تتميز ذكرى النكبة بسمات خاصة تجعلها ذات معنى ودلالات مختلفة قياساً لكل المناسبات الفلسطينية المعروفة، ويعود التميز في هذا المستوى إلى أن النكبة وبالرغم من أنها ألقت بكلكلها على صدر الشعب الفلسطيني الذي دفع أثماناً غالية جراءها، إلا أنها في نسيج حدوثها وانعكاساتها تتشابك مع كل صغيرة وكبيرة في الحياة العربية الرسمية والشعبية، ليس فقط من زاوية دور النظام الرسمي العربي في صناعة كثير من فصولها، بل للانعكاسات المصيرية التي تركتها على حياة هذه الأمة ومستقبلها. وفي هذا السياق حملت الذكرى 77 للنكبة تميزاً خاصاً ضمن ذلك التميز، لما انضوت عليه من انتظارات ارتباطاً بالأحداث والحوادث التي سبقتها وساوقتها وستتلوها. خاصة وأنها جاءت و غزة تواجه قدرها على مرأى ومسمع العالم، بدءاً من محيطها العربي وانتهاء بالعالم الفسيح. لم تكن غزة بحاجة إلى أن تهتف بالنداء فالذكرى 77 للنكبة وفي هذا التوقيت في جوهرها هتاف ونداء واضح المعنى والدلالات. لقد كانت الذكرى بالنسبة لغزة مناسبة للقيام بعملية مسح بصري لمحيطها الإقليمي على المستويين الشعبي والرسمي أولاً، وللعالم ثانياً، لتقارن وتستخلص وتطلق نداءها المستند للعزة رغم أوجاعها. فتبدت لها الساحات كساحات ضمير وساحات مصير، وتبدى لها واقع ساحات المصير بوضوح شديد، وسردت مطالبها التي تشكل في جوهرها مطالب استنهاض لمحيطها الإقليمي ليس من أجل ذاتها بمحدوديتها الجغرافية، ولكن بانفتاحها الرمزي والدلالي الذي يغطي كل جغرافية الأمة من محيطها إلى خليجها.
أولاً - ساحات الضمير والمصير:
وهي تلك الساحات الأوروبية التي احتشدت شوارعها ومدنها بملايين البشر في الذكرى 77 للنكبة، للإجابة على وخز سؤال الضمير الإنساني الذي بات يؤرقها وهي ترى عمليات الإبادة الجارية التي تقوم بها آلة الدمار الصهيونية، تلك الجماهير التي احتشدت في ذكرى النكبة بكثافة وتأثير، وقوة تعبير عن الموقف حتى إن المتظاهرين وفي بعض المدن اختاروا أن ينزلوا للشارع بلباس موحد أحمر اللون كدلالة على دم الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى الذي يهدر في غزة نتيجة لحرب الإبادة، وصاغت هتافها وشعارها الموحد تحت عنوان الحرية لفلسطين، وأصرت على الثبات في الساحات، ليجد هذا الإصرار ترجمته في تطور الموقف الرسمي الأوروبي تجاه الكيان الصهيوني بما يكشف عن فاعلية وحنكة القوى الحية في الحشد والتنظيم ومراكمة الفعل بشكل تدريجي ولكن مدروس ليصل إلى مبتغاه في نهاية المطاف. وفي المقابل كانت ساحات المصير وهي الساحات العربية التي يرتبط مصيرها بنتيجة الصراع مع الكيان الصهيوني، تعيش نبضها المعتاد، وكأن خبر الذكرى 77 للنكبة بمعانيها ودلالاتها لم يصل إلى سمع الساحات العربية بمستوييها الرسمي والشعبي، باستثناء وقفات محدودة وبأعداد محدودة يكاد عددها لا يتجاوز أصابع يدي وقدمي الإنسان الواحد ــ باستثناءات قليلة ـــ، وهتافات باهتة بلا معنى أو دلالة، وتأوهات صامتة تعكس شعوراً بالعجز وقلة الحيلة. وكأن آذانها قد صمت وبدنها قد تصلب فلم يعد قادراً على الاستجابة لوخز سؤال المصير، الذي يفرض عليها أن تكون في المقدمة لأن المشروع الصهيوني ينال من مصيرها ووجودها، يضاف إلى ذلك أن هذا المصير بات معلقاً في كثير من نواحيه بنتيجة معركة قطاع غزة وبقدرة أهله على الصمود.
