Menu

77 عاماً على النكبة: جدلية العلاقة بين بلفور والتقسيم ودور الوسائل الظلامية في تغيير الموازين...!

نواف الزرو

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

يستحضر الفلسطينيون ومعهم العروبيون كلما حلت الذكرى السنوية للنكبة الفلسطينية واغتصاب فلسطين وإقامة تلك الدولة الصهيونية على خرابها، في مقدمة ما يستحضرونه ما سمي بـ "وعد بلفور" وبعده بثلاثين عاماً "قرار التقسيم"، وكلاهما نتاج بريطاني كامل الدسم لصالح المشروع الصهيوني، فالعلاقة الجدلية ما بين الوعد والقرار قوية عميقة إستراتيجية، فلولا الوعد لما جاء التقسيم، ولولاهما معاً لما أنجبت دولة "إسرائيل"، ولولا الاحتضان البريطاني الاستعماري الكامل الشامل للمشروع الصهيوني لما ضاعت فلسطين.

*جدلية العلاقة بين وعد بلفور وقرار التقسيم:

وتبدأ حكاية الغرام والعشق البريطاني بالمشروع الصهيوني و"الوطن القومي لليهود" وبـ "إسرائيل" على نحو حميمي وعلى وجه الحصر في 1840 حينما عقد المؤتمر الأوروبي الذي تبنى شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" في لندن، وجاءت تجليات هذا المؤتمر والشعار في 1917، حينما أصدر وزير الخارجية البريطاني جيمس آرثر بلفور يوم 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917 تصريحاً مكتوباً وجهه باسم الحكومة البريطانية إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد (1868-1937)، يتعهد فيه بإنشاء "وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين"، ثم جاء صك الانتداب وقرار التقسيم البريطانيين. لذلك يمكن أن نوثق بداية "أن دولة اليهود أسست في لندن"، فبيان وزير الخارجية البريطاني بلفور الصادر في الثاني من تشرين الثاني 1917 في ذروة الحرب العالمية الاولى، منح اليهود- رغم أنهم شكلوا أقلية صغيرة في فلسطين في ذلك الحين-"وطناً قومياً ودولة مصطنعة مخترعة على حساب فلسطين"، وفي نظرة إلى الوراء كان هذا البيان البلفوري هو الإنجاز التاريخي الأهم الذي أحرزته الحركة الصهيونية في عملها من أجل إقامة الدولة، والوعد حرف وزور التاريخ والجغرافيا في الشرق الأوسط وطرح الفكرة الصهيونية الهامشية كخيار واقعي في السياسة العالمية، واستمرارية ذلك تجسدت في الإنجاز الصهيوني الثاني حيث قامت الجمعية العمومية للأمم المتحدة بعد ذلك بثلاثين عاماً في تشرين الأول 1947 بتأييد قرار التقسيم وإقامة دولة يهودية"، و"كان الوعد حاضراً بعد ذلك في مختلف المؤتمرات والتحالفات الاستعمارية من مؤتمر سان ريمو /1920 الذي منح فيه الحلفاء بريطانيا حق الانتداب على فلسطين، إلى عصبة الأمم التي صادقت في يوليو/ تموز 1922 على صك إقرار الانتداب البريطاني، فالصك كان يتضمن في مقدمته نص تصريح وعد بلفور مع تخويل لبريطانيا بتنفيذ الوعد، كما كان الوعد حاضراً في دستور فلسطين الذي أصدرته بريطانيا بعد أسبوعين من إقرار انتدابها أممياً، حيث ضمنت مقدمته نص تصريح وعد بلفور أيضاً. ليصل إلى ذروته التطبيقية بتمرير قرار التقسيم في التاسع والعشرين من تشرين الثاني/1947.

