تصدوا لتشريح الحركة الصهيونية والتحالف الغربي وطبيعة "إسرائيل" ككيان عنصري يتوجب تفكيكه, وقيام دولة فلسطينية ديمقراطية لكل أبنائها. وباستثناء بضع دول مثل إسبانيا وإيرلندا وجنوب أفريقيا وكولمبيا, توافق فيها موقف الدولة وأحزابها الحاكمة مع شعوبها ونخبها في نصرة الحق الفلسطيني, فإن الدول الغربية تشهد انقساماً حاداً حول الانحياز للكيان الصهيوني وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني.
احتجاجات واسعه وقمع متزايد
في ذكرى النكبة واستمراراً للحركة الاحتجاجية فقد شهدت عدة جامعات احتجاجات واسعة, وتحولت حفلات التخرج إلى مهرجانات للتعبير عن جوهر الصراع والاحتجاج على انحياز إدارات الجامعات للسياسة الرسمية والتعاون مع الجامعات والمؤسسات "الإسرائيلية" والاستثمار فيها. كل ذلك رغم إجراءات القمع ومعاقبة الطلبة والأكاديميين المحتجين بفصلهم أو إبعادهم من البلاد.
كما أن ذكرى النكبة تزامنت مع احتفالات التخرج للعديد من الجامعات الأميركية حيث تحولت إلى تظاهرات للتضامن مع الشعب الفلسطيني ومقاومته وفضح طبيعة الكيان الصهيوني وحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة وباقي فلسطين. وقد استغل البعض كلمات التخرج التي تلقى نيابة عن الطلبة الخريجين لتبيان نكبة 1948 ومسيرة نكبات الشعب الفلسطيني حتى النكبة الحالية. ومن هذه الجامعات جامعة كولمبيا وجامعة هارفرد وجامعة جورج تاون وجامعه ييل في أمريكا وجامعة كامبردج في بريطانيا وجامعة إلسيانس بو في فرنسا وغيرها. وقد عمدت بعض الجامعات إثر ذلك إلى إلغاء شهادات بعض الخريجين ممن شاركوا في الاحتجاجات .
كما تصادفت ذكرى النكبة هذا العام مع أهم مهرجان سينمائي في العالم وهو مهرجان كان السينمائي. وكان المهرجان قد اختار الفيلم الفلسطيني "ضع روحك على كفك وامضي " حيث مصورته ونجمته المصورة الصحفية الفلسطينية فاطمة حسونة والتي اغتالتها القوات "الإسرائيلية" هي وعائلتها في غزة بعد أيام من ترشيح الفيلم لمهرجان كان للأفلام الوثائقية والذي يوثق لحرب الإبادة في غزة. وقد عزز ذلك من حضور القضية الفلسطينية والنكبة الجارية في مهرجان كان. فقد خاطبت الممثلة الفرنسية رئيسة لجنة التحكيم جولييت بينوشيه في خطاب افتتاح المهرجان شارحة الأحداث المذكورة وأن فاطمة حسونة يجب أن تكون بيننا ولكن "إسرائيل" اغتالتها ككثير من الفلسطينيين في غزة, ونوهت لدور الفن السينمائي في تجسيد أحلام البشرية. هذا وقد وقع المئات من كبار الفنانين المشاركين في المهرجان على بيان يدينون فيه حرب الإبادة التي تشنها "إسرائيل “ضد الشعب الفلسطيني.
وقد شهدت العديد من البرلمانات والجامعات والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات والمؤتمرات مناظرات حامية حول جوهر الكيان الصهيوني والحركة الصهيونية وأبعاد حرب الإبادة وسياسات الدول الغربية وبرامج ومواقف الأحزاب, حيث أعيد إلى النقاش جوهر وأبعاد الصراع . وقد برز أكاديميون وسياسيون وبينهم يهود في فضح طبيعة الكيان الصهيوني والصهيونية وطبيعة الأنظمة الغربية الرأسمالية المعادية للإنسانية والمتحالفة مع الحركة الصهيونية و"إسرائيل" والمعادية لشعوبها وللبشرية. وقد برزت شخصيات على نطاق وطني وعالمي ومنهم السناتور الأميركي بيرني ساندس والأكاديمي الأميركي جيفري ساخس والإعلامي مهدي حسن والبرفسور اليهودي إفي شليم وزعيم حزب فرنسا الأبية جان لوك ميلانشون والبرلماني البريطاني جيرمي كوربن وغيرهم .
جاء إحياء ذكرى النكبة 1948 على وقع حرب الإبادة في فلسطين المحتلة ليفضح طبيعة هذا التحالف الشرير ما بين الصهيونية وكيانها الغاصب والرأسمالية المتوحشة وأنظمتها. وتجلت في الانهيار الأخلاقي للغرب وتنكره للمبادئ والقيم الإنسانية التي طالما بشر بها، وهكذا شهدت عدة دول في أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا أوسع حركة احتجاجية. وفي معظم هذه البلدان, ووجهت هذه الاحتجاجات بالقمع الشديد ومعاقبة المحتجين خلافاً لدساتير وقوانين هذه البلدان دعاة الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والمعتقد حيث تهمة معاداة السامية جاهزة للتجريم .
يتم ذلك في ظل صعود متواصل لليمين واليمين المتطرف إلى السلطة في أمريكا ممثلاً بحكم ترامب والحزب الجمهوري وفي عدد من الدول الأوروبية والذي انعكس على دعمها الفاضح للكيان الصهيوني في حرب الإبادة, حيث تستمر هذه الدول بإمداد "إسرائيل" بالأسلحة والذخائر المستخدمة في حرب الإبادة وتوفر له الحصانة من المحاسبة وتتنكر للحق الفلسطيني. وانعكس ذلك على تصديها للحركة الاحتجاجية ومصادرتها لحقوق مواطنيها والمقيمين فيها بقمع الاحتجاجات ومحاصرة حرية التعبير ومعاقبة النشطاء, وهو ما تجلى في قمع الاحتجاجات والتظاهرات والفعاليات في ذكرى النكبة. رغم ذلك فإن المظاهرات والاجتماعات الحاشدة لإحياء ذكرى النكبة ودعم الشعب الفلسطيني وإدانة "إسرائيل" والصهيونية والتواطؤ الغربي لا سابق له.
تكمن المفارقة في غياب ومحدودية الفعاليات لإحياء ذكرى النكبة في غالبية البلدان العربية والإسلامية حيث هامش الحريات محدود في غالبيتها, في حين أن بعض أنظمتها إما مطبع أو متواطئ أو ساكت عما يجري والبعض ينتظر الظروف المواتية للانخراط في التطبيع.
| ReplyForward Add reaction |

