على ما يبدو لم تستفق إلى الآن، قيادة الكيان الصهيوني من صدمة السابع من أكتوبر، بل ولم تكترث لمخاوف و تحذيرات مسؤولين أمريكيين وصهاينة، بأنها ممكن أن تربح " الحرب تكتيكيا وتسخيرها استراتيجيا ". من هنا تأتي أهمية التمعن والغوص في أعماق وتفاصيل برامج واستراتيجيات وايديولوجيات أطراف الصراع.
في هذه الأيام، يحتدم الصراع والصدام بين مركزي القوة في المنطقة والإقليم، الكيان الصهيوني من جهة والجمهورية الإسلامية في ايران من الجهة الأخرى. الأول، الذي يمثل بلا شك نقطة الارتكاز و مركز الثقل الإقليمي لكافة للقوى الاستعمارية الإمبريالية العالمية، والرجعية العربية، قرر الذهاب، مرغما، إلى الصدام الشامل، مع طهران التي هي مركز القوة والثقل للقوى الرافضة لوجود هذا الكيان، و للقوى التي تناضل ضد الاستعمار بكل أشكاله ومن أجل التخلص من الهيمنة الإمبريالية على المنطقة، وتحقيق الاستقلال والسيادة لشعوبها. هذه القوى لا شك هي أيضا جزء أساسي من القوى العالمية المضادة للإمبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة.
هذا الصدام القائم الآن بين الكيان وايران هو أحد النتائج لصراع تاريخي، بدأ على إثر انتصار الثورة الإسلامية في ايران بقيادة زعيمها الراحل الخميني. هذا الصدام الذي ما يزال في بداياته حقق نتائج مؤكده، بغض النظر عن من سيغني أغنية " النصر " غدا عندما تقف الحرب. المؤكد الاول، من نتائج و ارتدادات صدام المركزين، استراتيجية وجودية على الكيان الصهيوني، لأن هذا الكيان ، هو الوحيد على أرض الوطن العربي، الذي لم ينشأ بشكل طبيعي، بناء على ضرورة تاريخيه لتلبية حاجة لشعب من شعوبه الأصيلة، بل لأن هذا الكيان هو " دولة اليهود " التي أنشأتها الإمبريالية بواسطة الحركة الصهيونية العالمية على أرض فلسطين العربية، التي هي أقرب الى الثكنة العسكرية الاقتصادية الاستثمارية، وظيفتها حماية وخدمة المصالح الإمبريالية الرأسمالية في الوطن العربي والإقليم. وكشرط لديمومتها وقوتها البشرية العسكرية استقدمت سكانها المستعمرين على ' جسور " الخرافات الدينية وإغراءات الأمن والرفاهية والسعادة في أرض " اللبن والعسل ". هذه " الثكنة " منذ تأسيسها حتى السابع من اكتوبر، تبجحت وطارت وصالت وجالت في المنطقة، وعرضت " بضاعتها الجذابة " أبعد من حدود الإقليم كمصمم ومقرر لمصير ومستقبل دول المنطقة ثقافيا وسياسيا وجغرافيا أي وجوديا.
لكن، كل هذا توقف وتغير بعد عملية السابع من أكتوبر النبيلة والعظيمة. بعد هذه العملية، التي هي نقطة التحول الاستراتيجي والتاريخي في مسار الصراع في المنطقة والإقليم، حيث إعادة قرار تقرير مصير المنطقة بأيدي أصحابها الحقيقين، وفتحت موضوعيا أبواب الحروب العادلة الكبرى التي كان لا بد من حدوثها. وبما أن الحرب هي امتداد للسياسة بل هي " السياسة بلغتها العنيفة " يجعل من الحروب خيارات إجبارية لا مناص منها للممثلين الحقيقين للسياسات المتضادة المتصادمة الغير قابلة للتجسير والمهادنة في المسائل الجوهرية وعليها فإن عدم انسحاب أو تراجع أطراف الصراع، أو أحدها، التي تمثل حركة التحرر الوطني واستعدادها الذهاب إلى ساحات الحرب العادلة ودخولها بحزم وإرادة هو تأكيد على الأصالة السياسية و البرنامجية لهذه الأطراف، صاحبة الحق التاريخي والقضية العادلة.