* تواطؤ الأمم المتحدة والوسائل الظلامية في إنتاج قرار التقسيم:

وتفيد الوثائق المتسربة من أرشيف الأمم المتحدة، أن تلك المنظمة الأممية وقفت سراً إلى جانب قرار التقسيم البريطاني وإلى جانب تلك الدولة الصهيونية المصطنعة بالقوة، بل إن المؤرخ الإسرائيلي الدكتور إلعاد بن درور كان كشف النقاب في ذكرى صدور "قرار التقسيم" في 29 تشرين الثاني العام 1947، عن "أن الأمم المتحدة أعدت مخططاً لتشكيل ميليشيا يهودية مسلحة ومزودة بطائرات حربية بهدف تنفيذ القرار بتقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية فقط"، وكشف المؤرخ الإسرائيلي عن ذلك بعد اطّلاعه على وثائق سرية في الأمم المتحدة، على مدى العام 2007، وكانت مصنفة على أنها سرية لكن الأمم المتحدة أزالت مؤخراً صفة السرية عنها وفتحتها أمام الجمهور. وأكد بن درور على أن "الأمم المتحدة أهملت نصف قرار التقسيم أي أنها أهملت فكرة إقامة الدولة العربية، وقد كانت الفكرة تنفيذ إقامة الدولة اليهودية فقط وأن تعمل الأمم المتحدة في وقت لاحق على إقامة الدولة العربية"، وقال بن درور "إنه بموجب مخطط اللجنة التنفيذية فإن المهمة الأساس للميليشيا اليهودية كان فرض سيطرة الدولة اليهودية على العرب الذين بقوا فيها والذين كان عددهم في الدولة اليهودية، وفقاً لخارطة التقسيم، مطابقاً تقريباً لعدد اليهود".

 

وفي مقابلة مع المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، أجرتها معه "يديعوت أحرونوت"، يكشف من خلال بحث، وصف بأنه واسع النطاق، عن وثائق نشرت في كتاب جديد "1948 – تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى"، تؤكد أن مندوبين في الأمم المتحدة حصلوا على رشاوى من أجل التصويت إلى جانب قرار التقسيم في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 1947، وبالعودة إلى الأجواء التي سبقت التصويت على قرار تقسيم فلسطين التاريخية، فإن توتراً انتاب قادة الحركة الصهيونية، من جهة أن التصويت إلى جانب القرار يعني قيام "دولة إسرائيل"، وأن عدم التصويت سيشكل ضربة قاصمة للصهيونية، الأمر الذي دفع قادة الحركة الصهيونية إلى "عدّ الرؤوس"، وتبين أن نتائج التصويت لن تكون جيدة، "في هذه النقطة قرر أحدهم أن الدبلوماسية النظيفة لا تكفي، ولأن الغاية تبرر الوسيلة، يجب الانتقال إلى وسائل ظلامية، بما في ذلك الرشوة وممارسة الضغوط". ويكتب موريس في هذا السياق أن "الاعتبارات المالية كان لها تأثير على تصويت مندوبي دول أمريكا الجنوبية.. بعثة من جنوب أمريكا حصلت على 75 ألف دولار مقابل التصويت على قرار التصويت.. كوستاريكا صوتت إلى جانب القرار رغم أنها لم تأخذ مبلغ 45 ألف دولار عرض عليها.. مندوب غواتيمالا أبدى حماساً زائداً في تأييده للصهيونية ووثائق بريطانية تؤكد أنه تلقى أموالاً من منظمات يهودية أمريكية كما تشير تقارير لدبلوماسيين أمريكيين أنه كان على علاقة بفتاة يهودية.. ومن الممكن أن تكون هناك حالات أخرى ولكن لا يوجد وثائق تؤكد ذلك". ورغم أن موريس لا يعتبر الوثيقة جيدة، إلا أن رسائل ومذكرات موظفين ومسؤولين بريطانيين تشير إلى وجود هذه القضايا بشأن عدد من الدول في أمريكا الجنوبية، والتي تم إقناع مندوبيها بواسطة الأموال بالتصويت إلى جانب قرار التقسيم، كما يشير إلى حالات ابتزاز، حيث قامت جهات صهيونية بممارسة الضغوط وتهديد مندوب ليبيريا بعدم شراء المطاط، وتمت أيضاً ممارسة ضغوط اقتصادية شديدة على عدد من الدول، وخاصة تلك التي رفضت أن تأخذ رشاوى مثل كوستاريكا، وصوتت في نهاية المطاف مع التقسيم.

