إعلامي مغربي كبير ينتمي لجيل كانت القضية الفلسطينية بوصلته يحفظ عن ظهر قلب أشعار محمود درويش وتوفيق زيّاد ويواكب فدوى طوقان التي كتبت عن النكسة والاحتلال، ومعين بسيسو الذي كتب في السجون والمنافي، فسار هذا على نهجهم في النضال والأدب ومعظمه انخرط في مجال الصحافة، وهو منهم،"لكونها ضمير الأمة، ورسالة للعالم" ومن هذا الجانب كان حوارنا معه :
*ما أبرز ما ميز جيلكم الذي عاش مرحلة انتجت نمطاً نضاليًا مختلفاً ؟
**أنتمي لمواليد أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، وهو قرن مختلف، ما زالت تداعياته تصاحبنا، فهي المرحلة التي خلقت في محطات أخرى نمطًا نضاليًا له علاقة جدلية بالأدب والفن والشعر والإبداع عمومًا، والحس النضالي وأدبيات المواقف، وهو المسار الذي سرنا على دربه وما زال يسكننا، فمنا من احترف المجال الفني أو الأدبي، وحتى السياسي بأثر وتأثير تلك المرحلة، حيث الحضور القوي للقضية الفلسطينية أبرز ما كان هاجسها وتوجهاتها فحينما كنا أطفالًا في المؤسسات العمومية التعليمية في السبعينات وأوائل الثمانينات، مثلنا مسرحيات، عناوينها مقتبسة من أشعار كبار الشعراء، دون أن نعرفهم إلا من خلال مختارات من أشعارهم التي كنا نرددها، ونؤدي أدوارنا بانهزامية وبكاء على الأطلال. أذكر عناوين "لا تصالح"، "أنا عربي"، "حنظلة"، "عصفور طل من الشباك" إلخ، ثم تعرفنا على فيروز، وجوليا بطرس، ومارسيل خليفة، وأميمة الخليل، واللائحة طويلة، وقد تدرج فيها شعراء كبار من العراق و مصر ولبنان وسورية، لقد واكبنا هذه المرحلة، وكانت أنشطتنا ومهرجاناتنا، وحفل ختام حفلاتنا المدرسية، لا تخلو من غناء عن القضية ورفع الكوفية، وغصن زيتون، وصوت أمٍّ ثكلى، وبكاء طفل يسائل الضمير العربي. وفي يفاعتنا وشبابنا الأول تابعنا مهرجان المربد بالعراق، وصوته الوضّاح، ودفاتر النكسة لنزار قباني، وتابعنا الماغوط، وأمل دنقل، ومحمود درويش، وناجي العلي، وقرأنا الروايات العربية الكبرى، ومعظمنا انخرط في مجال الصحافة، وأنا منهم، لكونها ضمير الأمة، ورسالة للعالم، وفي فترة الستينات والسبعينات، برز عدد من الشعراء والسياسيين، ومعظمهم أدباء وكتّاب وإعلاميون، أصبحوا أصواتًا مركزية للقضية الفلسطينية، سواء من داخل فلسطين المحتلة أو من المنافي أو عبر العالم العربي، جمعهم همّ الهوية، والمقاومة، ومطلب العودة، والانتصار للقضية. وتحوّل الشعر إلى سلاح ثقافي في وجه الاحتلال والنكبة، فكان جيلي يحفظ عن ظهر قلب أشعار محمود درويش، وكنا نردد في تظاهراتنا الخاصة أشهر قصائده: "سجّل أنا عربي"، "بطاقة هوية"، "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، وصولًا إلى توفيق زيّاد، وقد أصبحت قصيدته "هنا باقون" شعارًا للأرض والهوية الفلسطينية، كما واكب جيلي فدوى طوقان التي كتبت عن النكسة والاحتلال، ومعين بسيسو الذي كتب في السجون والمنافي. وهذه المداخل سيرتنا على نهجها، وفتحت أعيننا على الشعر وكتابته، وعلى الفنون عمومًا والأدب والفكر.
