Menu

وقف إطلاق النار وليس سلامًا: كيف نجح نتنياهو واللوبي الصهيوني في توكيل حرب إسرائيل لترامب؟

جمال كنج

الهدف الإخبارية

على خلاف النزاع الروسي مع كييف أو مطالبة الصين بالسيادة على تايوان، لا تستند حرب واشنطن مع إيران إلى خلاف وطني مباشر، بل إنها مشروع مُفوَّض من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبدعم كامل من جماعة الضغط الصهيونية، إلى الإدارة الأمريكية. وقد أثبت دونالد ترامب—الرئيس المدمن على الإطراء والمهووس بالدراما—أنه المتعهد المثالي لهذا المشروع، مدفوعًا بغطرسة متضخّمة وحبّ للظهور.

لقد أتقن نتنياهو لعبة التأثير على السياسات الأمريكية لعقود. ففي عام 2002، وقف أمام الكونغرس الأمريكي مؤكدًا أنه “يضمن” سقوط نظام الملالي في طهران بمجرد أن تطيح الولايات المتحدة بصدام حسين.  فشنت أمريكا حربًا كارثية لتغيير النظام في العراق، انتهت إلى فوضى عارمة دون أن تقترب حتى من تغيير النظام في إيران. وها نحن، بعد أكثر من عشرين عامًا، نجد نتنياهو ينجح مجددًا في جرّ الولايات المتحدة إلى فانتازياه الخاصة لإعادة تشكيل “وجه الشرق الأوسط”.

هذا إنجاز شيطاني بامتياز: إذ تحارب أمريكا حروب إسرائيل بالوكالة، وتُدفع المنطقة نحو مزيد من الفوضى، فتتحقق رؤية العقيدة الأمنية الصهيونية: بقاء أنظمة عربية فاشلة غير قادرة على تحدي التفوق الإسرائيلي في الإقليم.

ومع انقشاع الغبار حول وقف إطلاق النار الأخير بين إيران وإسرائيل، يتضح بشكل متزايد أن الهدف لم يكن وقف برنامج نووي، بل جزء من مخطط زرع الفوضى، وتفكيك دول المنطقة، وترسيخ هيمنة إسرائيل المطلقة على شرق أوسط مجزأ إلى الأبد.

فبالنسبة لإسرائيل، الفوضى ليست نتيجة عرضية للسياسة، بل هي السياسة نفسها. وليست عجزًا عن تحقيق الأهداف، بل وسيلة استراتيجية متعمدة. إنها جوهر “خطة العمل الإسرائيلية”.

لقد كان زعزعة استقرار الشرق الأوسط هدفًا معلنًا في “خطة يينون” التي نشرت باللغة العبرية عام 1982، والتي نصّت بوضوح على تفتيت الدول المحيطة بإسرائيل من الداخل لإبعاد الأنظار عن الجرائم الإسرائيلية المستمرة، مثل  الاباده الجماعية في غزة اليوم، واحتلال للضفة الغربية، إلى توسيع المستوطنات وتعميق نظام الفصل العنصري اليهودي.

وفق هذه الرؤية، فإن عدم الاستقرار يعزّز الخطاب الإسرائيلي عن “التهديد الوجودي”، وهو خطاب يتبناه صناع القرار في واشنطن المتواطئون مع اللوبي الصهيوني، ويُستخدم لابتزاز مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لتمويل حروب إسرائيلية متواصلة، قائمة على الهيمنة و الضربات الاستباقية والعدوان الدائم.

وعندما تغرق الدول المجاورة في الحروب الأهلية والانهيار الاقتصادي والعنف الطائفي، تتحول أنظار الإعلام العالمي عن الفظائع الإسرائيلية نحو “الفوضى الإقليمية”. وتصبح معاناة الفلسطينيين ضجيجًا هامشيًا في خلفية مشهد يُقدَّم على أنه “مركّب ومعقد”، بدلًا من أن يُفضَح كنتاج مباشر لسياسات استعمارية ممنهجة.

لهذا، فإن تغذية الفوضى الدائمة في دول مثل لبنان، وسوريا، والعراق، وليبيا، و السودان ، والآن إيران، تخدم هدفًا طويل الأمد: منع نشوء أي محور إقليمي موحد يمكنه تهديد هيمنة إسرائيل. فكلما كان الشرق الأوسط أكثر انقسامًا، كان التحكم فيه أسهل، وكان تجاهله عالميًا أكثر احتمالًا.

