وصف البيان الأورويلي لمجموعة السبع الهجمات العسكرية الإسرائيلية على إيران بأنها “دفاع عن النفس،” من خلال التلاعب باللغة خدمةً لأهداف سياسية، يضفي هذا البيان شرعية على العدوان الإسرائيلي ويوفر غطاءً دبلوماسيًا لانتهاكات متكررة للقانون الدولي، وبدلًا من إدانة التصعيد، تكتفي المجموعة بدعوات مبهمة لـ”خفض التصعيد”، مما يمنح إسرائيل ضوءًا أخضر للإفلات من العقاب تحت غطاء حياد زائف.
هذا ويُلاحظ الغياب الفاضح لأي إشارة في البيان إلى استخدام إسرائيل للتجويع كسلاح ضد 2.3 مليون فلسطيني في غزة، أو خرقها لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، أو غاراتها المتواصلة على سوريا، هكذا، باتت مجموعة السبع متماهية تمامًا مع حروب نتنياهو المفتوحة.
وربما يفاجأ البعض بأن الطبيعة المدنية للبرنامج النووي الإيراني قد تم تأكيدها مؤخرًا من قبل رئيسة مجتمع الاستخبارات الأمريكية، التي صرّحت أمام الكونغرس بشكل قاطع أن “إيران لا تطوّر سلاحًا نوويًا،” وفي اليوم نفسه، أكد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لشبكة CNN أنه لا يوجد “جهد منهجي نحو تصنيع سلاح نووي”.
لهاذا فبيان مجموعة السبع يعكس موقفًا سياسيًا منحازًا أكثر من كونه تقييمًا موضوعيًا، فهو امتداد لسياسات الهيمنة الغربية التي تسعى لاحتكار التكنولوجيا النوويه ومنع تطور الدول غير الغربية. ويتجلى هذا الانحياز الخطير في تواطؤ واشنطن وعواصم أوروبية مع هجمات إسرائيل على منشآت نووية إيرانية، محمية بموجب المعاهدات الدولية، و يعد استهداف هذه المنشآت انتهاكًا صارخًا للمادة 56 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، والتي تحظر مهاجمة المنشآت النووية أثناء النزاعات المسلحة.
لان قصف منشآت التخصيب أو خزانات الوقود المستهلك لا يقل خطورة عن استخدام السلاح النووي، إذ قد يؤدي ذلك إلى تسرّب إشعاعي كارثي يودي بقتل المدنيين، ويلوث المياه الجوفية، ويلوث الأراضي الزراعية والنظم البيئية لعقود مقبلة، ورغم أن العواصم الغربية حذرت و بحق من أخطار مماثلة في محطة زابوريجيا في أوكرانيا، إلا أنها في هذه الحاله تتجاهل الغارات الإسرائيلية وتصفها ب “الدفاع عن النفس”.
ولعل احتمال حدوث تسرب إشعاعي كارثي هو ما يفسر تردد نتنياهو حتى الآن في قصف منشأة “فوردو” الإيرانية، المحصنة تحت أكثر من 90 مترًا من الصخور، والتي يتم فيها تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، سبب هذا التردد ليس في غياب الرغبة، بل محاولة التنصل من تبعات الكارثة البيئية والدبلوماسية والإقليمية، مفضلًا أن تقوم الولايات المتحدة—وتحديدًا إدارة ترامب—بتلك المهمة نيابة عنه، لامتلاكها القدرة الأكبر على التدمير وتحمل عواقب الأمور.
استهداف البنية التحتية النووية، حتى وإن كانت لأغراض غير مدنية، يُعد سابقة خطيرة تتجاهل دروس تشيرنوبيل وفوكوشيما، وتخرق القوانين الدولية التي تحظر المساس بالمنشآت النووية، وتكشف ازدواجية معايير القادة الغربيين الذين ينددون بانتشار الأسلحة النووية بينما يغضّون الطرف عن انتهاكات حلفائهم.
