Menu

الخليج في عاصفة العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران

رضي الموسوي

نشر في مجلة الهدف العدد (72) (1546)

فتح فشل العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران فضاءات مفتوحة على العديد من الاحتمالات، منها استباحة الكيان الصهيوني للسماء الإيرانية بعد توقف الهجمات وتنفيذ انتهاكات صارخة على الطريقة اللبنانية، وذلك بعد أن تمكن الكيان من قتل قيادات أساسية إيرانية بحجم رئيس هيئة الأركان وقائد الحرس الثوري وغيرهما من القيادات العسكرية والسياسية والأمنية إضافة إلى إغتيال مجموعة من العلماء النوويين في الضربة الأولى المباغتة التي كشفت حجم الاختراق الصهيوني في الجسد الإيراني وما تركته من حالة إنهاك وإضعاف، تجاوزتها بعد ساعات من الهجوم الأول. هذا الاحتمال يفتح الباب لفرض معادلة "نووية" جديدة على طهران كنتيجة مباشرة للعدوان على المنشآت النووية الإيرانية التي ادعّت واشنطن وتل أبيب تدميرها تدميرا شاملا. وفي المخطط أيضا أنه في حال نجحت تل أبيب وواشنطن في تحقيق الأهداف يتم تحريك الداخل الإيراني بزعزعة الاستقرار تمهيدا لإسقاط النظام القائم وإقامة نظام موال للصهاينة والأمريكان يلبي متطلبات تشييد الشرق الأوسط الجديد الذي يبشر به قادة الكيان منذ عدة عقود. استكمال هذا المخطط يقود إلى تصفية القضية الفلسطينية وضرب مقومات صمودها داخليا وفي الإقليم نظرا لما تشكله إيران من دعم رئيسي لفصائل المقاومة الفلسطينية.

حدد رئيس وزراء الكيان، بدعم مطلق من الإدارة الأمريكية، ثلاثة أهداف للعدوان على إيران الذي بدأ فجر الثالث عشر من يونيو/ حزيران الماضي: إنهاء البرنامج النووي كلية وحرمان إيران من القيام بأي عملية تخصيب مهما كانت قليلة نسبة اليورانيوم المخصب، وضرب البرنامج الصاروخي وخصوصا الباليستي لمنع إيران من مواجهات محتملة في المستقبل مع الكيان، وإسقاط النظام السياسي. فشل الكيان والولايات المتحدة الأمريكية من تحقيق أي من الأهداف المعلنة. بيد أن هدفا لم يتم الإعلان عنه لكنه واحدا من الأهداف الأكثر أهمية، وهو إعادة شد قوس الأزمة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، فكانت التكتيكات العسكرية تدفع طهران إلى توجيه صواريخها للقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة والتي تم إخلاء أغلبها من الوجود البشري والعتاد العسكري. صحيح أن إيران توجعت كثيرا من الضربات الجوية والاختراقات الأمنية المهولة، لكنها استوعبت سريعا الضربات وبدأت برد الفعل الذي دمر أجزاء واسعة من المواقع الصهيونية، العسكرية والاقتصادية واللوجستية، على مساحة فلسطين المحتلة، وهو الأمر الذي أفقد نتنياهو توازنه وضغط، بفضل اللوبي الصهيوني على الإدارة الأمريكية للمشاركة المباشرة في العدوان، ما جعل الوجود العسكري في المنطقة أهدافا مشروعة للصواريخ الإيرانية.

 

الوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي

بعد المشاركة الأمريكية المباشرة في العدوان على إيران عبر استهداف أهم المواقع النووية الإيرانية في كل من "فوردو" و"نطنز" و"أصفهان"، وضع الخليجيون أيديهم على قلوبهم تحسبا لردة الفعل الإيرانية، حيث تتمتع الولايات المتحدة الأمريكية بوجود عسكري مهم في منطقة الخليج، سواء على شكل قواعد عسكرية تدار كلية من البنتاغون، أو عبر التسهيلات الكبيرة التي تقدمها دول المنطقة لها في القطاعات العسكرية المنتشرة في بلدان الخليج والدول المجاورة. فهي تتمتع بأكبر قاعدة عسكرية خارج الولايات المتحدة، قاعدة العديد في قطر وفيها نحو 13 ألف جندي أمريكي متعددي الرتب العسكرية، وقد بدأت القاعدة عملها وفقا للاتفاق الأمني الذي تم بين الدوحة وواشنطن عام 1992، بعد طرد القوات العراقية من الكويت وعقد مؤتمر مدريد في 1991. ومنذ العام 2002 تحولت قاعدة العديد لتكون تحت تصرف الجيش الأمريكي وفيها أكبر مخزن للأسلحة الامريكية في المنطقة، وتتمتع باطول ممر لهبوط الطائرات العسكرية، وفيها أكثر من 100 طائرة. وفي قاعدة العديد تقع القيادة العسكرية الأمريكية الوسطى والقيادة المركزية للقوات الجوية ومركز العمليات الجوية والفضائية.