لقد كانت أزمة 1967 بارزة بألمها وإكراهاتها، سيما وهي حديثة الوقوع، وقد أنتجت جرحًا وارتكاسة، كما أنتجت أدبًا وفكرًا وصدمة. وكان جيلي ابن المرحلة التي وحدت الوطن العربي من الماء إلى الماء، على الأقل من جانب ما سُمّي حينها بالنكسة، وبدأت أطروحة وفكر النهضة يتجدد مع النقد الذاتي، وجلد الذات. ومن ثم سُمّي جيلي بالجيل المهزوم، وجيل أمل الانتصار، وجيل هُزمت رموزه، وكل هذا الإرث وُضع على عاتق ومسؤولية النهضة المأمولة التي لم تتحقق لذا حينما أقوم برجع زمني، أجد أن المرحلة أثّرت في جيل بكامله، وأنا منهم، ومعظم جيلي فنانون وأدباء وسياسيون وكتّاب قصة، ومعظمهم يساريّو الفكر، هم خريجو هذه المرحلة بكل إكراهاتها.
*أذا أردنا أن نعود إلى بدايات ارتباط المملكة المغربية بالقضية الفلسطينية ماذا تقول في هذا الشأن ؟
**يرجع الارتباط بالقضية الفلسطينية في المغرب إلى عهد الحركة الوطنية المغربية، ولا سيما بعد اندلاع أحداث "حائط البراق" عام 1929، حيث لم يفتر رجالاتها "علال الفاسي، عبد الله كنون، محمد حجي، المهدي بنونة، عبد الخالق الطريس" الذين تبلور وعيهم السياسي والقومي بالقضية، عن نصرة فلسطين في محافل الرأي العالمي والدفاع عن عروبتها، وجمع التبرعات لصالح الفلسطينيين، مثلما عملت على تمتين أواصر شبيبة الجيل الجديد بها من خلال إرسال وفود طلابية إلى بعض حواضرها مثل القدس والخليل. ويمكن أن نقيس درجة هذه العلاقة وصورها وأبعادها المعبّرة والكثيفة في كتابات المغاربة وأفكارهم وفنونهم وتعبيراتهم الإبداعية المختلفة: "أدب الرحلات، الشعر، القصة، الرواية، المسرح، التشكيل، السينما، الأغنية الغيوانية"، وكذلك من خلال مخيالهم الشعبي الذي كانت تغذّيه جملةٌ من الصور والتمثلات عن القضية الفلسطينية وأطوار عذاباتها، وفصول المرويات الفدائية والمشاهد المأساوية التي تنقلها إليه وسائط العصر الحديثة. كما صدرت بعد النكبة جريدة "فلسطين" التي لم تكن تنشر إلا ما له صلة بقضية فلسطين، ثم جريدتا "المحرر" و"الاتحاد الاشتراكي" تاليًا، حين كانتا تخصصان أسبوعيًّا صفحة خاصة بفلسطين ويوميات الكفاح الذي يخوضه شعبها ضد الصهيونية والإمبريالية. وكانت الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني، التي تأسست عام 1968، والتي ضمّت في نسيج أطيافها مفكرين، وأدباء، وساسة، ومحامين، وأطباء، وأساتذة، وطلبة، وعمالاً، تحشد – على مدار عقود – مظاهرات مليونية للتعبير عن روح الإجماع الوطني مع فلسطين، وعن التضامن الشعبي مع شعبها من أجل قضيته الإنسانية العادلة. مثلما بادر اتحاد كتاب المغرب منذ مؤتمره الثاني، الذي انعقد في تموز 1968 في الرباط، إلى دعم الكفاح العادل والمشروع الذي يخوضه الشعب الفلسطيني، وإلى مقاومة الخطر الصهيوني وفضح أساليبه العنصرية. واختارت جمعية أصدقاء المعتمد أن تكون فلسطين موضوع مهرجان الشعر المغربي في دورته الثالثة، وهو اختيار يعكس إيمان الشعراء بالقضية وضرورة التزام القصيدة الحديثة بالدفاع عن الحرية، ونصرة المظلومين، والتطلع إلى تحقيق الرفاه والعدالة الاجتماعية. كما كرّست مجلة "أنفاس"، صيف 1969، عددًا خاصًّا من أجل فلسطين، تزيّنه ملصقات عن آلامها وتوقها إلى الحرية لفنانين من أمثال: محمد حميدي، وعبد الله الحريري، ومحمد المليحي، ونور الدين النوري، وغيرهم. ودأبت الجامعة الوطنية للأندية