Menu

نهار آخر .. لا حياد تجاه العدوان

رضي الموسوي

بوابة الهدف

في العدوان الصهيوني على إيران، كما على غزة، لا يمكن أن أن تقف دول مجلس التعاون الخليجي على الحياد بينما المنطقة تلتهب. لم يترك العدو خيارات كثيرة. لقد وضع الإحتلال الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما: أما الخنوع والاستسلام ومباركة حرب الإبادة والتطهير بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وتأييد عدوانه السافر على إيران منتهكًا القوانين والأعراف والمعاهدات الدولية الناظمة للعلاقات بين الدول..أو مواجهة ومعارضة هذا العدوان والوقوف ضد الصلف الذي تمارسه النازية الجديدة في فلسطين بقيادة عصابة يترأسها حاليا بنيامين نتنياهو المتهم من قبل محكمة العدل الدولية بجرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني.

الحياد تجاه عدوان الصهاينة على إيران هو موقف خاطئ، رغم الخلافات القائمة بين بعض دول المجلس ودول عربية وبين إيران، وبغض النظر عن حجم الاتفاق أوالاختلاف مع الحكم في طهران. فالكيان الصهيوني عندما يواصل شن غاراته على إيران فإنه ينظر الى أبعد من ذلك. هو كيان يسعى لتعبيد الطريق نحو بناء امبراطوريته في المنطقة على حساب شعوبها وبلدانها. هذا الكيان رسم خارطة "الشرق الأوسط الجديد" التي بشّر بها زعماؤه الأوائل وهاهو نتنياهو يسعى لتجسيدها بحرب إبادة في غزة وبـ "اتفاقات إبراهيمية" وبفرض التطبيع بالقوة على رافضيه، وبالعدوان على لبنان و اليمن وسوريا وأخيرا على إيران.

يريد الكيان فرض نموذجٍ لا تنساه دول المنطقة: تدمير مقدرات الشعب الإيراني وضرب برنامجه النووي السلمي وبنيته التحتية وإخضاع البلاد لسلطته بتنصيب إبن الديكتاتور المقبور شاه إيران محمد رضا بهلوي الذي خلعه الشعب الإيراني بمختلف مكوناته السياسية والفكرية والاثنية والعرقية عام 1979، في محاولة لمحاكاة ما جرى سنة 1953 عندما دبَّرت الـ "سي.آي. أيه" عملية الانقلاب على حكم محمد مصدق الوطني بعد تأميمه النفط وأعادت الشاه إلى الحكم. وعندما أسقط الإيرانيون الشاه مرة أخرى حوصرت بلادهم وعوقب الشعب طوال 46 عامًا بجريرة التناقض والخلاف مع نظامه السياسي، حتى ارتكب الكيان حماقته الكبيرة ونفذ عدوانه وأمعن في سفك دماء الإيرانيين والاعتداء على دولة مستقلة ذات سيادة عضو في الأمم المتحدة، لكن إيران مارست حقها في مقاومة هذا العدوان.

ينطلق الكيان في عدوانه باعتبار أن إيران هي العدو الأول، وفق تعبير نتنياهو، كما ينطلق من أن الحكم في طهران يعاني من الضعف ومن تآكل شعبيته بعد أن فعل الحصار الأمريكي فعلته في الاقتصاد بضرب مفاصله ومنعه من تصدير ثرواته إسوة بما تفعل دول العالم، فانهارت العملة الوطنية (الريال الإيراني) وتراجع حجم الاقتصاد وتفاقمت البطالة والفقر وأُجبرت طهران على النزوع إلى الجوانب العسكرية والأمنية على حساب الجوانب الأخرى، وهو الأمر الذي تريده واشنطن وتل أبيب، لتأليب الوضع الداخلي على النظام، حيث شهدت المدن الإيرانية احتجاجات في السنوات الأخيرة ضد سياسات النظام. وزاد من حماسة تل أبيب وواشنطن مآلات جبهات المساندة التي تم تفعيلها بعد انطلاق طوفان الأقصى، وضعف النظام الرسمي العربي وصمته وعجزه عن مواجهة الابادة الصهيونية المتمثلة في مجازر غزة ونهجه في تهجير أكثر من مليوني فلسطيني من القطاع، وسقوط النظام في سوريا، واحتلال أجزاء من أراضيها وأراض لبنانية دون ردود فعل تذكر.

في خضم هذه التطورات، ظن الكيان والإدارة الأمريكية أن الوقت قد حان للإجهاز على النظام في إيران، فنفذت قوات الاحتلال المفاجأة القاسية فجر الثالث عشر من يونيو 2025 بتصفية قيادات سياسية وعسكرية وعلمية في وقت واحد أراد منها الكيان شل حركة الحكومة الإيرانية، بتفريعاتها المتعددة، ومحاصرتها، والشروع في عملية انقلاب تأتي بنجل الشاه المقبور وتعيد النظام الشاهنشاهي إلى الحكم. لكن الأمور لم تجرِ كما اشتهت وخططت له تل أبيب والعصابة التي تحكمها بدعم وخداع أمريكيين، إذ تمكنت إيران من استيعاب الضربة المفاجأة، التي كانت كبيرة ودموية، وبدأت في الرد، ووعى الشعب الإيراني إلى مآرب الكيان التفتيتية ونيته في خلق الفوضى والاقتتال الداخلي، فتوحّد ضد العدوان، وأصدرت قوى معارضة وشخصيات إيرانية، لها وزنها ومكانتها، بيانات ومواقف أكدت رفضها وإدانتها للعدوان الصهيوني على بلادهم. تدحرجت كرة ثلج العدوان الصهيوني ورد الفعل الإيراني حتى وُضِعت منطقة الخليج العربي على برميل بارود مهيئ للإنفجار فرض على دوله الاستعداد إلى الأسوأ، حيث يتربَّص الكيان بالمنطقة ويحلم بالسيطرة على منابع النفط والثروات التي تزخر بها لتأسيس امبراطوريته.

إن الهدف النهائي للاحتلال الصهيوني وداعميه هو إضافة جغرافيا جديدة للفوضى التي تعم المنطقة العربية، بتفتيتها وخلق الاقتتال الداخلي بين أبنائها، فانبرت أجهزة الكيان تغذي وتساعد آلة الحرب بحرب إعلامية موازية لا تقل خطورة عن العدوان، وقد تم توظيف العديد من وسائل الإعلام العربية لخدمة الكيان، بقصد أو من دون قصد، فضلًا عن وسائل التواصل الاجتماعي التي تعجّ بتغذية مقيتة تقوم بها فروع الموساد لإذكاء الصراع الطائفي والمذهبي والعرقي حتى تتمكن الدولة العبرية من المنطقة بأسرها.

لن نكون على الحياد، فهو موقف لا ينفع المنظومة الخليجية والعربية والإسلامية.. وحتى الدولية، بل مضرّ بالسلم العالمي، والموقف الصحيح هو لجم العدوان وإدانته بقوة، والوقوف مع حق إيران في الدفاع عن نفسها وعن شعبها وعن مقدّراتها، ضد العدوان الصهيوني الذي ينذر بكوارث ومآسي لبلداننا. لذا من أجل شعوبنا بتنوع مكوّناتها، ومن أجل السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي وحفاظا على وحدة بلداننا، فإننا لسنا على الحياد، بل مع إدانة العدوان ومقاومته.