هذه المميزات التي تتمتع بها قاعدة العديد العسكرية، حفزت إيران على اختيارها لتكون مكانا للرد "الرمزي" على العدوان الأمريكي السافر على المواقع النووية الإيرانية ودعمها المطلق للكيان، واتكأت طهران على طبيعة العلاقة المميزة بينها وبين الدوحة مقارنة بباقي دول الخليج الأخرى، حيث تشترك الدولتان في حقل الغاز العملاق وتطوير العلاقات بين البلدين أثناء الأزمة الخليجية التي قوطعت قطر في 2017 من قِبَل ثلاث دول خليجية هي السعودية و البحرين والإمارات إضافة الى مصر، واستمرت المقاطعة عدة سنوات بنت خلالها طهران والدوحة علاقات قوية خصوصا في الجانب التجاري، حيث كانت إيران وتركيا هما الممولتان الرئيسيتان للمواد الغذائية لقطر. ربما أن الأنباء التي تسربت عن إخبار إيران لقطر عن مهاجمة قاعدة العديد هي أنباء مرجحة وصحيحة.

بالإضافة إلى قاعدة العديد العسكرية الأمريكية، هناك العديد من القواعد العسكرية ومواقع التسهيلات التي تقدمها العواصم الخليجية لواشنطن في الكويت حيث توجد قاعدة "عريفجان" وقاعدة "علي السالم" وقاعدة "معسكر الدوحة"، ويأتي الوجود الأمريكي بناء على الاتفاقية الدفاعية بين البلدين الموقعة في 1991 بعيد الاجتياح العراقي للكويت، والتي بموجبها نشرت الولايات المتحدة آلاف الجنود الأمريكان وقادت ما يسمى بـ"التحالف الدولي" لطرد الجيش العراقي من الأراضي الكويتية. وتقدر العديد من الأوساط المختصة عدد الجنود الأمريكان في الكويت بنحو 13 ألف جندي.

أما الإمارات فتوجد قاعدة "الظفرة" الجوية، و"ميناء جبل علي" الذي توجد فيه قوات بحرية أمريكية ويمكنه خدمة حاملات الطائرات، بالإضافة إلى قاعدة "الفجيرة" البحرية التي تقدم خدمات في حال إغلاق مضيق هرمز.

وفي البحرين تقع قيادة الأسطول الخامس الأمريكي في قاعدة الجفير البحرية، ويوجد فيها عدة آلاف تقدر ما بين 5 آلاف إلى 9 آلاف جندي. كما توجد فيها قاعدة "الشيخ عيسى" الجوية، فضلا عن تسهيلات أخرى. وفي سلطنة عمان تقع قاعدتا "مصيرة" و"ثمريت" الجويتين. وفي السعودية تحصل الولايات المتحدة على تسهيلات عسكرية في القواعد العسكرية ومنها قاعدة "الأمير سلطان" الجوية وقاعدة "الإسكان" الجوية.

هذا الحجم الكبير من الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج يتم دعمه بالأساطيل وحاملات الطائرات التي يغص بها بحر الخليج العربي والبحرين الأحمر والمتوسط والمحيط الهندي، فضلا عن الأقمار الصناعية ودخول الذكاء الاصطناعي في ساحة العدوان المستمر. لذلك فأن الصواريخ الإيرانية التي انطلقت نحو الكيان يتم مواجهتها في أكثر من مكان في المنطقة قبل وصولها إلى سماء فلسطين المحتلة، ومع ذلك فعلت هذه الصواريخ فعلتها في بنية الكيان العسكرية والاقتصادية واللوجستية.

وضع الكيان الصهيوني هدفا في عدوانه تمثل في تخريب العلاقات الخليجية الإيرانية إلى ما قبل الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية والذي أدى إلى تخفيف التوتر بين ضفتي الخليج، وجاء العدوان الأمريكي الصهيوني ليخلط الأوراق ثم يعيد ترتيبها لجهة خلق حالة جديدة من الخصومة الخليجية الإيرانية وزيادة جرعة الاصطفافات المذهبية والطائفية بما يخدم إستراتيجيات الكيان في السيطرة على المنطقة وتفتيتها.

