Menu

الشرق الأوسط الجديد ومعالم التغيير

علي زيدان

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

تميزت العقود الثلاثة الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط بالغليان الشديد، وتغيرات في المشهد السياسي. لقد نشبت عدة حروب في المنطقة، واستمرت تركة إتفاقية سايكس – بيكو كما هي حتى الآن، وظلت الحدود الجغرافية والسياسية قائمة بدون تغيير يُذكر بالرغم من مرور مائة سنة ونيف على رسمها. غير أن تفكك الإتحاد السوفياتي السابق في تسعينات القرن الماضي، وغياب دوره كقوة عظمى، أدى إلى تغير معادلات سياسية كثيرة، وتغيرات في خرائط الأطلس حول العالم. لقد اختفت دول، وبرزت إلى الوجود دولاً أخرى. غاب حلف وارسو وانتهى دوره. واستمر حلف الناتو حتى اليوم، بقيادة الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم، وتعاظم دوره، وزاد من رقعة نفوذه وعدد أعضائه؛ وبات على حدود روسيا، وريثة الإتحاد السوفياتي السابق. ولم تسلم منطقة الشرق الأوسط من رياح التغيير. فقد تغيرت أوضاع كثيرة أيضاً، وما زالت دائرة التغيير تدور رحاها دون توقف. التغيير الجوهري الذي حدث في الأساس في هذه المنطقة من العالم، هو غياب الكيان الفلسطيني في عام 1948، وإحلال الكيان الصهيوني بدلاً منه. وصار هذا الكيان المتوحش دولة حديثة وعلى درجة عالية من التقدم في مجالات عديدة، مثل المجالات العسكرية، والعلمية، والإقتصادية، والإستخبارية. بينما إزداد تفتت الدول العربية وإنقساماتها، وعدم توافقها على أي شئ. وتراجع استقرار العديد من هذه الدول، وازدادت الصراعات البينية والحروب الأهلية. في هذه الأجواء المسمومة، تغلغل الكيان الصهيوني في شرايين العالم العربي بكل تفاصيله، منذ الإنقلاب المفصلي الذي أدى إلى توقيع إتفاقية كامب ديفيد مع مصر، وما تلاها من إتفاقيات أوسلو ووادي عربة، وصولاً إلى إتفاقيات أبراهام التي تحاول إعادة صياغة المنطقة برمتها، بما في ذلك الجغرافيا، والثقافة والدين. وقد ترافقت كل تلك الإتفاقيات مع دعايات قوية عن فضائل الشرق الأوسط الجديد الذي سوف ينشأ من تحالف العقل اليهودي والمال العربي. وقد عبر عن هذا الشرق الأوسط الجديد شمعون بيريز ، بعد توقيع إتفاق أوسلو المشؤوم في أيلول / سبتمبر عام 1993، في كتابه الذي يحمل ذات العنوان . منذ ذلك الحين، وحملات التبشير بقيام شرق اوسط جديد لاتنتهي. باتت جميع القوى تدرك أن الحقبة الزمنية التي رسمت معالمها إتفاقية سايكس-بيكو قد انتهت، وانتهى معها دور الدول العظمى الفاعلة آنذاك في المنطقة. وبدأت مرحلة جديدة، أضحت فيها الريادة للولايات المتحدة الأمريكية التي تهيمن على الموارد الرئيسة في المنطقة العربية، وبحراسة الكيان الصهيوني الذي بات يمثل مصالح الدول الإمبريالية القديمة والجديدة على حد سواء. لقد بينت معركة طوفان الأقصى وما تلاها من حرب الإبادة في قطاع غزة، والحرب في لبنان، وتغير النظام في سوريا، معالم التغيير في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط على حد سواء.