السينمائية، بعد تأسيسها عام 1973، على إقامة أسابيع السينما الفلسطينية بمناسبة يوم الأرض في عدة مدن مغربية، مثلما عملت مجلة "سينما 3" التي كان يديرها الراحل نور الدين الصايل، على التعريف بالقضية ضمن احتفائها بسينما العالم الثالث ونزعاتها التحررية. ومن جهة أخرى، كان الأديب المغربي، على اختلاف توجهاته الفكرية وقيم إبداعه الجمالية، ما فتئ يعبّر عن روح ارتباطه بأرض فلسطين ويتغنّى برموزها وتضحياتها الجسام من أجل الحرية، سواء في الشعر: "إدريس الجاي، محمد الوديع الآسفي، عبد الرحمن الدكالي، عبد القادر المقدم، مصطفى المعداوي، محمد الحلوي، عبد الكريم الطبال، محمد أبو عسل، حسن الطريبق، مليكة العاصمي، محمد بن دفعة، محمد علي الهواري، علي الصقلي، أحمد بنميمون، حسن الأمراني، إدريس الملياني، جلول دكداك، محمد مستاوي"، أو في القصة والرواية: "عبد المجيد بن جلون، عبد الكريم غلاب، مبارك ربيع، محمد الهرادي، أحمد المديني، خناثة بنونة" صاحبة رواية "النار والاختيار" (1969) التي عالجت القضية الفلسطينية باعتبارها قضية وجود، واستطاعت أن تؤثر في أجيال من المتعلمين بعد أن قررت وزارة التربية الوطنية تدريسها في التعليم الثانوي سنين عديدة. كما برز في المسرح "عبد القادر البدوي، عبد الكريم برشيد، مولاي أحمد العراقي، محمد مسكين، ثريا جبران، عبد الحق الزروالي".
* ولكن كيف تعامل هذا الجيل مع المتغيرات السياسية التي طرأت على القضية الفلسطينية ؟
**درس جيلنا عند أساتذة عاشوا النكسة، وكنا جيل النكسة، وكان أملنا أن ننتصر، وطالت مراحل الانتكاسات واحدة تلو الأخرى، رغم كل المحاولات، درس جيلنا وقرأ "بروتوكولات حكماء صهيون"، وفهم اللعبة، ورُميت الجمرة بين يديه ساخنة، وكانت الانتفاضات، وكانت الحركات الطلابية عبر الوطن العربي، والمؤتمرات العربية، والأحزاب، والمنظمات تحمل القضية، ومن لا يحملها يعتبر خائنًا. جيلنا عبر من هذه المراحل وعاشها، وصولًا إلى أن أصبحت الجمرة ضئيلة، صغيرة، باردة، مهملة، منسية، مطفأة. جيلنا تابع خطاب ياسر عرفات ، وعاش وهم السلام واتفاقيات أوسلو، وتابع وانتظر مخرجات المؤتمرات العربية وقرارات الجامعة العربية، وعايش القضية ورهانها في لعبة الزمن، التي يتقنها الطرف الآخر. جيلنا لم يكتب شعرًا، ولا قصة، ولم يتلقَّ الأدب الذي وُلد في زمن النكسة كأدب عادي، بل كتب معظم الإبداع في تلك المرحلة، فكانت الحروف سيوفًا، والأفكار قنابل.
*وماذا عن حضور القضية الفلسطينية في المسرح المغربي وعلاقة الجيل الجديد بها فنيًا؟
**تحتفي سيرة المسرح المغربي دائمًا بمرحلة مسرح الهواة، الذي يُعد مدرسة المسرح المغربي، بدءًا من ستينيات القرن الماضي إلى أواسط الثمانينيات، وهي المرحلة التي كانت فيها معظم الأعمال عن القضية الفلسطينية، بتوقيع مبدعين كبار، ومنهم: د. عبد الكريم برشيد، وعبد المجيد فنيش، ود. عبد الرحمن بن زيدان، واللائحة طويلة. وبفضل هؤلاء الرواد ونضالهم، ومطالبتهم في كل المناسبات، تأسس عهد وطني للمسرح، الذي يضم حاليًا بعض الأساتذة الذين كانت لهم علاقة بهذا المسرح المؤسِّس، ومن المؤسف أن معظم الجيل الجديد قام بقطيعة مع القضية العربية عمومًا، بدعوى أن الفن رؤية كونية، ومواضيعه لكل البشرية، مع حضور محتشم للبعض على صعيد الإنتاج والالتزام بالقضية، لأن التطبيع سبقه نسيان القضية، وليس ملل النضال.
