Menu

النظام العربي مستمر في خذلانه لغزة والغرب يتجه لمعاقبة (إسرائيل) على حرب الإبادة والتجويع

عليان عليان

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

تطورات متلاحقة تحصل على الصعيد العالمي، وبخاصة على الصعيد الغربي رسمياً وشعبياً حيث تتكامل مواقف العديد من الدول الغربية ضد جرائم الإبادة الجماعية وحرب التجويع غير المسبوقة منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي، مع المسيرات الضخمة التي تعم العواصم الغربية، بفارق أن شعارات المسيرات تتميز بالسقف العالي التي تتحدث عن تحرير فلسطين والتأكيد على محاكمة قادة العدو وجنوده وضباطه بتهمة الإبادة الجماعية.

وهذه التطورات في موقف العديد من الدول الغربية ضد حرب الإبادة والتجويع تشكل انقلاباً تدريجياً على حرب الإبادة والتجويع ،التي تشنها حكومة الاتلاف اليميني المتطرف بزعامة نتنياهو، بعد أن هبت لدعم العدو الصهيوني إثر معركة طوفان الأقصى، في ملحمة السابع من أكتوبر التاريخية 2023 ، وعندما اعتبرت الحرب العدوانية على مدى 19 شهراً حرباً مشروعة في إطار الدفاع عن النفس ، لدرجة أنها وقفت موقفاً مناهضاً من محكمة العدل الدولية ، التي عقدت ثلاث جولات، للبت في قضية الإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الاحتلال في قطاع غزة.

مقارنة الموقف العربي الرسمي مع الموقف الغربي المستجد

1-الموقف العربي الرسمي : واللافت للنظر أن معظم أطراف النظام العربي الرسمي تشيح بوجهها عن الأهل في قطاع غزة ، وتكتفي بعقد القمم التي تكتفي بالمطالبات والتنديد والمناشدات، دون أن تستخدم أوراق الضغط التي بيديها ، مثل وقف التطبيع والمعاهدات مع الكيان الصهيوني ، بوصفها أضعف الأيمان، وذلك بحكم تبعيتها لدول الغرب الرأسمالي ، ما دفع بعض المراقبين للتساؤل: لماذا تمارس الدول العربية تبعيتها على الدوام لدول الغرب ضد شعوبها وضد قطاع غزة ولا تمارس تبعيتها للدول الغربية في موقفها الراهن ضد حرب الإبادة والتجويع، بأن تقوم بفتح المعابر عنوة لإيصال المساعدات إلى قطاع غزة ، وأن تهدد بإلغاء المعاهدات مع الكيان الصهيوني.

إن أبسط نظرة على قرارات القمم العربية، وخاصةً قمة بغداد الأخيرة، تكشف حقيقة أن النظام العربي الرسمي شريك في المؤامرة على القطاع، لا سيما وأنه يتلطى في بيانه الختامي وراء عبارات علاقات عامة لا تسمن ولا تغني من جوع على نحو :

طالبت القمة في بيانها المجتمع الدولي بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن العدوان على غزة، وشدد على ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، وعلى أهمية التنسيق المشترك لفتح جميع المعابر وتمكين الوكالات الأممية من القيام بدورها، وعلى رفض تهجير الشعب الفلسطيني وأكد "مركزية القضية الفلسطينية والدعم المطلق لحقوق الشعب الفلسطيني".

من يقرأ هذه الفقرة من البيان الختامي يسجل ما يلي :

1-أن الأنظمة العربية تعفي نفسها من أية إجراءات عملية لوقف حرب الإبادة والتجويع ، ومثل هذا البيان قد يصدر من أي جهة أو منظمة إقليمية ، ما يعني أن هذه الأنظمة لا تنتمي للأمة العربية بل تنتمي لأسيادها في إطار الدور الوظيفي الموكول بها.

2- البيان يشدد على ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة وأهمية التنسيق المشترك لفتح المعابر وتمكين الوكالات لأممية للقيام بدورها ، والسؤال هنا موجه للقمة وللنظام المصري على وجه التحديد :

من يتولى هذه المهمة؟ ف مصر هي الدولة المحاددة لقطاع غزة وترتبط بمعاهدة مع الكيان الصهيوني، ووفق اتفاق 2005 هناك اعتراف إسرائيلي بأن منطقة صلاح الدين تمثل الحدود المصرية الفلسطينية، وأنها جزء من اتفاقية كامب ديفيد، فلماذا لا تفتح مصر بوابة رفح لإيصال آلاف الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية والطبية وغيرها، ولماذا لا تهدد بإلغاء اتفاقيات كامب ديفيد، التي يتبجح الرئيس السيسي بأنها أرست أسس السلام والاستقرار في الشرق الأوسط؟ وعن أي سلام واستقرار يتحدث في ظل حرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة.

