Menu

غزة في مرمى الكاميرات: البث المباشر كأداة للهيمنة والتضليل

وسيم السلطي

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، لم تغب غزة عن شاشات العالم. كلما التفتنا إلى الهاتف أو التلفاز، وجدنا صوراً من هناك؛ من بقعة صغيرة صارت مركز البث الحي للدمار. الجميع ينقل صوراً ومقاطع من داخل غزة وخارجها، حتى تحولت المأساة إلى مشهد يومي مألوف.

لقد أصبحت الكاميرا أداة مركزية في إدارة الصراع، ليس فقط من ناحية التوثيق، بل كجزء من الإستراتيجية السياسية والإعلامية للطرفين، والنظام الدولي برمّته.

التوثيق المزدوج: سلاح بين أيدي الضحية والجلاد

المشهد الإعلامي منذ بداية الحرب يوضح بجلاء أن الطرفين يدركان قوة الصورة: الاحتلال يستخدمها لشرعنة عملياته، وإظهار تفوقه العسكري والتقني، يوثق عدوانه بالكاميرا، يرسل للعالم لقطات دقيقة للقصف والتدمير. فيما يوظف الفلسطينيون الكاميرا لكشف حجم المأساة، وكسب التعاطف الدولي. يوثقون المعاناة، ويصرخون بما تبقّى لهم من صوت. وبين هؤلاء وأولئك، عالم يشاهد: بعضه يعيد البث تضامناً، وبعضه مشاركةً في الجريمة.

لكن الفرق يكمن في من يملك السيطرة على الخطاب الإعلامي العالمي. فإسرائيل، بما تملكه من منصات ودوائر تأثير غربية، قادرة على توجيه السردية نحو "الدفاع عن النفس" و"محاربة الإرهاب". بينما الفلسطينيون، رغم قدرتهم على إيصال الصورة، ما زالوا يواجهون روايات أمنية تحاكمهم لا باعتبارهم ضحايا وأصحاب حق، بل كمصدر تهديد.

العرض لا الفعل: من التضامن إلى الفرجة

تحوّل غزة إلى ما يشبه "عرضاً مباشراً" لجريمة إنسانية يومية يُشير إلى خلل عميق في النظام الدولي. المشاهد المفجعة لم تعد تحرّك القرار السياسي بقدر ما أصبحت محتوى يُستهلك. تكرار الصور، وتطبيع المأساة، جعلا الكارثة جزءاً من "تدفق الأخبار" لا غير.

في هذا السياق، يمكن القول إن الاحتلال نجح نسبياً في تحويل الضحية إلى "مادة بصرية"، تُفرّغ من بعدها السياسي، وتُعرض بوصفها مأساة إنسانية منفصلة عن الأسباب الجذرية، وهي الاحتلال نفسه.

إستراتيجية الترهيب والتفاخر: حين تصبح الكاميرا أداة حرب

اللافت في هذا العدوان ليس فقط حجم العنف، بل توثيقه بفخر من قبل جيش الاحتلال. جنود يُصورون وهم يقصفون، يرقصون على أنغام الموسيقى، ويهتفون بالنصر أمام كاميراتهم الخاصة. مشاهد لجنود يخربون بيوت الفلسطينيين، يُحطمون الجدران. هذه المشاهد ليست عفوية، بل موجهة ومدروسة: رسالة قوة وعقاب جماعي، ورسالة تحريض داخلي، ورسالة تحدٍّ للمجتمع الدولي.

وبثّ مشاهد الأسرى الفلسطينيين عراة أو مقيدي الأيدي في ظروف مهينة، هو ممارسة ممنهجة تُخاطب الداخل الإسرائيلي أولاً، لترسيخ صورة الانتصار والإذلال، وتخاطب الخارج كرسالة بأن إسرائيل لا تخشى المحاسبة.

الإعلام كأداة سياسية لا كشاهد محايد

الكم الهائل من التغطية الإعلامية لا يعني بالضرورة أن القضية الفلسطينية تحظى بتضامن عالمي كافٍ. فبعض التغطيات تسعى إلى موازنة كاذبة، أو نشر السردية الأمنية للاحتلال، بينما يُظهر الإعلام الغربي تقصيراً ملحوظاً في مساءلة الاحتلال أو تسميته كمعتدٍ.

هذه المعادلة تُبرز الفجوة بين الواقع على الأرض وطرق تغطيته، وتضع الإعلام كجزء من الصراع، لا كوسيلة نقل موضوعية.

ما يجري في غزة ليس مجرد مأساة إنسانية، بل معركة سردية أيضاً. الاحتلال يستثمر في الصورة لتكريس روايته وتعزيز ثقافة العقاب، والفلسطينيون يستخدمونها للنجاة من محو الوجود والذاكرة. لكن المجتمع الدولي، بعجزه أو تواطئه، يشارك في تحويل الجريمة إلى عرض بصري مستمر، تُستهلك دماء الضحايا فيه كأخبار عاجلة، لا كقضية عدالة.

في التاريخ، ارتُكبت جرائم بشعة، بعضها في ساعات، وبعضها استمر سنوات. لكن لم يحدث من قبل أن بُثّت جريمة بهذه الدرجة من العلنية والدوام. غزة تُقصف وتُصور. يُقتل أهلها ويُعرض مقتلهم. مدينة كاملة أصبحت ساحة عرض، وبدلاً من أن توجِع القلوب، باتت تملأ شاشات المتفرجين.