*كان وما زال، الأدب بكل أجناسه، والفنون بكل أنماطها، واجهة نضالية ضد الاحتلال الإسرائيلي، فكيف تنظر إلى الأدب الفلسطيني كشكل من أشكال المقاومة؟
** وضع الأديب الفلسطيني غسّان كنفاني مصطلح "أدب المقاومة" ليصف الأدب الذي بدأ يُكتب في فلسطين المحتلّة بعد نكبة عام 1948، ونكسة 1967، وباقي النكبات وقد جسّد هذا الادب واقع التهجير والمنفى، وأرخ الكتّاب الفلسطينيون تجاربهم من خلال الروايات، والشعر، والمذكرات، وسار على دربهم الكتّاب عبر الوطن، وكان الأدب الفلسطيني بمثابة شهادة على الصمود، ودعوة للتضامن الدولي مع القضية الفلسطينية، التي لم تكن قضية شعب جبار فحسب، بل هي قضية إنسانية كونية.. وما زال أدب المقاومة في فلسطين المحتلّة حيًّا، يُكتب تحت ظرف استعماري فرض حصارًا من كل الأنواع، ومن ضمنه الحصار الثقافي، الذي حرّمهم من امتدادهم الثقافي، والاجتماعي، والسياسي، والأدبي في الوطن العربي، ولا بد من الإشارة إلى أن أدب المقاومة يشمل أنواعًا مختلفة من الأعمال الإبداعية: السرديات من قصة، وشعر، ورواية، وفنون لأن للأدب والفن دورًا كبيرًا في تحريك الوجدان، ومواجهة الطغيان، وممارسة تعبير إنساني يوثق لحظات الظلم. وكمتتبع وممارس للعمل الإبداعي، كتبت القصة، والشعر، والمسرحية، كما كتبها جيلي، وأذكر كانت لدينا لقاءات في أكثر من مناسبة ثقافية، وأكثر من مسابقة فنية، محورها القضية الفلسطينية، وكانت بيانات كبار المبدعين الأولى في المؤتمرات التأسيسية في السبعينيات، والثمانينيات، وحتى التسعينيات، تندد بما يُمارس ضد الشعب الفلسطيني، وتُعلن تضامنهم مع المبدعين، والأدباء الفلسطينيين، وكان لا أحد ينتمي للإبداع عمومًا ما لم يُنجز عملًا أو عملين وأكثر عن الأدب والفن الفلسطيني.
*ما القيمة الحقيقية اليوم لكل ما كُتب عن القضية الفلسطينية في ظل دعوات السلام مع إسرائيل؟
**الجمرة التي كانت ساخنة، وكان من المنتظر أن تبقى ساخنة، للأسف بردت وفقدت حرارتها، لأن الطرف الآخر ربح الرهان ظرفيًا، حينما استفاد من حيلة الزمن، وربح الوقت الكافي، ففقدت القضية جيلها، وخلفت جيلاً لم تبقَ قضيته الأولى، وفقد رجالات كانت تحمل هم القضية. وكانت البداية مع دعوات السلام، ووصلت مرحلة التطبيع أو بيع القضية، وصولًا إلى مرحلة التخلي عنها، وأكبر دليل واقع غزة الآن. وعلى الرغم من ذلك، استمر أدب المقاومة ولم ولن يموت، لأنه تاريخ ومتحف أدبي، وما كُتب عن القضية سيظل إدانة ولن يُمحى. وهنا أعطي دليلاً بسيطًا وصغيرًا ولكن قيمته كبيرة: في السنة الماضية، نظمت مؤسسة جامعية مغربية حفل تخرج لطلبتها، وحضره عميد كلية علوم كضيف، ورفض أن يُقدّم شهادة التخرج لطالبة كانت موشحة بكوفية فلسطينية، ورفضت الطالبة أن تزيل الكوفية، فاحتفى بها كل الحضور، ونددوا بالعميد وخوّنوه، حتى انسحب، ذليلاً صغيرًا. وبعد ذلك، أصبحت الكوفية رمزاً كل الطلبة والمؤسسات والجمعيات، وهو دليل على الحضور التاريخي الرمزي للقضية الفلسطينية المستمر في الزمان والمكان ومع كل الأجيال.