ونذكر هنا بما جاء في مقال لمبعوث السلام الأمريكي الأسبق في الشرق الأوسط " دينيس روس" بتاريخ 29-10- 2023، جاء فيه (أن عدداً من الزعماء العرب الذين تحدثوا إليه صرحوا له بموقفهم "على انفراد" بضرورة إنهاء وتصفية حركة حماس ، بينما مواقفهم العلنية على خلاف ذلك، لأنهم يدركون أنه مع استمرار انتقام (إسرائيل) وتزايد الخسائر والمعاناة الفلسطينية، فإن مواطنيهم سوف يغضبون منهم، وأن أولئك الزعماء يحتاجون إلى أن يُنظر إليهم، على أنهم يدافعون عن الفلسطينيين على الأقل خطابياً).

واللافت للنظر أيضاً أن دولة وعد بلفور بقيادة حزب العمال وفرنسا ماكرون اللتين هبتا لدعم الكيان بكل السبل، نراهما يتخذان مواقف صارمة نسبياُ مع الكيان، بينما لا تجرؤ دولة عربية واحدة على إلغاء المعاهدة معها، أو حتى استدعاء السفير الصهيوني لتقديم احتجاج بشأن تجويع القطاع.

2-الموقف الغربي: بدايةً لا بد أن نشير إلى أن معظم الدول الغربية ، وفرت كل سبل الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي للكيان الصهيوني ، منذ نشوئه الغاصب عام 1948 ، وأنها حريصة على بقاء الكيان الصهيوني قوياً ومتفوقاً عسكرياً على دول المنطقة ، وأن خلافها ليس مع (إسرائيل) بل مع نهج نتنياهو الذي يقود الكيان إلى عزلة كبيرة وغير مسبوقة ، ويعطي الأولوية لبقاء حكومته على حساب مصالح وأمن (إسرائيل) نفسها ، وعلى حساب المصالح الأوروبية في المنطقة .

لقد تمثلت هذه التطورات الدراماتيكية الصادرة عن مختلف الحكومات الغربية حتى اللحظة بما يلي :

1- إصدار قادة أيسلندا وأيرلندا ولوكسمبورغ ومالطا وسلوفينيا وإسبانيا والنرويج بياناً مشتركاً بتاريخ 16-5- 2025 جاء فيه أنهم "لن يصمتوا أمام الكارثة الإنسانية التي يسببها الإنسان والتي تحدث أمام أعيننا في غزة / دعوة حكومة (إسرائيل) إلى عكس سياستها الحالية على الفور ، والامتناع عن القيام بالمزيد من العمليات العسكرية، وإلغاء الحصار تماماً وضمان توزيع المساعدات الإنسانية بشكل سريع وبدون معوقات في جميع أنحاء قطاع غزة من جانب الجهات الفاعلة الإنسانية الدولية / إدانة التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية وإدانة عنف المستوطنين، وتوسيع المستوطنات غير القانونية وتكثيف العمليات العسكرية الإسرائيلية".

2- تهديد قادة فرنسا وبريطانيا وكندا الاثنين 19-5-2025 في بيان مشترك باتخاذ إجراءات ضد (إسرائيل) إذا لم توقف حرب الإبادة الجماعية التي تشنها على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 / مطالبة هذه الدول (إسرائيل) بوقف عملياتها العسكرية في غزة والسماح الفوري بدخول المساعدات.

3- إعلان مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي "كايا كالاس"، بتاريخ 20-5- 25أن اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي و(إسرائيل) ستخضع للمراجعة، في ظل الوضع "الكارثي" في قطاع غزة .

ومما زاد الطين بلة قيام قوات الاحتلال بإطلاق الرصاص الحي في 21 مايو (أيار) الماضي باتجاه وفد دبلوماسي، أثناء وجوده بمدخل مخيم جنين في الضفة الغربية، للاطلاع على الواقع المأساوي للمخيم، مما أثار غضب الدول الغربية ودفعها لاستدعاء السفراء الإسرائيليين في بلدانهم لتقديم تفسير لعدوانهم على الوفد .