أن قرار الجمهورية الإسلامية في ايران على الذهاب بحزم و ثبات الى الصدام مع نواة المركز المعادي، الكيان الصهيوني، في الإقليم غير آبه بالخسائر التي يمكن أن تحدث يؤكد أصالتها السياسية و الفكرية والأخلاقية في صراعها المعادي للإمبريالية والصهيونية وفي وقوفها الحقيقي والثابت مع القضية الفلسطينية ودعمها اللا محدود لنضال الشعب الفلسطيني. هذا الموقف الأصيل للجمهورية الإسلامية في دفاعها عن نفسها وعن كل القوى المعادية الصهيونية والإمبريالية، أفسد " دماء ومياه " من شككوا بها وبأهدافها. هنالك من حرض ضدها وهنالك من حاربها سواء في الداخل أو في الخارج بحجج مختلفة، جغرافية وطائفية وسياسية، وتساوق مع استراتيجية الأعداء المشتركين بحجة أن " ايران تعمل على إعادة مجد الإمبراطورية الفارسية على حساب القومية العربية " ، لذا تحالفت الأنظمة الرجعية مع الصهيونية وكيانها الإرهابي المجرم مباشرة بحجة مواجهة " الخطر الفارسي المشترك " الذي " يتهدد الطرفين ". واعتبروا أن ما تقوم به ايران هو دعم " للإرهاب "- هكذا يسمون دعم ايران للمقاومة ضد الكيان الغاصب اللا شرعي.
وقد كشفت حرب الإبادة الصهيونية في غزه هذه الحقيقة ولم يعد مطلوب أي جهد لإثباتها. هذا التحالف المعادي خلق له على مدار أعوام بيئة " شعبية " فاسده وموبوءة عن طريق البترودولار والإعلام المروج للروايات الصهيوامبريالية والتوجيه المضلل لبعض جهات ما يعرف ب " الإسلام السياسي " والانحطاط الايديولوجي الليبرالي لفئات من البرجوازية الطفيلية الكومبرادورية.
هذه " البيئة " استطاعت أن تطهرها نسبيا نيران المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة حماس ، وحرر فئاتها الشعبية الموقف الإيراني المبدئي والنبيل الذي أيقظها من غيبوبتها وأخرجها من حيرتها التي ولدتها وسائل إعلامها وحربها الإعلامية التضليلية. نعم، إن الصدام وحرب تكسير العظام التي يعيشها المواطن العربي بكل جوارحه، بغض النظر عن معتقداته الدينية والفلسفية، يجعله أن يعيد تكوين وعيه الأصلي بدون تدخل إعلامي أو خطابي مما يؤسس لوعي ثوري للكتلة الشعبية التاريخية التي بمقدورها هزيمة المشروع الإمبريالي الصهيوني وبناء الوطن الجديد الخالي من الاستعمار وأيديولوجياته العنصرية الاستغلالية اللا إنسانيه. لقد جعلت المقاومة الفلسطينية والعربية وخاصة الحرب العادلة التي تخوضها ايران القائد الفعلي لمحور المقاومة كلفة الدفاع عن الثكنة - الكيان و الحفاظ عليها باهظه، وعلى إعادة تأهيلها وبنائها اكثر كلفه بل لا تحتمل، بغض النظر من سيدفع الفاتورة " عربي " ام اجنبي.
هذا الصدام التاريخي والاستراتيجي بين مركزي قوى المعسكرين، أعاد رمي الكرة في ملعب المشككين بهجوم السابع من أكتوبر المجيد، وب إيران وبمحور المقاومة، بل وفي ملعب كل المتآمرين بكل فئاتهم وأيديولوجياتهم.
في الحقيقة، إن ما قيل ضد إيران و المقاومة، وخاصة ضد حركة حماس، كثير ويتسع لكراسات، ولكن ما يهمني الآن هو مسألة واحدة، بل " تهمة واحدة "، أو الافتراء الظالم المغرض، الأكثر خطورة الذي شكك في قدرات الجمهورية الإسلامية و حركة المقاومه الاسلامية " حماس " وأنها " بدعة إسرائيلية صهيونية " وأن حكومة نتانياهو تواطأت مع حماس لتنفيذ السابع من أكتوبر، كي يعطي ذريعة للكيان والإمبريالية لتنفيذ استراتيجيتهم التي تهدف إلى تفكيك الواقع الجغرافي القائم وإعادة تركيبه في إطار ما سمي " الشرق الأوسط الجديد " هذا ليس فقط تضليلا، بل يأتي في سياق الحرب السياسية و الإيديولوجية والإعلامية الصهيوامبريالية و للطابور الخامس العربي التي فندها ونفاها الواقع بنار الحرب العادلة التي يخوضها محور المقاومة بقيادة ايران ومعهم كل المناضلين الشرفاء الصادقين من شعوبنا وشعوب العالم.