يمكن القول أن الهدف الرئيس للتغيير المنشود في منطقة الشرق الأوسط هو تمكين الكيان الصهيوني وحمايته، وبسط نفوذه في المنطقة. وعليه، فإن الصراع على فلسطين التاريخية، هو جوهر التغيير المرتقب في الشرق الأوسط الجديد. إلا أن هذا الصراع ما زال مفتوحاً ومستمراً إلى اليوم، بالرغم من عدم تكافوء القوى، بسبب مقاومة الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه وحقوقه الوطنية. إعتبر رئيس الحكومة الصهيوني، مجرم الحرب نتنياهو، أن هذه الحرب فرصة مهمة لنشوء الشرق الأوسط الجديد. ولعل إحدى السيناريوهات المفضلة هو إعادة رسم الحدود الجغرافية للدول القائمة، وتفتيت المنطقة إلى دويلات طائفية ومذهبية متناحرة، تكون فيها الريادة والهيمنة للكيان الصهيوني، الدولة اليهودية. ومن نافلة القول أن الحروب الكبيرة تعتبر مناسبات هامة لإجراء أي تغيير استراتيجي سواء في التحالفات السياسية أو في الجغرافيا السائدة في منطقة الصراع. فإن التسارع في عملية التغيير في المنطقة بدأ إبان الحرب على العراق في بداية تسعينات القرن الماضي، حيث اصطفت معظم الدول العربية إلى جانب الولايات المتحدة لتدمير دولة عربية هي عضو في جامعة الدول العربية. وبذلك انتقل الكيان الصهيوني من موقع العدو إلى موقع الحليف. وشكلت تلك الحرب بداية فعلية لإعادة تموضع بعض الدول العربية وترتيبها وفقاً لمفاهيم التحالف والعداوة الجديد. وبالرغم من الإخفاقات الكثيرة والتراجع العربي المُهين بعد لاءات الخرطوم التي تلت نكسة عام 1967، ظلت المقاومة الفلسطينية تأخذ أشكالاً مختلفة إصراراً على نيل الحقوق الوطنية، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة. وكان ذلك دافعاً للتغيير في تركيبة المنطقة سواء من الناحية السياسية أو الجغرافية، وفقاً لتمنيات شمعون بيريز أو حتى إطروحات برنارد لويس . وما زالت الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بكل ما تيسر لها من قوة ناعمة وآلة عسكرية متوحشة لتغيير الشرق الأوسط، وقد عبرت عن ذلك في محطات مختلفة، لعل أبرزها تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس في بداية حرب الكيان الصهيوني على لبنان عام 2006، حيث وصفت تلك الحرب بأنها آلام ولادة الشرق الأوسط الجديد. غير أن رياح تلك الحرب لم تأتي كما اشتهى الكيان الصهيوني وتمنت الإدارة الأمريكية. لقد أدى إنتصار المقاومة في لبنان إلى فشل خطط التغيير آنذاك بالقوة العسكرية. على العكس من ذلك، فإن فشل تلك الحرب وانتصار المقاومة جعلت الرئيس السوري آنذاك يعلن أن الشرق الأوسط الجديد يتم بنائه بإنجازات المقاومة. لكن الأمور لم تسر، فيما بعد، كما كان يحلم قادة تيار المقاومة. لقد ظلت قوى محور الشر المعادية تخطط بكل السبل لمواجهة نتائج حرب لبنان الثانية دون توقف، وقد حققوا إختراقات مهمة في قلب البلاد العربية، بانت آثارها خلال حرب الإبادة في غزة ولبنان. بينما تشتتت جهود المقاومة على عدة جبهات غير متوقعة. وصارت المقاومة، بالنسبة للبعض، عبئاً ينبغي التخلص منه.