نحو فرض عقوبات غربية على الكيان الصهيوني

ولم تكتف الدول الغربية الموقعة على البيانات سالفة الذكر ، بتهديد الكيان باتخاذ إجراءات عقابية بل لجأت فعلاً إلى تطبيق العقوبات في سياق تدريجي، فالحكومة البريطانية أعلنت تعليق محادثات اتفاق التجارة الحرة مع ( إسرائيل) وفرض عقوبات جديدة على مستوطنين في الضفة الغربية ، كما أكد وزير الخارجية البريطاني، أن بلاده قررت تعليق مبيعات الأسلحة لتل أبيب والتي قد تُستخدم في العمليات العسكرية في غزة، معتبرًا أن منع دخول المساعدات يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ، هذا كله ناهيك عن استدعاء الخارجية البريطانية للسفير الإسرائيلي لإيصال رسالة احتجاج بشأن حرب الإبادة الجماعية ونهج تجويع أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة .

وها هو رئيس وزراء اسبانيا "بيدرو سانشيز " يعلن بأن بلاده قطعت العلاقات التجارية مع (إسرائيل) لأنها دولة إبادة جماعية، وأنها ألغت نهائيا تصدير الأسلحة لها، ناهيك أن خطابه في قمة بغداد العربية كان متقدماً بكثير على كلمات العديد من الحكام العرب، وعلى مخرجات القمة المذكورة، أما إيرلندا فموقفها معروف بمعاداتها للكيان ودعمها للحقوق الفلسطينية ومقاطعتها للمنتجات الإسرائيلية.

كما أن الاتحاد الأوروبي بات يعمل على إلغاء اتفاقية الشراكة الموقعة مع (إسرائيل) من خلال سعيه لتحقيق إجماع أعضاء الاتحاد لإلغاء الاتفاقية، احتجاجاً على حرب الإبادة والتجويع، لا سيما وأن الاتفاقية الموقعة مع الكيان الصهيوني عام 2000، تنطوي على مادة تربط استمرار الاتفاقية بالتزام (إسرائيل) بحقوق الإنسان.

سؤال التغيير في الموقف الأوروبي حيال الكيان الصهيوني

والسؤال هنا لماذا هذا التحول المتأخر، في موقف الدول الأوروبية حيال جرائم الإبادة الجماعية وحرب التجويع بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة؟

في التقدير الموضوعي أن هذا الانقلاب يعود لمجموعة عوامل أبرزها :

1. المظاهرات الهائلة في العواصم والمدن الغربية التي لم تتوقف منذ بدء العدوان الصهيو أميركي الأطلسي على قطاع غزة على مدى (19) شهراً، التي طالبت بوقف العدوان على غزة ووقف تصدير الأسلحة للكيان الصهيوني .

2. أن كافة المنظمات الأممية ومنظمات حقوق الإنسان ـ رفعت صوتها عالياً بضرورة وقف حرب الإبادة الجماعية التي أدت إلى ارتقاء ما يزيد عن 174 ألف شهيد ومصاب ، وبضراوة حرب التجويع التي تنقل بالصوت والصورة ما أجبر الدول الغربية على إجراء استدارة في موقفها حتى لا تتهم بالمشاركة في حرب الإبادة والتجويع في القطاع ، ودعم الاستيطان في الضفة الغربية.

3. لأن الدول الغربية وخاصةً بريطانيا وفرنسا وكندا ، باتت تشعر بأن استمرار حرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة ، يضعها في خانة المشاركة في الإبادة الجماعية، كما أنها ووفق حسابات إستراتيجية وسياسية، ترى أن هذه الحرب قد تفضي في تداعياتها إلى نشوب حرب إقليمية ، تضرب في الصميم مصالحها في المنطقة .

وأخيراً فإن صمود المقاومة وانتصاراتها في الميدان ، والتطورات سالفة الذكر تعزل الكيان الصهيوني دولياً ، كما أن تصريحات قادة سياسيين وعسكريين صهاينة مثل تصريح رئيس الحزب الديمقراطي الإسرائيلي يائير غولان، ورئيس الوزراء الأسبق "يهودا أولمرت" ووزير الحرب الأسبق "موشيه يعلون" ، التي وصفت حرب نتنياهو على القطاع بأنها غير أخلاقية لأنها حرب ضد المدنيين ، وتعكس هواية قتل أطفال غزة والاحتفال بقتلهم ، وأن قتل الفلسطينيين "أيديولوجية قومية وفاشية" ، وأن (إسرائيل) تتجه لأن تصبح دولة منبوذة بين الأمم ناهيك عن الدعوات المتزايدة من قادة المعارضة، بضرورة إنجاز عصيان مدني لإسقاط حكومة الائتلاف اليميني المتطرف ، كلها تساهم في عزل الكيان الصهيوني، وتخدم وقف العدوان على قطاع غزة .