في غزة، على سبيل المثال، يتعامل العالم مع الإبادة الجماعية كأنها مجرد فصل جديد في “حكاية مأساوية من الفوضى” لمكانٍ طالما صُوّر بلا إنسانية. ومع صمت دولي مهيب، ساهمت إدارة ترامب في تطبيع التجويع والإبادة الجماعية، حيث تحوّلت مراكز توزيع المساعدات الأمريكية إلى مصائد موت. تطلق القوات الإسرائيلية النار يوميًا على الآلاف من الجائعين المصطفين منذ الفجر، مما أدى إلى مئات القتلى، وكأنّ القتل بات الثمن اليومي لربطة خبز أو كيس دقيق. يعود الجائعون  إلى بيوتهم وعلى أكنافهم جثه قتيل  بدلا من كيس طحين، هكذا يُغلف القتل بالجوع، وتُغسل الجرائم الإسرائيلية بذريعة الفوضى.

وقد يمنح هذا الوضع نتنياهو مزيدًا من الوقت لمواصلة إبادة غزة، و”ينجح” في جرّ أمريكا إلى خوض حرب جديدة نيابة عن إسرائيل. لكنه ليس بلى ثمن، وسوف  يرتد عليه وعلى داعميه.

يحدث هذا رغم المعارضة المتزايدة داخل المجتمع الأمريكي لتورط واشنطن في حرب جديدة “مصممة خصيصًا لإسرائيل”. الفجوة بين الرأي العام والطبقة السياسية رهينه للوبي الصهيوني تتسع، مما يعمّق أزمة الثقة في مؤسسات الحُكم الأمريكية، التي تضررت أصلًا من تزايد التفاوت والتمييز في الداخل الاميركي.

ومن المرجح أن تدفع  الاعتداءات الأمريكية لإيران قيادتها إلى تعزيز إعادة الاصطفاف العالمي ضد النظام الأحادي، وربما يظهر تحالف جديد—ترتكز نواته على إيران، وبدعم روسي-صيني—يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي لعقود قادمة. وبينما لا تزال النتائج المباشرة للغارات الأمريكية والإسرائيلية على إيران غير واضحة، فإن حقيقة واحدة ثابتة: لا واشنطن ولا تل أبيب قادرتان على القضاء على المعرفة النووية الإيرانية.

وفي الوقت الذي يلوذ فيه المجتمع الدولي بالصمت، بدلًا من إدانة الهجمات الإسرائيلية على منشآت نووية محمية بحسب القانون الدولي، يتكرّر شعار مفرغ من المعنى: “يجب ألا تمتلك إيران قنبلة نووية”، في تجاهل صارخ لحقيقة أن برنامج إيران النووي المدني، بخلاف نظيره الإسرائيلي، خضع منذ نشأته تحت حكم الشاه لإشراف كامل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

الفشل في إدانة هذه الهجمات من قبل الوكالة الدوليه لا يضعف مصداقية الوكالة فحسب، بل يهدد أيضًا بإخراج إيران تمامًا من الإطار الدولي للرقابة، مما يزيد احتمال انسحابها من الالتزامات المفروضة عليها. وقد يكون رد طهران ببساطة: “بعد أن دمرتم منشآتنا، لم يعد هناك ما نفاوض عليه.”

وعليه، فإن التاريخ قد لا يتذكر ترامب كمُخلّص لإسرائيل، بل كمحفز دفع إيران إلى بناء برنامج نووي سري، خارج منظومة التفتيش العالمية.

وحين يأتي وقت الحساب، سيجلس المؤرخون لتحليل هذا الانحراف السياسي: من مكالمات نتنياهو التي دغدغت غرور ترامب الساذج، إلى نفوذ المال الصهيوني في قلب صنع القرار الأمريكي. وسيتساءلون: كم روحًا أُزهقت؟ كم فرصة ضاعت؟ وماذا لو كانت أمريكا قد اتخذت قراراتها لمصلحة شعبها، بدلًا من أن تكون أداة لتنفيذ أجندة لخلق الفوضى، تهدف إلى صناعة دول فاشلة تخدم المشروع الصهيوني الشيطاني؟