 

ويشير في هذا السياق إلى عدد من رجال الأعمال الصهاينة، مثل صامويل زموراي رئيس "شركة الفواكه الموحدة" وهي نقابة أمريكية كبيرة ذات نفوذ واسع وخاصة في دول الكاريبي، وتلفت الصحيفة إلى أن هذه الحقائق لم تكن مفاجئة نظراً لوجود ما يشير إلى ذلك، كما سبق وأن أتى المؤرخ ميخائيل كوهين على ذكر ذلك، وأيضاً كتب توم سيغيف عن ذلك من خلال ما كتبه عن تخصيص ميزانية مليون دولار لـ "عمليات خاصة".

تصوروا.... هذه الحقيقة الكبيرة الضائعة...!.

يضاف إلى ذلك ما كان أكده بحثان تاريخيان إسرائيليان كانا صدرا بمناسبة الذكرى الستين لقرار التقسيم من "أنه لولا النشاط البريطاني في فلسطين والمنطقة وضغوط يهود الولايات المتحدة لما قامت إسرائيل، ولتغيّر وجه التاريخ في المنطقة"، إذ أكد المؤرخ موطي جولاني من جامعة حيفا "أن البريطانيين حين امتنعوا عن التصويت على قرار التقسيم في 29/11/ 1947 بدعوى أن المشروع غير مقبول من الطرفين، تبنوا خطة تقسيم بديلة"، وفي بحث آخر قال المؤرخ زوهر سيغف من جامعة حيفا "إنه لولا تدخل اليهود في الولايات المتحدة قبيل التصويت على قرار التقسيم لكان من المرجح أن إسرائيل ما كانت ستقوم"، وعن إستراتيجية القرار الأممي قال شلومو نكديمون في يديعوت أحرونوت:" اعتقد وزير الخارجية الإسرائيلي الأول موشيه شريت: "أنه لولا قرار الأمم المتحدة في العام 1947 لما قامت الدولة في العام 1948". وفي أعقاب القرار كما هو معروف، انقضت التنظيمات الإرهابية الصهيونية تحت مظلة القرار الأممي وبحماية ودعم البريطانيين على كامل فلسطين، فسطت سطواً مسلحاً إجرامياً مجازرياً في وضح النهار على الوطن العربي الفلسطيني...!

فقامت التنظيمات والدولة الصهيونية على خراب وتدمير فلسطين وتهجير أهلها، وما تزال تواصل تدمير وشطب عروبة فلسطين تاريخاً وحضارة وتراثاً، كما قامت وما تزال تواصل تهجير الشعب الفلسطيني وتهويد أرضه ووطنه وتحويله إلى "وطن يهودي" وإلى "دولة يهودية نقية" يسعون في هذه الأيام باستماتة من أجل ابتزاز الشرعيات الفلسطينية والعربية لها..!. بل إنهم يشنون هجوماً إستراتيجياً شاملاً بهدف شطب فلسطين بكل ملفاتها وعناوينها إلى الأبد...!

* تغير خريطة فلسطين...؟!