*وماذا عن تأثير السياسة على مفهوم القضية الفلسطينية في الأدب والفن وحتى الإعلام؟
**في الحقيقة، هذا سؤال مركب، يمكن أن نتناوله من خلال بناء سؤال تقييمي آخر: من يقود من؟ هل السياسي يقود المثقف، أم المثقف يقود السياسي؟ حينما يقود السياسي المثقف، من السهل أن تجد التراجع عن القيم والمبادئ، ولن تجد موقفًا ثابتًا، سيما وأن السياسي براغماتي بطبعه، وغير مستقر على قرار، وبذلك أنتج نظرية أنه من الممكن أن يتواطأ مع الشيطان من أجل المصلحة؛ لذا حُورب المثقف، وأُبعد من مواقع القرار بتواطؤ وبلعبة السياسي، الذي دعمته عدة جهات لغرض ربح المصلحة المتبادلة. من هنا، نجد أن السياسة بمفهومها المصلحي النفعي، هي التي طبعت، ولكن الثقافة رفضت وما تزال ترفض، ودورها يكمن في الأدب والفن، والإعلام الذي يسير في معظمه من طرف الأيديولوجية، وتمويله يُموَّه، مع استثناءات كبيرة بالطبع، وحضور أصوات إعلامية ممثلة في المثقف العضوي المنخرط في قضايا المجتمع.
*كإعلامي يمارس الإعلام منذ سنوات طويلة ويقوم بتدريسه، ما أبرز تحولات هذا الإعلام برأيك اتجاه القضية؟
**أولًا: واكبت القضية تاريخ الإعلام بدءًا من الإعلام التقليدي (1948–1987)، وقد كان حينها تعبويًا قوميًا عربيًا، يُمارَس عليه دوليًا السيطرة على المضمون والخطاب، وكانت حينها مركزية صوت "المقاومة" والانتماء العاطفي، بالنسبة لجل الإعلام العربي في علاقته مع القضية الفلسطينية كـ"قضية العرب الأولى"، وكان الإعلام صوتًا موحدًا إلى حد كبير، رغم التناقضات السياسية بين الأنظمة، والدليل توظيف مصطلحات في القضية: "الشهيد"، "اللاجئ"، "الفدائي".
ثانيًا: أتت مرحلة إعلام الانتفاضات (1987–2000)، وفيها بدأ الإعلام يتفاعل مع تطور التقنيات بتغطيات حية لأحداث الانتفاضة الأولى والثانية، وهنا نسجل صعود القنوات الفضائية، وتحول الصورة من (الحجر، الكوفية، الطفل) إلى خطاب عالمي، مع بداية ظهور الرواية الفلسطينية المرئية خارج القالب الرسمي، وتقوية الصحفي/الميداني كمصدر معلومات بدلًا من المتحدث الرسمي.
ثالثًا: مرحلة الإعلام الرقمي – الإعلام الجديد (2000–2014)، وهي مرحلة شبكات التواصل (فيسبوك، يوتيوب، تويتر وغيرها)، التي أصبحت أدوات مقاومة مع ظهور جيل "المواطن الصحفي"، وتراجع السيطرة الرسمية على الرسائل، ودخول الجمهور كمُنتِج ومؤثر: صوت الفرد، الشاهد، المدوّن. وهي المرحلة التي وُسِمت بتشتت الخطاب لكن اتسع تأثيره عالميًا".
رابعًا: الإعلام ما بعد التطبيع – إعلام مرحلة غزة 2023، وهنا ظهرت مؤشرات وانقسام حاد بين روايتين: "الرواية الإنسانية" و"الرواية السياسية". وظهر تسونامي تضامني عالمي إثر العدوان على غزة (2023–2024)، وصولًا إلى 2025، وصعود ترامب إلى الحكم والتحكم، والملاحظ فيها تزايد الرقابة الرقمية، وحظر المحتوى الفلسطيني، وعودة الخطاب الأخلاقي العالمي: صور الأطفال، الحصار، الإبادة، وبروز صحفيين فلسطينيين عالميين (مثل وائل الدحدوح، هشام زقوت، بلال التلاوي)، ثم تواطؤ بعض وسائل الإعلام الكبرى، مما أعاد مبدأ "الموضوعية" في الإعلام. هذه الموضوعية التي هي الحكم والمطلب حاليًا، والقضية الفلسطينية الآن تحتاج أكثر من أي وقت آخر لإعلام نزيه، غير مؤدلج.
