في منعطف تاريخيّ نادر أخذ الخطاب الإعلاميّ الغربيّ بشأن القضية الفلسطينية يشي بتغيّرات بنيويّة أعمق من مجرد تبدّل في اللغة والمصطلحات.
فبعد عقود من الاصطفاف شبه التام إلى جانب الرواية الإسرائيلية بدأ هذا الخطاب يُظهر شروخًا واضحة في جداره الحديدي وخاصة عقب أحداث أكتوبر 2023 التي بدت وكأنها أعادت تعريف "الصورة" بلغة فلسطينية فما الذي تغيّر حقًا؟ ولماذا الآن؟
أوّلاً - تطور الخطاب الإعلامي الغربي تجاه القضية الفلسطينية من الخطاب المؤدلج إلى الإحساس الإنساني العام:
طالما اتسم الخطاب الإعلامي الغربي ببرودة التحليل عندما يتعلق الأمر ب فلسطين وكأنّ المأساة هناك محصّنة ضد المشاعر فحتى مع التقاط الكاميرا للدم الفلسطيني كان الصوت المصاحب لها دائمًا صوت المُحتل لا الضحية.
مما يبرر سيطرة الرواية الإسرائيلية على التدفق الخبري والبناء المصطلحي للخطاب الإعلامي الغربي وخاصة فيما يتعلق بالمنظور التفسيري للصراع وتجاهل السياق التاريخي وتقديم إسرائيل كدولة ديمقراطية تدافع عن نفسها.
وقد أشار الباحث محمد أوريا في دراسته أيديولوجيا الخطاب الإعلامي الغربي وأزمته في تغطية الحرب على غزة إلى أنّ "الإعلام الغربي الرسمي تماهى مع الرواية الإسرائيلية إما عمداً أو كسلاً أو خوفاً من مخالفة التيار السائد ما ساهم في تكوين صورة نمطية مشوهة عن الفلسطينيين في الوعي الغربي". (1)
لكن وعلى الرغم مما تجلّى من اتساق فكري وتماهٍ عميق مع المحددات الأيديولوجية والترويجية للرواية الإسرائيلية إلا أنّ هذا لم يمنع من ظهور بعض بوادر التحول في الخطاب الإعلامي الغربي وتحديداً "مع تصاعد الرد الإسرائيلي الدموي بدأت الرواية تفقد زخمها وتتشكل قناعة بأن إسرائيل تجاوزت حدود الدفاع المشروع" (2)
ثانياً - اللغة كنافذة للوعي الجديد:
لا شكّ أن محاولات تتبّع تطوّر استخدام المفردة في وسائل الإعلام الغربية أو حتى على مستوى الخطاب العام بشقّيه السياسي والإعلامي يحتاج إلى دراسات عميقة ومقارنات بنيويّة.
ففي عالم الصحافة المفردة ليست تفصيلاً عابرًا بل أداة لتشكيل الوعي ولذلك حين تتحول بعض كبريات وسائل الإعلام من توصيف القصف بـ "العمليات الدفاعية" إلى "جرائم حرب" فنحن لا نشهد مجرد تبدل لغوي بل تحوّلًا في البوصلة الأخلاقية للخطاب.
أيضاً فإنّ استخدام مصطلح "الاحتلال" بدلاً من "إسرائيل" في بعض التقارير الصحفيّة يترك العديد من التساؤلات عن حجم التبدلات الحاصلة في بنية الخطاب الإعلامي الغربي حيث نشرت نيويورك تايمز في 22 مايو 2021 مقالاً بعنوان الحياة في ظل الاحتلال وهو ما مثّل اعترافاً ضمنياً بالواقع القائم في الأراضي الفلسطينية" (3) وكأن الإعلام الغربي - الذي طالما امتلك سطوة التسمية - بدأ يشعر بثقل المسؤولية الأخلاقية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مثل هذه التحولات على مستوى اللغة ليست جذرية فما زالت بعض المفردات والمصطلحات تتراقص على حبال التوازن السياسي في جزء كبير وأصيل من الخطاب الإعلامي الغربي لكنّ هذه الازدواجية اللغوية بدأت تتعرى أمام جمهور أصبح أكثر وعيًا ومتابعة.
وقد أشار مايك بيري لهذه الازدواجية في "استخدام بعض الكلمات مثل القتل والمجزرة عند الحديث عن الإسرائيليين بينما تُحجب هذه المصطلحات عند الحديث عن الضحايا الفلسطينيين" (4).
وبهذا فإنّ الحديث عن بعض التحولات لا يشي مطلقاً بـ "فضيلة مفاجئة" لدى وسائل الإعلام الكبرى بل كنتيجة منطقية من اختراق أدوات الرقابة لصنّاع الرأي العام الغربي ومن أسفل البنية الفكرية للمجتمعات الغربية وتحديداً من الشوارع ومن الهواتف الذكية فالشعوب باتت تُشاهد بلا وسيط وتُحسّ بلا مرجعية سياسية.