 

خطر الديمغرافيا والطابور الخامس

يعتقد البعض أن المستهدف في العدوان فقط إيران، في حين أن المخطط الصهيوني المدعوم أمريكيا يهدف إلى تعميم اتفاقات إبراهام التطبيعية على دول مجلس التعاون الخليجي وخصوصا السعودية فضلا عن الدول العربية التي لا تزال تعارض التطبيع. لكن عين الكيان في المستقبل القريب شاخصة نحو الخليج العربي الذي يواجه اختلالات ديمغرافية خطيرة. تعاني دول مجلس التعاون الخليجي، التي يبلغ تعداد سكانها نحو 58 مليون نسمة، من أن المواطن أصبح أقلية في بلاده في أربع دول خليجية هي الإمارات وقطر والكويت والبحرين، بينما يشكل الوافدون في كل من السعودية وعمان نسبة مهمة. هذا الواقع خلق خواصر رخوة في الدول الست وإن بنسب متفاوتة، حيث بلغ عدد الوافدين في الإمارات النسبة الأكبر لتصل إلى 89 بالمئة من إجمالي عدد السكان الذي يبلغ أكثر من 11 مليون نسمة، تليها قطر بتعداد 3 ملايين نسمة ونسبة الوافدين فيها 87 بالمئة، فالكويت (5 ملايين نسمة) ونسبة الوافدين فيها 69 بالمئة، ثم البحرين (1.6 مليون نسمة) نسبة الوافدين فيها 51 بالمئة ثم عُمان (5.2 مليون نسمة) بنسبة وافدين تبلغ 40 بالمئة وأخيرا السعودية (35.3 مليون نسمة) بنسبة وافدين بلغت 39 بالمئة. وبلغت نسبة العمالة إلى إجمالي السكان 56.7 بالمئة، بينما بلغت نسبة الوافدين العاملين من إجمالي العمالة بدول مجلس التعاون 77.2 بالمئة، وفق إحصائيات المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي.

تشكل هذه المعطيات خطورة جدية على الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي وتساعد على الاختراق الصهيوني للمجتمعات الخليجية التي تعاني من بيئة هشة تُمكِّن من ضرب إسفين في الوحدة الوطنية الداخلية وتؤسس بؤر توتر إضافية بين المكونات الرئيسية في الدول الخليجية الست. والكيان الصهيوني ليس بغافل عن هذا الواقع المختل وطبيعته الاستيطانية التوحشية المدمرة تقوده للتغلغل في هذه المجتمعات والعمل على تخريبها وتشكيل طوابير خامسة لخدمة أهدافه الخبيثة ووضع لبنات السيطرة إن استمر الوضع على ما هو عليه، حيث تكشفت في الآونة الأخيرة معلومات عن وجود طابور خامس صهيوني في صفوف العمالة الاجنبية يتجسس على إحدى الدول الخليجية. كما أنه بعد نظام "بيغاسوس" الذي يتجسس على اجهزة الهاتف، دخلت شركات آسيوية جديدة للتجسس على حركة الناس بعضها له صلة مباشرة مع جهاز الموساد الصهيوني.

وبخلاف موقف الشعب الإيراني الموحد ضد العدوان الأمريكي الصهيوني رغم الخلافات ووجود معارضات مهمة في الداخل الإيراني، فإن الخلل السكاني في دول مجلس التعاون يشكل نقطة ضعف كبيرة في حال وجود خضّات كبرى، وهي مرشحة لأن تحدث نظرا لما تتمتع به منطقة الخليج من أهمية الموقع الجيوسياسي والثروات النفطية التي تشكل أكثر من 20 بالمئة من إجمالي تدفقات النفط للأسواق العالمية. يضاف إلى ذلك وجود مضيق هرمز الذي تتشارك فيه إيران مع عمان وهو الذي تمر منه ناقلات النفط من الخليج للعالم، فضلا عن باب المندب الذي يقع تحت المسؤولية اليمنية.

إن العدوان الذي تعرضت له إيران على مدار اثني عشر يوما مرشح لأن يتكرر في ظل هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار وطبيعة الكيان الصهيوني العدوانية التي تعتبر الصراع وجوديا مع إيران، وقد أعاد الرئيس الأمريكي تهديده بضرب المنشآت النووية الإيرانية إذا شرعت الأخيرة في استمرار عملية التخصيب. هذا يفرض على إيران تحديات في معالجة أوضاع الداخل الذي يعاني منذ الثورة في 1979 من حصار أمريكي وغربي مس عصب الاقتصاد والحياة المعيشية ناهيك عن الوضع السياسي. كما يفرض تمتين الجبهة الداخلية الخليجية بتعزيز الوحدة الوطنية في كل بلد خليجي عبر الانفتاح على المكونات والعمل على بناء الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على التعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان، والشروع في المشاريع الكبرى التي تقود للوحدة الحقيقية بين هذه الدول ومعالجة الخواصر الرخوة المتمثلة في اختلال الديمغرافيا، بما يقود إلى تحصين دول مجلس التعاون الخليجي من التدخلات الخارجية وعلى رأسها تدخلات الكيان الصهيوني.