لكن السؤال الجوهري هو، هل من الممكن أن ينشأ شرق أوسط جديد؟ وعلى أي أسس؟ يقول مارتين آنديك بأن الشرق الأوسط الجديد لن يكون وفقاً للتصورات الأمريكية – الإسرائيلية، ولكنه قد يكون مجرد شيء تنبثق أسسه من الصراع القائم، مثل اتفاق سلام مؤقت بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين. غير أن التنكر الدائم لكافة الإتفاقيات التي توقع عليها الحكومات الصهيونية، لم تدع فرصة لنجاح أي إتفاق مؤقت أو دائم. وما زال الكيان الصهيوني إلى اليوم لا يحترم ولا يلتزم بالإتفاقيات التي يوقع عليها، ويُخل ببنودها، دون إعتراض من الإدارة الأمريكية وحلفائها. ولعل الإنقلاب الذي حصل على إتفاق أوسلو هو أبلغ دليل، وكما حصل في التنكر لإتفاقيات الهدنة في لبنان، وغزة مؤخراً. والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا اليوم، هل تغير مفهوم الشرق الأوسط فعلاً؟ هل هو تغيير جغرافي؟ أم تغيير سياسي؟ وما هي معالم التغيير التي يمكن أن تكون أدلة قاطعة على ما يحدث من تغيرات. بالنظر إلى الوراء قليلاً، يُمكن القول أن هنالك تغيرات جوهرية وهائلة حدثت وما زالت، حتى بات الشرق الأوسط والعالم العربي الذي نراه اليوم مختلفاً كلياً عن العالم العربي الذي مضى عليه الزمن وغابت معالمه تحت وطأة المخططات الأمريكية والصهيونية، ناهيك عن المؤامرات المحلية. ولعل حرب الإبادة الصهيونية الأمريكية التي تدور رحاها في غزة هي أبلغ دليل على شكل التغيير الهائل الذي لف المنطقة، مما يجعل المراقب يقف مشدوهاً ومحتاراً من هول ما يجري. لقد طرح برنارد لويس في محاضرة له عام 1992 ، بعض معالم التغيير التي حدثت وتتفاوت في مقدارها وحجمها. واستنتج أن العالم العربي كقوة أو كتلة سياسية موحدة قد فشلت وتراجعت، أو حتى زالت من الوجود. ويذكر على سبيل المثال إجماع الدول العربية في عام 1947 على رفض قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة، وموقف الدول العربية في حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 المساند لمصر وسوريا، واستخدام النفط كوسيلة ضغط على الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي. بالمقارنة مع ما حدث في عام 1982 عندما غزا الجيش الصهيوني لبنان، واحتل عاصمته بيروت، وأخرجوا منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، كان رد الفعل في الدول العربية خجولاً ومحدوداً، بالرغم من مجازر صبرا وشاتيلا البشعة التي ارتكبها جيش الإحتلال والميليشيات التابعة له. بعد ذلك جاءت الغارة الجوية الأمريكية على طرابلس الغرب عام ١٩٨٦، حيث توقع جميع الخبراء السياسيين أن هذه الغارة سوف توحد العالم العربي بأسره ضد الغرب عموماً، وضد الولايات المتحدة خصوصاً. لكن لم يحدث شيء من هذا القبيل. ويمكن سرد أحداث كثيرة حدثت بعد العام 1992، وبينت أن مشاعر القومية العربية قد تلاشت، ولم تعد العروبة ووحدة العالم العربي ذات شأن. ويُمكن إضافة الحروب المتتالية على غزة، وحصار أبو عمار ومنعه من المشاركة في القمة العربية في بيروت عام 2002، دون أن يحتج القادة العرب، أو يتدخلوا لدى حلفائهم. وجاءت أحداث ما سمي حينها بالربيع العربي، حيث شاركت بعض الدول العربية في تمويل الحروب في دول عربية أخرى، مثل ليبيا وسوريا والسودان، وتم طرد سوريا من جامعة الدول العربية. وفي عام 2018 اعترفت الولايات المتحدة ب القدس عاصمة للكيان الصهيوني، ونقلت سفارتها من تل أبيب إلى القدس، وسط مخاوف وتحذيرات من براكين الغضب في العالم العربي. إلا أن شيئاً ما، أيضاً، لم يحدث. وفي عام 2020 تم توقيع ما سمي بالإتفاقيات الإبراهيمية، بما في ذلك إتفاقيات أمنية وتعاون عسكري، بين الكيان الصهيوني وعدد من الدول العربية، دون الإلتفات أو التطرق إلى القضية الفلسطينية. ولعل حرب الإبادة الأخيرة على غزة أسقطت ورقة التوت الأخيرة، وأظهرت مقدار التغيير الذي طرأ على المنطقة، حيث لم تحرك معظم الدول العربية ساكناً، مثل تعليق العلاقات مع الكيان الصهيوني، أو سحب السفراء، أو الغضب الخجول الذي يتوسلون به عند الإدارة الأمريكية لوقف العدوان. على العكس من ذلك. ظلت محادثات التطبيع العلني جارية بين بعض الدول والكيان الصهيوني. بل أكثر من ذلك، فقد ساهمت بعض الدول في دعم الكيان الصهيوني والدفاع عنه، سواء بإقفال المعابر مع قطاع غزة، أو التصدي للهجمات ضد الكيان الصهيوني (مثل إعتراض الصواريخ الإيرانية)، أو بالمشاركة الفعلية بالحرب، حيث شاركت بعض الدول العربية في تحالف الإزدهار الأمريكي ضد اليمن بسبب وقوفه إلى جانب الشعب الفلسطيني. يتبين من هذه الأحداث أن التغيرات المذكورة هي تغيرات جوهرية، وتعبر عن تفكك رئيس في مفهوم الوحدة العربية والترابط العربي، ومواثيق الجامعة العربية. لقد أصبحت الدول العربية غير مبالية بالقضية الفلسطينية، وكأن ما يجرى في قطاع غزة والضفة الغربية لا يعنيها ولا يؤثر على أمنها القومي. فهل هذا التغيير نهائي، ولا رجعة فيه؟ لا شيء مستحيل. يقول برنارد لويس ربما تنجح الإدارة الأمريكية أو إسرائيل بإنشاء كتلة سياسية عربية متحالفة مع الكيان الصهيوني، أو كما توقع شمعون بيريز ، نشوء عصر جديد يسود فيه الود والسلام، ويؤدي إلى شرق أوسط جديد متكامل إقتصادياً، ويصبح فيه الكيان الصهيوني عضواً طبيعياً في جامعة الدول العربية، وتمسي غزة سنغافورة الشرق الأوسط، أو الريفيرا كما يُبشر الرئيس الأمريكي.