ثانياً - نداء غزة وشروط تلبيته:
وعلى أرضية هذه المفارقة تعيد غزة نداءها للشارع العربي ولقواه الحية وتدعوه إلى المبادرة باستعادة دوره وفعله، أو إعادة صياغته ليكون أكثر فعلاً وتأثيراً، وعلى أرضية الوعي بحقيقة الواقع الذي تعمل وتنشط في إطاره بدءاً من الإدراك أن هناك ساحات فعل جماهيرية قد فقدت بفعل السياسات الرسمية وغياب القوى الفاعلة أو انتزعت انتزاعاً، بما يعنيه ذلك من ضرورة تزخيم الفعل في الساحات المتبقية. خاصة وأن مستوى الحشد الجماهيري قد تراجع إلى حدود دنيا بما أفقده القدرة على التأثير. والانتباه للشعارات التي يتم رفعها، لأن الشعارات التي ترفع في الوقفات على محدوديتها شعارات عامة وليست مصوبة تجاه قضايا محددة وواضحة. والعمل على تطوير الأشكال التي تكاد تقتصر على وقفات محدودة، وإيجاد أشكال جديدة تتناسب مع قدرات وطاقات قطاعات جماهيرية كبيرة لا تجد لها مكاناً في الأشكال الشبابية القائمة. والاشتغال على الوعي في ظل استفراد القوى المضادة بوعي الغالبية العظمى من الناس. مع التأكيد على أن الغاية لكل فعل هي التأثير سواء بالمستوى الاستقطابي أي استقطاب قطاعات اجتماعية للمشاركة، أو بالمستوى التغييري أي تغيير سياسات رسمية بشكل إيجابي. وعلى ضوء وعي هذه الحقائق والعمل على تلافي جوانب الخلل تصوغ غزة نداءها المطلبي وتدعو إلى انخراط جميع أبناء الأمة ــ في كل المواقع ــ عبر منظماتها ومؤسساتها الشعبية في عملية الدعم والإسناد، للشعب الفلسطيني، وفي تدشين مرحلة جديدة لنضال حركة التحرر الوطني الفلسطينية، بوصفها موقعاً متقدماً في صراع الأمة العربية مع المشروع الصهيوني على طريق دحره وتحرير أرض فلسطين التاريخية ومن أجل تحقيق ثلاث حزمات من الأهداف وهي:
أولاً - أهداف الحماية وهي: حماية أبناء قطاع غزة من تداعيات العدوان الصهيوني، وتوفير الاحتياجات الإغاثية اللازمة. وحماية الإنجازات الإستراتيجية لمعركة طوفان الأقصى، بإسقاط مشاريع الإجهاض المطروحة. وحماية النضال الفلسطيني بوصفة نضالاً تحررياً من أجل التحرير والعودة وتقرير المصير وحماية ظهر المقاومة الفلسطينية، بمنع الكيان الصهيوني من التمدد في البلدان العربية.
ثانياً - أهداف المحاصرة وهي: محاصرة وملاحقة الكيان وعزله دولياً، قانونياً وسياسياً، بوصفه مجرم حرب. ومحاصرة وملاحقة المتواطئين مع الكيان ومن ضمنهم قوى التطبيع مع العدو الصهيوني.
ثالثاً - أهداف الكسر وهي: كسر دائرة الرتابة والتكيف والغرق في القضايا ال قطر ية التي باتت تحيق بالجماهير العربية وتوسيع دائرة انخراط الجماهير العربية في عملية الإسناد والدعم بوصفها عملية نضالية تشاركية وكسر دائرة الحصار المضروبة على قطاع غزة وفي هذا السياق تأتي أهمية فتح معبر رفح لإدخال المساعدات للقطاع.
لقد جاءت ديناميكية ساحات الضمير كنتيجة طبيعية لمواظبة القوى الشعبية الحية وتطوير آليات عملها وفعلها بشكل مستمر ومتراكم، وهي مسالة ليست صعبة أو مستحيلة بالنسبة للقوى الحية في ساحات المصير، إذا تجاوزت خلافاتها على أرضية الوعي بالتناقض الرئيسي مع الكيان الصهيوني وهذا يشكل بدوره ضمانة لتطوير فعلها وقدراتها، وبالنتيجة قدرة على تلبية نداء غزة بما يليق.