الحقيقة الكبيرة الساطعة التي نوثقها ونحن اليوم أمام ذكرى النكبة، أن ذلك القرار الصادر عن الأمم المتحدة الذي استند بالأصل إلى "إعلان- وعد بلفور" أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق"، وأنه كان قراراً ظالماً مجحفاً وقف وراءه الانتداب الاستعماري البريطاني بكل ثقله، وأسفر عن قضية/ نكبة القرن المتواصلة والمفتوحة والمركبة أضعافاً مع الزمن، وما بين الوعد والتقسيم تراكمت عوامل تغيير وجه فلسطين وقلب الموازين الجغرافية والسكانية عبر سياسات الاقتلاع والترحيل والإحلال المستندة إلى سياسات التطهير العرقي. فبعد أن كانت فلسطين بكاملها من بحرها إلى نهرها عربية الجذور والتاريخ والحضارة والتراث والثقافة والمعالم على كل المستويات، أخذت تتحول منذ الوعد تدريجياً لتنتقل خريطتها الجغرافية والسكانية من عربية إلى صهيونية، لتغدو اليوم ونحن في فضاء الذكرى السابعة والسبعين للنكبة، تحت السيطرة الصهيونية الإستراتيجية الكاملة من البحر إلى النهر. ففي فلسطين المحتلة 1948 على سبيل المثال وهي عنوان النكبة والتهجير وتهويد المكان الفلسطيني تؤكد كل التقارير والدراسات العربية والعبرية على "أن الحركة الصهيونية مجسدة بدولة إسرائيل تواصل "عبرنة" و"تهويد" أكثر من 8400 اسم عربي لمواقع جغرافية وتاريخية". وحسب كتاب "المواقع الجغرافية في فلسطين - الأسماء العربية والتسميات العبرية" وهو من تأليف الدكتور شكري عراف وصدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، فلم يكن في فلسطين حتى غزو الصهيونية لها سوى 50 اسماً عبرياً فقط، وأن التوراة اليهودية لا تشمل بالأصل سوى 550 اسماً لأمكنة مختلفة في فلسطين وهي في الأصل أسماء كنعانية وبادر الصهاينة إلى تحوير الأسماء الأصلية أو وضع أسماء عبرية على المواقع الفلسطينية، وهكذا تحولت "بئر السبع " مثلاً إلى "بئير شيبع" وطبريا إلى "طبيريا" والخضيرة إلى "حديرة" والمطلة إلى "مطولة" وصفورية إلى "تسيبوري" وعكا إلى "عكو" وهكذا، ويتحدث الكتاب عن أن "الصهيونية غيرت وهودت 90% من أسماء المواقع في فلسطين". وليس ذلك فحسب، فدولة الاحتلال تواصل من جهة أولى مخططات تهويد ما تبقى من المواقع والأراضي الفلسطينية في فلسطين 1948 سواء في النقب أو الجليل المحتلين ، بينما تشن من جهة ثانية هجوماً تهويدياً إستراتيجياً أيضاً على المواقع والأراضي العربية في الضفة الغربية ويتركز هذا الهجوم إلى حد كبير على مدينتي القدس والخليل وقد امتد في الآونة الأخيرة إلى منطقة الأغوار الإستراتيجية، ولكن- دولة الاحتلال لا تكتفي بتهويد الجغرافيا والتاريخ وإنما تخطط وتبيت وتسعى لاقتلاع وترحيل من تبقى من أهل فلسطين بوسائل مختلفة، أو تسعى لإلغاء وجودهم تاريخياً ووطنياً وسياسياً وحقوقياً وحشرهم في إطار كانتونات ومعازل عنصرية هي في الصميم معسكرات اعتقال ضخمة قد يطلق عليها اسم "دولة أو دويلة فلسطين" أو "كيان فلسطيني" أو ربما تبقى بسقف "الحكم الذاتي الموسع".

لا شك أن كبرى الكبائر العربية هنا في ظل هذا المشهد المترامي الأبعاد أن الدول والسياسات العربية الرسمية تأقلمت مع الأمر الواقع البريطاني أولاً، ثم الأمريكي الصهيوني ثانياً، لتنتقل في السنوات الأخيرة ثالثاً من موقع اللاءات إلى موقع النعمات في التعاطي مع المشروع الصهيوني ونتاجه على الأرض "اسرائيل"، ولم يكن "الوعد البلفوري" ليرى النور.. ولم تكن فلسطين لتقسم وتضيع وتغتصب وتهوّد، لو تصدى العرب للوعد ولمشروع التقسيم البريطاني - الصهيوني كما يجب...ولو تحملوا مسؤولياتهم التاريخية والعروبية كما يجب...؟