حرب الـ 12 يوما بدأت بهجوم إسرائيلي صاعق، لكن مكاسب العدو في الليلة الأولى تم تقويضها تدريجيا بالهجمات الصاروخية المدمرة التي أثبتت مدى التقدم الذي أحرزته إيران في برنامجها الصاروخي، وانكشاف ثغرات في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية، إضافة إلى استنفاد مخزون الصواريخ الاعتراضية.
حقق العدو إنجازات تكتيكية بضرب المفاعلات، واغتيال صف بارز من القادة العسكريين والعلماء، لكنه فشل في تحقيق أهدافه الثلاثة: تدمير القدرات النووية الإيرانية، تدمير القدرات الصاروخية البالستية، وإسقاط الجمهورية الإسلامية.
تقرير الاستخبارات العسكرية الأمريكية الذي تسرب للإعلام قال إن الضربات الإسرائيلية والأمريكية لم تكن قاصمة للبرنامج النووي. أما هدف تدمير القدرات الصاروخية فإن ما أحدثته الصواريخ الإيرانية من أضرار وخسائر بالغة للعدو ومسارعة العدو في طلب وقف إطلاق النار تثبت كذب الرواية الإسرائيلية بشأن تدميرها.
وفي حقيقة الأمر فإن هدف إسقاط النظام ربما كان الأهم، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من محاولة إحداث فراغ قيادي عسكري بقتل كبار القادة العسكريين ومحاولة اغتيال مرشد الثورة، كما صرح وزير الدفاع الإسرائيلي في 26 يونيو حين قال: "أردنا اغتيال المرشد الإيراني لكن لم تكن هناك فرصة عملياتية". وقد فشل هذا الهدف لأن الشعب الإيراني اعتبر العدوان هجوما على الوطن الأم، في الوقت الذي تمكن النظام من تعيين قيادة جديدة سرعان ما استعادت زمام المبادرة وشنت هجمات صاروخية مدمرة.
غير أن فشل العدوان الإسرائيلي الأمريكي في تحقيق أهدافه لا يعني أن إيران انتصرت في هذه الحرب، فقد تلقت إيران ضربة موجعة، خاصة في يومها الأول، التي أُخذت فيه على حين غفلة رغم أن نذر الحرب كانت تملأ أجواء المنطقة. كما أن الاختراقات الاستخبارية والأمنية كانت كبيرة للغاية إلى درجة أن السلطات قالت إنها كشفت عن مخازن ومواقع فيها آلاف المسيرات المجهزة لعمليات التخريب والاغتيال. وقد ثبت أن منظومة الدفاع الجوي ضعيفة للغاية بحيث استباح العدو الأجواء الإيرانية التي قام فيها بمئات الطلعات دون أن تسقط طائرة واحدة عدا المسيرات.
هذه معركة من حرب طويلة تخوضها إيران وحلفاؤها من قوى المقاومة مع الكيان الصهيوني ورأسه الأمريكي، حرب باردة أحيانا وساخنة أحيانا أخرى. على الأرجح هذه المعركة لن تكون الأخيرة، فالحرب لم تسفر عن انتصار حاسم لطرف أو تراجع إيراني عن برنامجها النووي السلمي. لكن من الواضح أن دولة المستوطنين تعلمت درسا قاسيا: قوة الردع الإيرانية الصاروخية مازالت قاتلة والنظام لن يسقط بضربات من الجو، وما يفعله الكيان من انتهاكات يومية في لبنان لا يستطيع فعله مع إيران.
أمام إيران مهمات ضخمة تتعلق بإعادة بناء برنامجها النووي، وتخليص البلاد من شبكات العملاء، وبناء دفاعات جوية قادرة على حماية البلاد، وأخيرا تحقيق إصلاحات داخلية عميقة تساهم في استيعاب المعارضة الوطنية وتقوية الجبهة الداخلية.