هذا العمى الأخلاقي ليس حدثا طارئًا، بل جزء من الإرث الاستعماري الطويل ابتداء من العبودية وإبادة الشعوب الأصلية ومجاعات المستعمرات المتعمدة، مرورًا بالمحرقه الاوروبيه، ووصولًا إلى قصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية. اليوم، تستمر ما يوصف ب “الحضارة الغربية” في دعمها لإسرائيل، مدها بالسلاح والمعلومات الاستخباراتية والدعم السياسي، وممهّدة الطريق نحو كارثة نووية في إيران، ومتواطئة في الوقت ذاته في تجويع أطفال غزة، وقد تجلى هذا التواطؤ بشكل فاضح بتصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأن إسرائيل تقوم بـ”العمل القذر نيابة عنا”.
وفي إطار مساعي نتنياهو لدفع واشنطن إلى خوض حرب جديدة من تصميمه، ينشط حلفاؤه داخل الإدارة الأمريكية للترويج لأجندة “إسرائيل أولًا”، لاقناع ترامب بإتمام المهمة التي لم تكتمل ويحاولون ترويج ذلك بان إسرائيل أضعفت الدفاعات الإيرانية بما يكفي لجعل التدخل الأمريكي منخفض المخاطر.
وفي قلب هذه المسرحية المحكمة، يأتي نتنياهو نفسه، مدركًا بدقة هشاشة ترامب النفسية أكثر من مستشاريه، فمكالمة واحدة مشبعة بالإطراء كفيلة بإرضاء غروره المنفلت—و تصويره على أنه “منقذ إسرائيل" التاريخيّ — قد تكون كافية لجرّ الجنود الأمريكيين إلى مستنقع حرب جديدة في الشرق الأوسط.
تمامًا كما حصل عام 2003، عندما قاد المحافظون الجدد حملة التضليل الكبرى لغزو العراق، متذرعين بتغيير النظام ونشر الديمقراطية، وبينهم نتنياهو الذي كذب أمام الكونغرس عام 2002. وبعد أكثر من عقدين، ما تزال المنطقة، ومعها الولايات المتحدة، تدفع ثمن تلك الحرب المبنية على الأكاذيب والغرور والتبعية العمياء للمصالح الإسرائيلية.
فهل يشارك ترامب هذه المرة ايضاً؟ يصعب على المرء ان يتنبأ بتصرفات هذا الرجل، لا لحسابات استراتيجية، بل بسبب مزيج من الغرور والنزق والنزعة إلى رد الفعل، فقراراته غالبًا ما تبدأ بشعارات نارية وتنتهي بتراجعات فوضوية، هذا كان جلياً في حروبه التجارية، وهكذا كانت سياساته الخارجية: تغريدات تهديد، انسحابات مرتجلة، وتصعيد مفاجئ على وقع خطاب فوكس نيوز.
وهنا تكمن خطورة المرحلة: مزيج من رئيس أمريكي متهور وحكومة إسرائيلية مهووسة بالتفوق العسكري، هذا الخليط قد يقود إلى انفجار جديد في المنطقة، مُحقّقًا حلم نتنياهو الشيطاني بإعادة رسم خرائط “الشرق الأوسط الجديد”، كما حلم به مهندسو غزو العراق. واليوم، بعد اكثر من عقدين، ما تزال العراق تنزف، لكن الحرب القادمة—إن وقعت—لن تكون سوى بداية لفصل اكبر من الفوضى.
لقد أخفق القادة الغربيون في التعلم من دروس التاريخ، وها هم يكررون الأخطاء نفسها بدافع الغرور الإمبريالي، لكن هذه المرة، ستكون المخاطر مضاعفة، فمن خلال دعمهم غير المشروط لإسرائيل، لا يكتفون بالتواطؤ المخفي، بل يشاركون فعليًا في رسم سياسات نتنياهو للإبادة الجماعية، وفي تعزيز فكر