ثالثاً - أمثلة واقعية من وسائل الإعلام الغربية توضح التحول في الخطاب:
فقد نشرت نيويورك بوست في 24 مايو 2021 تقريراً عن توقيع أكثر من 500 موظف ديمقراطي وأعضاء سابقين في فريق الحملة الانتخابية للرئيس جو بايدن على رسالة مفتوحة دعوا فيها إلى إدانة الاحتلال الصهيوني إدانة قاطعة في ظل التصعيد العسكري ضد الفلسطينيين (3)
أما هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي فرغم أنها لا تزال تصف المستوطنات بأنها مناطق متنازع عليها متجاهلة عدم قانونيتها وفق القانون الدولي فإنها بدأت تقدّم تغطية أكثر توازناً من خلال إتاحة المجال للرواية الفلسطينية (4)
في المقابل نشرت الغارديان البريطانية تقارير تصف الهجمات الإسرائيلية على غزة بأنها عمليات عسكرية لكنها في الوقت نفسه بدأت تفتح المجال لنشر مقالات تنتقد السياسات الإسرائيلية وتبرز معاناة الفلسطينيين (4).
رابعاً - تحليل الأسباب التي أدت إلى التحول في الخطاب الإعلامي الغربي:
ربما هناك الكثير من الأسباب التي مهدت لإعادة تشكيل مفردات الخطاب الإعلامي الغربي والتأسيس للبنية التحتية في تبدل المزاج العام الداعم للقضية الفلسطينية ولكنني أعتقد بأنّ لحظة التقاء وسائل التواصل الاجتماعي كأداة إعلام شعبية بالضمير الجمعي للإنسانية وكسر احتكار الإعلام التقليدي هو العامل الحاسم في بناء هذه الظاهرة وهو الأداة التي استطاعت أن توفّر المساحة الكافية لعرض الفيديوهات والصور من غزة بلا فلترة مما فرض العديد من الأسئلة العميقة حول مفهوم الحضارة والإنسان وألزم المتابع الغربي بتتبع فطرته.
أيضاً فإن كل ما يتعلق بالتحرّكات الاجتماعية للنخب الفكرية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وحملات التضامن العالمية أدى إلى اتساع زاوية الرؤية لطبيعة الحدث الفلسطيني وأحدث فجوة معرفيّة بين ما يذاع عبر وسائل الإعلام الغربية وبين الشهادات والتحقيقات والتقارير المقدّمة من قبل هذه التحركات وأضاف المزيد من النقاط لصالح الحراك الشعبي الداعم للقضية الفلسطينية فوفقاً لمركز أبحاث إسرائيلي رصد الاحتجاجات بين 7 و13 أكتوبر 2023 أكدّ أنّ 69% من المظاهرات في أوروبا مؤيدة لفلسطين مقابل 31% لإسرائيل وبأنّه بعد 13 أكتوبر وصلت نسبة الدعم لفلسطين 95%(2).
خامسًا - كيف نبني على التحولات ولا نكتفي برصدها؟
إذا كان ما نشهده اليوم هو بداية تحول حقيقي فإن التحدي الأكبر هو جعله تحولًا مستدامًا لا لحظة تعاطف عابرة وبالتالي فإن تحقيق ذلك يحتاج إلى:
· إعادة تشكيل الخطاب الفلسطيني ليصبح أكثر إنسانية واحترافية وأكثر انخراطًا في لغة العالم دون أن يفقد جوهر قضيته.
· تفعيل شبكات الإعلام المستقل التي تقف خارج دوائر الضغط السياسي والاقتصادي فالإعلام بهذا المعنى ليس فقط أداة للعرض بل ساحة اشتباك.
· توحيد الجهد الإعلامي العربي والدولي لخلق سردية واضحة متماسكة تتجاوز التكرار والتجزئة وتخاطب المشترك الإنساني لا فقط التعاطف السياسي.
· تطوير آليات الرصد والتوثيق لكشف التناقضات في الخطاب الصهيوني لا برد الفعل فقط بل بالاستباق والمبادرة والتحليل العميق.
خاتمة
في لحظة تاريخية مثل هذه لا يجوز الاكتفاء بالمراقبة أو انتظار مزيد من الإنصاف من الآخر بل لا بد من استثمار اللحظة وتحويل التعاطف إلى تضامن والرواية الإنسانية إلى فعل سياسي وإعلامي منظم.
فالتحولات الجارية في الخطاب الإعلامي الغربي تجاه فلسطين ليست نهاية الطريق بل بدايته ومعركة الرواية استطاعت أن تخرج من ساحات السياسة المغلقة إلى فضاء الوعي العام ومؤشرات نفوذ الرواية الإسرائيلية ووصفها بالأبدية بدأت تتفكك وفي ساحة الوعي فقط تُكتب الهزائم والانتصارات الأهم.
المراجع
1- أوريا، محمد. (2024). أيديولوجيا الخطاب الإعلامي الغربي وأزمته في تغطية الحرب على غزة.
2- عنان، آية محمود. (2023). تحولات الرأي العام الغربي تجاه القضية الفلسطينية بعد طوفان الأقصى.
3- مرصد الأزهر. (2021). هل تغير الخطاب الإعلامي الغربي بشأن الأزمة الفلسطينية الأخيرة؟
4- وكالة الأناضول. (2024). أمثلة فاضحة.. هكذا يشرعن الإعلام الأوروبي إبادة إسرائيل لغزة.