*ما زلنا نفتقد حسن الاستفادة من التطور العلمي التكنولوجي في الإعلام، والدليل ما تبثه فضائياتنا من برامج سطحية. أي نتائج سنحصد من جراء ذلك برأيك؟
**من خلال رأي ممارس ومُتتبع وأستاذ للإعلام، ورئيس تحرير جريدة إلكترونية متخصصة في الثقافة، أقول يكمن التأثير السلبي لها على المجتمع في أن بعضها يساهم في نشر القيم السلبية أو تعزيز السلوكيات غير الصحية، وتشويه صورة الواقع وتعزيز الانقسامات الاجتماعية،. وبناءً على ذلك، هناك حاجة إلى مزيد من الاهتمام بجودة المحتوى الذي يُبث على الفضائيات، وضمان أن يكون هادفًا ومفيدًا للمشاهدين، ولن يتم هذا إلا إذا أُسنِدت الأمور لأهلها ومهنييها. لكن الملاحظة أن سلطة المال هيمنت وغيّرت كل الحقائق، مع الإعلان بشكل صريح عن الزواج العرفي والمصلحي بين المال والسياسة، التي تخدم أجندة أيديولوجية محددة ولها أهداف. وقد أوصلتنا هذه الاستراتيجية إلى الباب المسدود، فتوارى المثقف، وأُعلن موته، واستُبعد المهني، وأصبح التافه والفارغ في الواجهة. وعليه، فالنتائج التي سنحصدها واضحة: تتمثل في تتفيه جيل بأكمله، وقتل مرحلة تاريخية، وزيادة نسبة الجهل والأمية والتفاهة، لتتعاظم الأقزام، ويُزوَّر التاريخ، وتُدفن النهضة التي لم تكتمل.
*إذاً إلى ماذا نحتاج لتطبيق قانون إعلامي حضاري يلبي احتياجات الشباب العربي؟
**لتحقيق ذلك، نحتاج إلى وضع قوانين وتطوير تشريعات إعلامية تحترم حقوق الإنسان، وتنظم عمل وسائل الإعلام، مع مراعاة خصوصية كل بلد عربي، وكذلك تعزيز دور الإعلام في التنمية واستخدامه كأداة للتنمية والتوعية، من خلال نشر المعلومات والثقافة والتعليم، وتحسين جودة المحتوى الإعلامي ورفع مستواه من خلال تدريب الأطر الإعلامية، وتوفير الموارد اللازمة، وتشجيع وسائل الإعلام على ممارسة الرقابة الذاتية من خلال وضع معايير ومبادئ أخلاقية واضحة، وكذلك تفعيل دور المجتمع المدني وتعزيز ترسانة قانونية لمراقبة أداء وسائل الإعلام والمساهمة في تطوير السياسات الإعلامية العمومية، والتعاون الإقليمي والدولي، وتعزيز التعاون بين الدول العربية والمنظمات الدولية، لتبادل الخبرات والموارد في مجال الإعلام. من خلال هذه الخطوات، يمكننا العمل على تطبيق قانون إعلامي حضاري يلبي احتياجات الشباب العربي، ويساهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتنمية.
*لنتحدث بالتفصيل عن تجربتك المسرحية التي تناولت فيها القضية الفلسطينية ؟
**وأنا طفل في المستوى الابتدائي، اختارتني أستاذة اللغة العربية وأنا في المستوى الثاني، أن أمثل في مسرحية موضوعها القضية الفلسطينية وقد نجح المسرح في تأهيلي للمجتمع والحياة وكانت القضية دائماً في أنشطتنا المدرسية معنا تسكننا، ومرت تجربتي من دار الشباب ومسرح الهواة والتكوين في المسرح ثم المسرح في الثانوي والمسرح الجامعي، وفي كل مرحلة كنت أتابع أعمالاً مسرحية عن القضية الفلسطينية في المسرح المغربي والعربي، وكنت محظوظاً حين انتميت1991 لفرقة مسرحية عريقة، تأسست سنة 1952 وهي فرقة مسرح البدوي التي مرت بمراحل متعددة مارست فيها كل المهمات التي لها علاقة بالمسرح ومنها مهمة المسؤول الإعلامي كما أسست مركزاً للتوثيق والإعلام فيها وأشرفت على توثيق الذاكرة المسرحية من نصوص وكتابات وأبحاث، كذلك خضت تجربة الإخراج التجريبي مع فرق مدرسية ومنها المدارس الابتدائية، التي قدمت معها نصوصاً لمسرح الطفل، من تأليفي وإخراجي تعددت تيماتها بين الأسطورة وتاريخ الفن، وآخر عمل مسرحي للطفل حمل عنوان "أجراس زائرة" عن القضية الفلسطينية كتبتها بنضج معرفي وفني، بأسلوب سهل وغير مباشر ومناسب لعمر فئة بين 10 إلى 15 سنة، لغاية غرس القضية وإحياء الجمرة التي رميت بين أيدينا ذات طفولة.

